فاصلة

مراجعات

من الانتصار العسكري إلى الهزيمة الأخلاقية… كيف أعاد نولان قراءة أوديسيوس؟

Reading Time: 3 minutes

في أحدث أفلامه، يعود كريستوفر نولان إلى إحدى أكثر الحكايات رسوخًا في الذاكرة الإنسانية، «الأوديسة» لهوميروس، لكنه لا يكتفي بتحويل الملحمة إلى عمل سينمائي ضخم، بل يعيد بناءها بوصفها سؤالًا أخلاقيًا معاصرًا. فالفيلم يستلهم «الأوديسة»، وينهل من نصوص إغريقية ولاحقة تناولت حرب طروادة وآثارها، ليصوغ قراءة جديدة لشخصية أوديسيوس. وفي حين احتفت المرويات القديمة بدهاء البطل الذي ابتكر حصان طروادة وحسم الحرب، يتوقف نولان عند الثمن الأخلاقي لذلك الانتصار. ويتحول الحصان من حيلة عسكرية بارعة إلى نقطة الانكسار التي تبدأ منها رحلة الضمير، وتغدو العودة إلى الوطن رحلة مواجهة مع الذات بقدر ما هي رحلة عبور البحار.

The Odyssey
The Odyssey (2026)

من الانتصار العسكري إلى الهزيمة الأخلاقية

أبرز ما يضيفه نولان إلى شخصية أوديسيوس هو أنه ينقلها من موقع البطل المنتصر إلى موقع الإنسان الذي يراجع نفسه. ففي «الأوديسة» الهوميرية، لا يحتل الندم على سقوط طروادة مكانًا يُذكر، ولا يُقدَّم الحصان الخشبي بوصفه معضلة أخلاقية؛ فهو، في نظرها، ذروة الذكاء العسكري. أما في الفيلم، فإن الحصان يصبح الجرح الذي لا يندمل. وكلّ انتصار يتذكره أوديسيوس يقابله سؤال عن الثمن الذي دُفع، وكلّ خطوة نحو الوطن تستدعي صورة المدينة التي دخلها الإغريق رجالًا اختبأوا داخل هدية، بدلًا من أن يدخلوها محاربين يواجهون خصومهم. هنا يعيد نولان تعريف البطولة؛ فالانتصار العسكري لا يكفي لصناعة بطل إذا كان الطريق إليه قد انتهك المبادئ التي تمنح النصر معناه. ولذلك لا يبدو أوديسيوس في الفيلم رجلًا يفاخر بحيلته، وإنما رجل يطارد نفسه، وقد اكتشف متأخرًا أنّ بعض الانتصارات لا تُمحى من الذاكرة لأنها كانت انتصارات، بل تظلّ عالقة لأنها كانت هزائم أخلاقية متنكرة في هيئة نصر.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

الهدية التي تحوّلت خيانةً للثقة

من أكثر الأفكار عمقًا في الفيلم تلك التي يجعل فيها أوديسيوس يتأمّل أنّ الإغريق لم يخدعوا مدينة طروادة فحسب، بل خانوا معنى الهدية ذاته. فالهدية، عبر الحضارات، إعلان عن السلام، وإشارة إلى حُسن النية، وجسر تُبنى عليه الثقة بين البشر. لكن الحصان الخشبي قَلَبَ هذه الدلالة رأسًا على عقب؛ إذ أصبحت الهدية وسيلة للإبادة، وصار رمز الطمأنينة أداة للغدر. ومن هنا تتجاوز القضية حدود الحرب، لتصبح سؤالًا عن مصير القيم الإنسانية عندما تُستخدم ضد غاياتها الأصلية. فالخطر الحقيقي، من وجهة نظري، هو في تحويل أكثر الرموز الإنسانية براءة إلى أدوات للخداع، وتشويه صورة القيم السامية باستخداماتها الباطلة. عندما تفقد الهدية معناها، ويغدو الإكرام بابًا للقتل، فإنّ المجتمع يخسر أكثر من المعركة؛ إذ يخسر إحدى ركائز الثقة التي يقوم عليها العمران الإنساني. ومن هذه الزاوية، يتجاوز الحصان دوره حيلةً عسكريةً ناجحةً، ويغدو لحظة رمزية أعلن فيها الإنسان قدرته على تسخير الفضائل نفسها لخدمة الرذائل، وتحويل معاني الأمان إلى وسائل للهلاك.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

ماذا بعد الندم؟

وإنما السؤال الأهم من: هل ندم أوديسيوس؟ هو: ماذا صنع بندمه؟ في الفيلم، لا تبدو أشباح الماضي بعيدة عنه؛ فالحرب تلاحقه، والوجوه التي سقطت لا تغادر ذاكرته؛ كأنّ التاريخ يرفض أن يسمح له بنسيان ما فعل. حضور تلك الذكريات ليس عقابًا بقدر ما هو تذكير دائم بأن الإنسان لا يستطيع دفن أفعاله بمجرّد مرور الزمن. ومع ذلك، فإن الندم وحده لا يكفي إذا لم يتحوّل مراجعةً للسلوك. ولذلك يترك نولان النهاية مفتوحة أمام سؤال يتجاوز أوديسيوس نفسه: هل نتعامل مع مَن يذكرنا بأخطائنا بوصفهم أعداء ينبغي إسكاتهم، أم بوصفهم فرصة لإنقاذ ما تبقّى من ضمائرنا؟ كثيرًا ما نحاول التخلّص من الأصوات التي تكشف عن عيوبنا لأنها تؤلمنا، بينما تكون، في حقيقتها، آخر ما يربطنا بإمكان التصحيح. ولعل القيمة الكبرى للفيلم تكمن في تحويل ملحمة قديمة إلى مرآة أخلاقية معاصرة، تُذكّرنا بأنّ أعظم الهزائم ليست تلك التي نخسر فيها المدن، وإنما تلك التي نخسر فيها المعاني التي تجعلنا بشرًا، ثم لا نجد الشجاعة الكافية للاعتراف بذلك.

اقرأ أيضا: كلّ ما تريد معرفته عن «الأوديسة»… الملحمة المُنتَظرة لكريستوفر نولان

شارك هذا المنشور

أضف تعليق