بعد النجاح التاريخي الذي حقّقه «أوبنهايمر»، يعود المخرج البريطاني كريستوفر نولان بأضخم أفلامه حتى الآن، عبر اقتباس سينمائي لملحمة هوميروس الخالدة «الأوديسة» (The Odyssey)، في مشروع بلغت ميزانيته أكثر من 250 مليون دولار، وصُوِّر بالكامل تقريبًا باستخدام المؤثّرات العملية، ليصبح أول فيلم روائي طويل في التاريخ يُصوَّر بالكامل بكاميرات «IMAX 70mm».
وقبل طرحه في دُور السينما يوم 17 يوليو، إليكم كلّ ما تحتاجون إلى معرفته عن الفيلم.
رحلة العودة إلى إيثاكا
تدور الأحداث حول أوديسيوس (يوليسيس)، الذي يُجسّد شخصيته مات ديمون، في رحلته الطويلة للعودة إلى مملكته «إيثاكا» بعد انتهاء حرب طروادة.
لكن رحلة العودة، التي كان يُفترض أن تستغرق أيامًا، تمتدّ عشر سنوات، بعدما يقرّر إله البحر بوسيدون الانتقام منه بسبب إفقائه عين ابنه، العملاق بوليفيموس.
وخلال رحلته، يواجه أوديسيوس سلسلة من الاختبارات والأساطير الشهيرة، أبرزها:
الساحرة سيرسي، التي تُحوّل رجاله إلى خنازير.
النزول إلى العالم السفلي (هاديس).
مقاومة أغنية حوريات البحر (السيرينات).
البقاء في جزيرة الحورية كاليبسو.

وفي المقابل، ينتظره في «إيثاكا» ابنه تيليماخوس، الذي لم يره قط، وزوجته بينيلوبي، المُحاصرة من 108 خاطبين يسعون إلى الزواج منها، إضافة إلى كلبه العجوز أرغوس.
مشروع انتظره نولان أكثر من 20 عامًا
لم تكن «الأوديسة» أول ملحمة إغريقية يرغب كريستوفر نولان في تقديمها.
فعام 2004، حاول إخراج فيلم مقتبس من «الإلياذة» لهوميروس، لكن المشروع لم يرَ النور، قبل أن يتولّى المخرج فولفغانغ بيترسن إخراج فيلم «Troy».
بعد ذلك، انشغل نولان بسلسلة من أبرز أعماله، مثل: ثلاثية «The Dark Knight»، و«Inception»، و«Interstellar»، و«Dunkirk»، و«Tenet»، و«Oppenheimer».
وبعد فوز «أوبنهايمر» بسبع جوائز «أوسكار» عام 2024، وتحقيقه نحو مليار دولار عالميًا، حصل نولان على الحرّية الكاملة لتنفيذ مشروعه الحلم.

بدأ كتابة السيناريو في مارس 2024، وقال في تصريح لمجلة «تايم»: «لم يسبق أن قُدِّمت (الأوديسة) سينمائيًا بإمكانات إنتاج هوليوودية ضخمة، وهذا فراغ غريب في تاريخ السينما.»
طاقم تمثيل ضخم
يضمّ الفيلم إحدى أكبر قوائم النجوم في السنوات الأخيرة، منهم: مات ديمون — أوديسيوس، آن هاثاواي — بينيلوبي، توم هولاند — تيليماخوس، روبرت باتينسون — أنتينوس، أبرز خاطبي بينيلوبي، زندايا — الإلهة أثينا، تشارليز ثيرون — كاليبسو، سامانثا مورتون — سيرسي، لوبيتا نيونغو — هيلين الطروادية وكليتمنسترا، جون بيرنثال — مينلاوس، بيني سافدي — أجاممنون، جون ليغويزامو — إومايوس، بيل إيروين — بوليفيموس، إليوت بيج — سينون، هيميش باتيل — يوريلوخوس، ميا جوث — ميلانثو، ومغني الراب ترافيس سكوت — ديمودوكوس، شاعر بلاط الفياكيين.

وأوضح نولان أنّ اختيار ترافيس سكوت جاء لخلق موازاة بين الشعر الشفهي في الحضارة الإغريقية القديمة وثقافة الراب الحديثة.
ما الذي تغيَّر عن ملحمة هوميروس؟
أكد مات ديمون، في تصريحات صحافية، أنّ نولان ظل وفيًا للنصّ الأصلي إلى حد كبير، لكنه أجرى بعض التعديلات الدرامية، منها: تحويل كلب أوديسيوس، أرغوس، إلى شخصية محورية بدلًا من ظهوره القصير في القصيدة، إلى جانب توسيع العلاقة بين أوديسيوس وابنه تيليماخوس، وتقديم شخصية سيرسي بصورة أكثر إنسانية وتعقيدًا، وجعل العلاقة بين هيلين ومينلاوس أكثر واقعية وتعقيدًا. وأخيرًا، اعتمد بناءً زمنيًا غير خطّي، وهو أسلوب اعتاد نولان استخدامه في معظم أفلامه.
آلهة الأولمب… حضور غير مرئي
من أكثر قرارات نولان جرأة استبعاد معظم آلهة الأولمب من الظهور المباشر، باستثناء أثينا، التي تؤدّي دورها زندايا.
وأوضح أنّ سكان العصر البرونزي كانوا يرون إرادة الآلهة في كلّ الظواهر الطبيعية، لذلك تظهر قوة بوسيدون في الفيلم من خلال العواصف، والبحر الهائج، والرياح، من دون ظهوره جسديًا. أما أثينا، فتظلُّ الشخصية الإلهية الوحيدة التي تتفاعل مباشرة مع أوديسيوس.

تصوير عملي شبه كامل
استغرق التصوير 91 يومًا، وانتهى قبل الموعد المحدَّد بتسعة أيام، وهو أمر اعتاد عليه نولان، الذي لم يتجاوز ميزانية أو جدول تصوير أيّ من أفلامه السابقة.
وشملت مواقع التصوير ستّ دول، هي: المغرب، واليونان، وإيطاليا، وآيسلندا، واسكتلندا، والولايات المتحدة.
ومن أبرز المواقع التي استخدمها في التصوير: مَشاهد السيرينات في جزيرة ليباري الإيطالية، والعالم السفلي في آيسلندا خلال ظاهرة الليالي البيضاء، ولقاء أوديسيوس مع كاليبسو على أحد الشواطئ المغربية.
وكان هدف نولان الأساسي تحقيق أكبر قدر ممكن من الواقعية، لذلك اعتمد على المؤثّرات العملية بدلًا من الشاشة الخضراء.

فالسفينة الإغريقية التي تظهر في الفيلم هي سفينة حقيقية أبحرت في البحر المتوسّط، بينما نُفِّذت شخصية العملاق بوليفيموس باستخدام مزيج من الدمى المتحركة، والآليات الميكانيكية، والمؤثّرات البصرية المحدودة، مع أداء الممثل بيل إيروين.
واستلهم نولان ومصمِّمة الإنتاج روث دي يونغ، تصميم العملاق من لوحة الرسام الإسباني فرانسيسكو غويا الشهيرة «ساتورن يلتهم أبناءه».
أول فيلم يُصوَّر بالكامل بكاميرات «IMAX»
يُعد «الأوديسة» أول فيلم روائي طويل يُصوَّر بالكامل باستخدام كاميرات «IMAX 70mm».
ورغم الجودة البصرية الهائلة التي يوفّرها هذا النظام، فإنه فرض تحدّيات كبيرة خلال التصوير، لأنّ الكاميرات تُصدر ضجيجًا مرتفعًا. إذ شبَّه مات ديمون الأداء بجوارها بالتمثيل إلى جانب خلّاط كهربائي يعمل باستمرار. كما أنّ وزنها الضخم استدعى استخدام مروحيات لنقلها إلى المواقع الجبلية، وحجمها الكبير حال دون رؤية الممثلين وجوه بعضهم بعضًا خلال التصوير، ممّا دفع فريق العمل إلى ابتكار نظام يعتمد على المرايا لتسهيل التواصل البصري.

موسيقى مختلفة عن المعتاد
يتولّى الموسيقى التصويرية المؤلِّف لودفيغ غورانسون، الحائز على ثلاث جوائز «أوسكار»، والذي سبق أن تعاون مع نولان في «Tenet» و«Oppenheimer».
وبناءً على طلب نولان، لم يعتمد غورانسون على أوركسترا تقليدية، إذ استخدم 35 جرسًا برونزيًا بأحجام مختلفة، ومزج تسجيلاتها بأصوات إلكترونية.
كما تتضمَّن الموسيقى آلة قيثارة يبلغ طولها نحو طول الإنسان، إذ أراد نولان أن يتناغم صوتها مع صوت قوس أوديسيوس.
اقرأ أيضا: كريستوفر نولان… حين يتحوّل المخرج إلى علامة تجارية