لم تنجُ صناعة السينما من آثار جائحة «كوفيد-19». فخلال السنوات الست الماضية، خيَّمت حالة من القلق على مستقبل صالات العرض، خصوصًا مع صعود منصّات البثّ. لكن هوليوود تقترب اليوم من استعادة مكانة دُور السينما، إذ تشير المؤشّرات، مع سلسلة من النجاحات غير المتوقَّعة، وعودة الجمهور إلى الشاشة الكبيرة، وتزايد الإقبال على التجارب السينمائية المميزة، إلى أنّ شباك التذاكر الأميركي قد يُحقّق إيرادات تبلغ 10 مليارات دولار للمرة الأولى منذ الجائحة.
ولم تعد عودة الجمهور مجرّد أرقام في تقارير الإيرادات، إذ تحوّلت إلى ظاهرة ثقافية يلمسها العاملون في الصناعة يوميًا، من رؤساء الاستوديوهات إلى أصحاب دُور العرض، وصولًا إلى مسؤولي شركات تقنيات العرض السينمائي، وفق تقرير لمجلة «فارايتي».

«الأوديسة»… هاتف رئيس «IMAX» عاد إلى الحياة
لا ينخدع الرئيس التنفيذي لشركة «IMAX»، ريتشارد غيلفوند، بالشعبية المُفاجئة التي بات يحظى بها خلال الأشهر الأخيرة، إذ يكشف مازحًا أنه أصبح يتلقّى اتصالات من أشخاص لم يتحدَّث إليهم منذ سنوات، وكأنهم يحاولون التقرُّب منه للحصول على دعوة إلى حفل زفاف تايلور سويفت في «ماديسون سكوير غاردن». لكنه يكتشف في النهاية أنّ كلّ ما يريده هؤلاء هو تذكرة لحضور أحد العروض المبكرة لفيلم «The Odyssey»، ملحمة كريستوفر نولان الجديدة، التي تُعد أول فيلم روائي طويل في التاريخ يُصوَّر بالكامل بكاميرات «IMAX».
ويُعلّق: «يبدو أنّ فرصة الحصول على تذكرة لمشاهدة (الأوديسة) بتقنية IMAX أعادت إليَّ أصدقاء قدامى، ومنحتني أصدقاء جددًا أيضًا».
أدركت شركة «IMAX» مبكرًا حجم الطلب المتوقَّع على الفيلم، فطرحت تذاكر عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية قبل عام كامل من موعد عرضه، لتنفد خلال ساعات قليلة.
لكن نجاح «الأوديسة» لا يمثل سوى جزءٍ من صورة أكبر تعيشها هوليوود هذا العام.
الجمهور يعود إلى الشاشة الكبيرة
للمرة الأولى منذ أن هدَّدت جائحة «كوفيد-19» مستقبل دُور السينما، تبدو الصناعة وكأنها استعادت أنفاسها.

فالجمهور لم يكتفِ بمشاهدة الأفلام، فعاد للتفاعل معها على أنها أحداث اجتماعية وثقافية. إذ رقص المشاهدون مع فيلم «Michael»، وارتدوا أزياءً مستوحاة من عالم الموضة عند حضور عروض «The Devil Wears Prada 2»، بينما عاد كثيرون إلى الصالات أكثر من مرة لمشاهدة فيلم الرعب «Obsession».
وفي الوقت نفسه، ارتفعت مبيعات الفشار والمقتنيات التذكارية المرتبطة بالأفلام، فيما غصّت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما «تيك توك»، بمقاطع توثّق تجارب الذهاب إلى السينما، ليصبح حضور الفيلم داخل الصالة جزءًا من التجربة التي يتفاخر بها الجمهور.
من جانبه، يؤكد بطل فيلم «The Invite»، سيث روغن، أنّ المزاج داخل هوليوود تغيَّر بصورة واضحة، قائلًا: «أتحدَّث باستمرار مع رؤساء الاستوديوهات، ويمكنك أن تشعر بقدر من التفاؤل لم يعرفوه منذ سنوات. يُذكرني الأمر بما كان عليه الوضع قبل خمسة عشر عامًا، عندما كان الجميع يؤمن بأنهم قادرون على الفوز مرة أخرى.»
عام النجاحات الكبيرة… والمفاجآت الأكبر
ورغم أنّ نجاح أي فيلم لم يعد مضمونًا في عصر المنصات الرقمية، فإنّ هوليوود حقَّقت هذا العام سلسلة من النتائج القوية، سواء من خلال السلاسل الشهيرة أو الأفلام الأصلية.

كانت البداية مع فيلم «The Super Mario Galaxy Movie»، أول عمل يتجاوز حاجز المليار دولار عالميًا هذا العام، بينما اقترب «Toy Story 5»، الذي طُرح قبل أقل من شهر، من حاجز 900 مليون دولار، مع توقّعات بتجاوز إيرادات الجزء الرابع، البالغة 1.07 مليار دولار، ليصبح الفيلم الأعلى إيرادًا في تاريخ السلسلة الممتدّ أكثر من ثلاثة عقود.
أما «The Devil Wears Prada 2»، فقد تجاوز إيرادات الجزء الأول خلال أسابيع قليلة فقط، مُحقّقًا 688 مليون دولار، ليصبح أحد أنجح الأفلام الكوميدية في السنوات الأخيرة.
نجاحات لم تكن في الحسبان
لكنّ اللافت أنّ بعض أكبر نجاحات العام جاءت من أفلام لم يكن أحد يتوقَّع لها هذا الأداء الجماهيري، ومنها «Project Hail Mary»، من بطولة رايان غوسلينغ، الذي يُعد أحد أبرز مفاجآت العام، إذ تحدَّى كل التوقّعات مُحققًا 683 مليون دولار عالميًا، ليصبح أول نجاح جماهيري ضخم لاستوديوهات «Amazon MGM» منذ عودتها الجادة إلى التوزيع السينمائي.
أما فيلم «Michael»، ورغم كلّ الأزمات التي رافقته خلال رحلة الإنتاج، فقد حقَّق إنجازًا تاريخيًا، باعتباره أول فيلم سيرة ذاتية تتجاوز إيراداته مليار دولار في شباك التذاكر.

لكن تظلّ القصة الأكثر إثارة هذا العام هي النجاح غير المتوقَّع لفيلم «Obsession»، الذي أخرجه الوافد الجديد كاري باركر. فالفيلم، صاحب الميزانية الإنتاجية الضئيلة نسبيًا، التي لم تتجاوز 750 ألف دولار، نجح في جمع 426 مليون دولار حول العالم، مع استمرار عروضه التجارية.
ولم يقتصر الأمر على الإيرادات، فسجَّل الفيلم ظاهرة نادرة في شباك التذاكر، إذ حقَّقت عطلات نهاية الأسبوع الثانية والثالثة والرابعة إيرادات أعلى من افتتاحيته، وهو أمر نادر الحدوث في السوق الأميركية.

وفي الوقت نفسه، لم يؤثّر هذا النجاح في الإقبال على فيلم الرعب منخفض التكلفة «Backrooms»، الذي أخرجه صانع المحتوى على «يوتيوب» كين بارسونز، البالغ عشرين عامًا، إذ حقَّق افتتاحية بلغت 81 مليون دولار، وهي الأكبر في تاريخ شركة «A24»، متجاوزًا بفارق كبير فيلم «Marty Supreme»، قبل أن يصبح لاحقًا أعلى أفلام الشركة إيرادًا، بأكثر من 363 مليون دولار.
أصحاب الصالات ينجحون أخيرًا
وتعليقًا على هذه الأرباح، يرى الرئيس التنفيذي لسلسلة «Alamo Drafthouse»، مايكل كوسترمان، أنّ ما يحدث اليوم هو ثمرة وجود قائمة متنوّعة من الأفلام القادرة على جذب فئات مختلفة من الجمهور، مستبعدًا أن يكون ذلك نتيجة النجاح الكبير لفيلم بعينه.
ويقول: «ما كنا بحاجة إليه حدث أخيرًا. لا توجد فقط قائمة جيدة من الأفلام المرتقبة، بل هناك أيضًا تنوّع حقيقي في نوعية الأعمال المعروضة. وهذا تحديدًا ما كان ينقصنا.»
وتؤكد الأرقام هذا الانطباع؛ إذ باتت إيرادات موسم الصيف تعادل تقريبًا مستويات عام 2019، الذي يُعدّ أحد أقوى أعوام شباك التذاكر في التاريخ الحديث، بينما ارتفعت مبيعات التذاكر بنسبة 10 في المائة مقارنة بالفترة عينها من عام 2025، وفقًا لبيانات «Rentrak».
وإذا استمرت الوتيرة الحالية، فمن المتوقَّع أن تصل إيرادات شباك التذاكر المحلّي إلى 10 مليارات دولار بنهاية العام، في أول إنجاز من نوعه منذ الجائحة.

ولا تبدو وتيرة الزخم مرشَّحة للتراجع، إذ لا يفصل بين طرح «The Odyssey» و«Spider-Man: Brand New Day» سوى أسبوعين، ممّا يضع أصحاب دُور السينما أمام تحدٍ جديد يتمثّل في توفير عدد كافٍ من الشاشات لاستيعاب الطلب المتوقَّع على الفيلمين.
ويقول كوسترمان: «نضطر إلى إضافة شاشات جديدة، وجدولة عروض مبكرة وأخرى متأخرة ليلًا. لم نشهد شيئًا مماثلًا خلال العامين الماضيين».
جيل «زد» يتصدَّر المشهد
عامل آخر أسهم في هذه العودة القوية لشباك التذاكر، إلى جانب نجاح الأفلام، يتمثَّل في التغير الواضح في سلوك الجمهور، وتحديدًا الأجيال الشابة، التي أثبتت أنها لا تنظر إلى الذهاب إلى السينما بكونه عادة قديمة. ففي الوقت الذي كانت فيه «وول ستريت» وكثير من مسؤولي الاستوديوهات، يعتقدون أنّ منصات البثّ مثل «نتفليكس» و«يوتيوب» أنهت عصر دور العرض، كانت الحقيقة تسير في اتجاه مختلف تمامًا.
فوفق تقرير حديث صادر عن «Fandango»، شاهد 87 في المائة من أبناء جيل «زد» فيلمًا واحدًا على الأقل داخل صالة سينمائية خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، مقابل 82 في المائة من أبناء جيل الألفية، و70 في المائة من أبناء الجيل «إكس»، و58 في المائة فقط من جيل طفرة المواليد.
وتكشف هذه الأرقام أنّ الفئة الأصغر سنًا أصبحت اليوم القوة المحرّكة لشباك التذاكر، في مفارقة مع كلّ التوقّعات التي سادت خلال سنوات الجائحة.
السينما ستظلُّ تجربة اجتماعية
شهد المخرج المرشَّح لـ«الأوسكار» ريتشارد لينكليتر هذا التحوّل بنفسه داخل «Austin Film Society»، صالة السينما غير الربحية التي أسَّسها في ولاية تكساس عام 1985، موضحًا: «في اللحظة التي ظننتُ فيها أنّ هؤلاء الشباب الذين نشأوا على (تيك توك) قد انتهت علاقتهم بالأفلام، اكتشفت أنهم يحبّون الذهاب إلى السينما مع أصدقائهم».
ويضيف أنّ تجربة مشاهدة الأفلام داخل الصالات تعرَّضت للتهديد مرات كثيرة على امتداد تاريخها، لكنها كانت تنجو دائمًا لأنها تقوم على طبيعة الإنسان الاجتماعية.
وأضاف: «ظلَّت تجربة مشاهدة الأفلام في الصالات مهدَّدة طوال 80 عامًا، لكنها تنجو دائمًا من فترات الصعود والهبوط، لأننا كائنات اجتماعية بطبيعتنا».
العودة إلى الشاشة الكبيرة
ويرى عدد من العاملين في هوليوود أنّ أحد أسباب انتعاش صالات السينما يتمثّل في رغبة الناس في الابتعاد مؤقتًا عن الشاشات الصغيرة. ويقول كولين فاريل، الذي سيظهر في فيلم «The Batman: Part II» عام 2028: «أصيب الناس بالتشبُّع من الأرائك، أو ربما بالإرهاق من الجلوس عليها. صحيح أنّ مشاهدة المحتوى عبر منصات البثّ ممتعة، لكن الناس أدركوا أيضًا أن من الجميل التخطيط لأمسية كاملة تتمحور حول الذهاب إلى السينما».

أما المخرج أنطوان فوكوا، فلمس ذلك بنفسه خلال عروض فيلم «Michael»، ويؤكد أنه شاهد الجمهور يرقص ويتفاعل مع أغنيات مايكل جاكسون داخل الصالات، الأمر الذي جعله يشعر بأن الناس استعادوا متعة الذهاب إلى السينما.
ويضيف: «أتذكر ذهابي لمشاهدة (Star Wars) و(Jaws) مع والدي. كان الجميع يتحدَّث عنهما في المدرسة وخلال الصيف. وهذا الصيف يثبت أن الناس ما زالوا يتوقون إلى تلك التجربة الجماعية».
حاويات الفشار… تجارة تتجاوز 100 مليون دولار
قبل عام فقط، صرَّح الرئيس التنفيذي المُشارك لـ«نتفليكس» تيد ساراندوس، بأن دُور السينما أصبحت «فكرة عفا عليها الزمن بالنسبة إلى معظم الناس». لكن إذا كان هناك دليل عملي على أنّ هذا التصوّر لم يكن دقيقًا، فهو ما يحدث اليوم في منافذ بيع الفشار داخل دور العرض.
فما بدأ عام 2024 مع طرح حاوية فشار على هيئة دودة الرمال الخاصة بفيلم «Dune: Part Two»، والتي انتشرت على نطاق واسع بسبب تصميمها المثير للجدل، تحول خلال عامين فقط إلى صناعة متكاملة.

واليوم، أصبح لكلّ فيلم ضخم تقريبًا حاوية فشار تذكارية خاصة به، سواء كانت حقيبة مستوحاة من عالم الموضة في «The Devil Wears Prada 2»، أو حصان طروادة لفيلم «The Odyssey».
وتتراوح أسعار هذه الحاويات بين 20 و80 دولارًا، فيما تُباع بعض النسخ على مواقع إعادة البيع، مثل «eBay»، بأضعاف أسعارها الأصلية.
ويقول الرئيس التنفيذي لسلسلة «AMC Theatres»، آدم آرون: «قبل ثلاثة أعوام لم نكن نبيع أي حاويات فشار مرتبطة بالأفلام. أما هذا العام، فستصبح تجارة تتجاوز قيمتها 100 مليون دولار بالنسبة إلينا. لقد أصبحت جزءًا من متعة الذهاب إلى السينما».
طريق طويل نحو التعافي
بعد انتهاء الإغلاق المرتبط بجائحة «كوفيد-19»، ظلَّ كثير من الناس يتجنّبون الذهاب إلى صالات السينما خوفًا من العدوى. ورغم نجاح أفلام مثل «Spider-Man: No Way Home» عام 2021 و«Top Gun: Maverick» عام 2022 في إعادة الجمهور مؤقتًا، فإنّ بقية الأفلام لم تستفد بالقدر نفسه.
لذلك، لم يكن طريق استعادة الصناعة مكانتها اليوم سهلًا، لا سيما أنّ أزمة الجائحة أعقبتها إضرابات الكتّاب والممثلين في هوليوود عام 2023، لتوجّه ضربة جديدة إلى القطاع، بعدما توقّفت عمليات الإنتاج مدّةً طويلة، وتأجَّل طرح عدد كبير من الأفلام.
وتعليقًا على ذلك، قال رئيس «Sony Pictures»، توم روثمان: «لا يدرك الناس حجم الدمار الذي سببه الإضراب، وكيف أدّى إلى تأجيل كل شيء».

«باربنهايمر»… بداية استعادة الزخم
تزامنت الإضرابات مع الظاهرة التي عُرفت باسم «باربنهايمر»، والتي جمعت بين «Barbie» و«Oppenheimer» بعد طرحهما في اليوم نفسه عام 2023. ورغم أنّ هذه الظاهرة أعادت الجمهور إلى الصالات، فإن الصناعة احتاجت إلى وقت أطول لاستعادة زخمها بالكامل.
ويقول رئيس التوزيع العالمي في «Universal Entertainment»، بيتر ليفنسون: «فقدنا الزخم. لم يتوقف الإنتاج فقط، بل توقفت أيضًا حملات التسويق والترويج، لأنّ الممثلين لم يكونوا قادرين على الحديث عن أفلامهم. إعادة تشغيل المنظومة بأكملها واستعادة الجمهور احتاجتا إلى وقت طويل».
الإنتاج يعود إلى طبيعته
بعد ثلاث سنوات، عاد الإنتاج أخيرًا إلى مستوياته الطبيعية، ومن المتوقَّع أن تطرح هوليوود خلال عام 2026 ما بين 115 و120 فيلمًا واسع العرض، وهو رقم يقترب من إنتاج عام 2019، عندما طرحت الاستوديوهات الكبرى نحو 120 فيلمًا. ويمثّل ذلك زيادة واضحة مقارنة بعام 2024، الذي شهد طرح 94 فيلمًا فقط.
كما لم تعد الزيادة مقتصرة على الاستوديوهات التقليدية، مثل «Warner Bros.» و«Sony» و«Paramount»، بل دخل لاعبون جدد إلى السوق، من بينهم «Black Bear»، بينما عززت «Amazon MGM» حضورها السينمائي بعد أن ركزت سابقًا على البثّ الرقمي.
وستطرح الشركة هذا العام 13 فيلمًا في دور السينما، مقارنة بثلاثة أفلام فقط عام 2025.
النجاح يشجّع على المخاطرة
إلى جانب زيادة عدد الأفلام، يرى كثير من العاملين في الصناعة أنّ النجاحات غير المتوقَّعة لأفلام مثل «Project Hail Mary» و«Obsession» و«Backrooms» قد تغيّر طريقة تفكير الاستوديوهات في اختيار مشروعاتها.

ويقول المخرج المُشارك لفيلم «Project Hail Mary»، كريستوفر ميلر: «قال لي أحدهم ذات مرة إنّ المسؤول التنفيذي في الاستوديو يتّخذ قراراته إما بدافع الخوف أو الطمع. وأنت تريده أن يقرّر بدافع الطمع، لأنّ الناس عندما يتّخذون قراراتهم بدافع الخوف، يبدأون في إنتاج أعمال محافظة تُشبه ما سبق تقديمه».
ويضيف: «ما نكتشفه الآن هو أنّ الناس لا يريدون مشاهدة الشيء نفسه الذي شاهدوه مائة مرة من قبل، بل يريدون شيئًا جديدًا».
أكثر من اسم كبير
لم تشمل هذه الأجواء الإيجابية الجميع، إذ كانت أكبر الإخفاقات التجارية هذا العام من نصيب أعمال تنتمي إلى سلاسل وعلامات تجارية كانت، حتى وقت قريب، تُعد ضمانة أكيدة للإيرادات. ويرى مراقبو الصناعة أنّ عام 2026 أثبت أنّ شهرة الاسم وحدها لم تعد كافية لإقناع الجمهور بشراء تذكرة، والمشاهد أصبح أكثر انتقائية من أي وقت مضى.
ومن أبرز الأمثلة، فيلم «Supergirl»، الذي اكتفى بتحقيق 115 مليون دولار عالميًا، رغم أن ميزانية إنتاجه بلغت 170 مليون دولار، في مؤشر جديد على أن أفلام الأبطال الخارقين لم تعد تهيمن على شباك التذاكر كما كانت خلال العقد الماضي.

ولا يعني ذلك نهاية هذا النوع السينمائي بالكامل، إذ لا تزال أفلام مثل «Spider-Man: Brand New Day» و«Avengers: Doomsday» مرشَّحة لتحقيق إيرادات ضخمة، لكن نجاحها يرتبط بشخصيات تمتلك قاعدة جماهيرية راسخة منذ سنوات.
أما الأفلام التي تعتمد على شخصيات أقل شهرة من عالم القصص المصوَّرة، مثل «Thunderbolts» و«The Fantastic Four: First Steps»، فلم تعد قادرة على استقطاب الجمهور بالحجم الذي اعتادته هوليوود في السابق.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على أفلام الأبطال الخارقين فحسب، فقد حقَّق فيلم «The Mandalorian and Grogu»، المشتقّ من عالم «Star Wars»، 340 مليون دولار فقط، ليصبح أقل أفلام السلسلة إيرادًا، بينما توقّف فيلم «Masters of the Universe» عند 112 مليون دولار، رغم أنّ ميزانية إنتاجه بلغت 250 مليون دولار.
وهو ما يُعلّق عليه المخرج المُشارك لفيلم «Project Hail Mary»، فيل لورد: «القاسم المشترك بين الأعمال الناجحة هو التجدُّد والجودة. هناك دائمًا شهية للأفلام الرائعة».

ولا تزال هوليوود تنتظر موسمًا مزدحمًا في نهاية العام، مع طرح أجزاء جديدة وأعمال مشتقة من سلاسل مثل «Dune» و«The Avengers» و«Meet the Parents» و«The Hunger Games»، وهي أعمال تحمل على عاتقها كثيرًا من التوقعات.
ويقول محلّل قطاع دور العرض لدى «Roth Capital Partners»، إريك هاندلر: «تبدو نهاية العام قوية جدًا، وموسم العطلات مزدحم بصورة إيجابية».
مخاوف من الاندماجات الكبرى
ورغم هذه المؤشّرات التي تحمل كثيرًا من التفاؤل، لا يزال أصحاب دُور السينما ينظرون بحذر إلى المستقبل، لا سيما مع الأنباء عن اندماج «Warner Bros.» و«Paramount Skydance». إذ يخشى كثير من المحلّلين وأصحاب الصالات أن تؤدّي هذه الخطوة إلى تقليص عدد الأفلام المنتجة سنويًا، كما حدث سابقًا عندما استحوذت «Disney» على «20th Century Fox» عام 2019، ممّا أدَّى إلى اختفاء أحد أكبر الاستوديوهات التاريخية، وتراجع إنتاجه بصورة ملحوظة بعد إعادة تسميته إلى «20th Century Studios».
وفي المقابل، وعد الرئيس التنفيذي لـ«Paramount Skydance»، ديفيد إليسون، بأنّ المجموعة الجديدة ستنتج أكثر من 30 فيلمًا سنويًا لدُور السينما، وهو رقم يشكك المنافسون في القطاع في إمكان تحقيقه، خصوصًا في ظلّ خطة الشركة لتوفير ستة مليارات دولار عبر التخلص مما وصفته بـ«العمليات المكرّرة».
كما يشير مراقبون إلى أنّ أي استوديو آخر لا ينتج هذا العدد من الأفلام؛ إذ تطرح «Universal»، صاحبة أكبر إنتاج في القطاع، نحو 20 فيلمًا سنويًا، بينما تطرح «Disney» نحو 16 فيلمًا فقط.
ويقول رئيس منظمة «Cinema United»، مايكل أوليري، التي تمثّل صناعة دُور السينما: «نشعر بقلق شديد. أحد الاستوديوهات العريقة، التي شكّلت ركيزة لهذه الصناعة طوال أكثر من مائة عام، سيختفي. ويخبرنا التاريخ القريب بأنه عندما تحدث اندماجات من هذا النوع، ينخفض الإنتاج ويُطرح عدد أقل من الأفلام، وهذا آخر ما تحتاج إليه الصناعة».
المعركة التي أعادت تعريف الصناعة
بالتوازي مع النقاش حول حجم الإنتاج، يدور نقاش آخر لا يقلّ أهمية، يتعلّق بما يُعرف بـ«نافذة العرض السينمائي»، أي المدّة الزمنية التي يبقى خلالها الفيلم معروضًا حصريًا في دور السينما قبل انتقاله إلى المنصات الرقمية.
ولعقود طويلة، امتدَّت هذه النافذة إلى 90 يومًا على الأقل، لكن مع تفشّي جائحة «كوفيد-19» عام 2020، تخلَّت الصناعة عن هذا النموذج التاريخي.
وفي ظلّ ضعف موقفها التفاوضي، وافقت سلاسل كبرى، مثل «AMC Theatres» و«Regal Cinemas»، على اتفاقيات مع «Universal» تتيح طرح الفيلم عبر خدمات المشاهدة المنزلية بعد نحو 16 يومًا فقط من عرضه السينمائي.
وأدّى ذلك إلى موجة واسعة من التجارب، كان أبرزها قرار «Warner Bros.» طرح جميع أفلامها لعام 2021 بالتزامن في دُور السينما ومنصة «HBO Max». لكن التجربة أثبتت، وفق كثير من التنفيذيين، فشلها، إذ أضرت هذه السياسة بقيمة الأفلام نفسها.
ويقول رئيس «Sony Pictures»، توم روثمان: «كان ذلك سوء فهم جوهريًا للأُسس الاقتصادية التي تقوم عليها الصناعة. لا شيء قادرًا على خلق ذلك الإحساس الثقافي بالإلحاح وجذب الانتباه مثل فيلم ناجح يُعرض في دُور السينما».
وبعد سنوات من التجارب، توصَّلت معظم الاستوديوهات إلى قناعة مشتركة مفادها أنّ العرض السينمائي لا يضرّ بالمنصات الرقمية، بل يزيد من قيمة الفيلم عندما ينتقل إليها لاحقًا.
ولهذا السبب، استقرَّت شركات مثل «Disney» و«Paramount» و«Universal» على اعتماد نافذة عرض لا تقلّ عن 45 يومًا.
ويقول الرئيس المشارك لشركة «Paramount Pictures»، جوش غرينشتاين: «من المهم جدًا أن تتوحَّد الصناعة حول نافذة عرض واضحة حتى لا يحدث أي التباس. يجب أن يفهم الجمهور أنّ المكان الوحيد الذي يستطيع فيه مشاهدة الفيلم خلال أول 45 يومًا هو صالة السينما. وإذا أراد أن يكون جزءًا من النقاش، فلن يكون هناك خيار: دعني أنتظر قليلًا».
اقرأ أيضا: كلّ ما تريد معرفته عن «الأوديسة»… الملحمة المُنتَظرة لكريستوفر نولان