فاصلة

مراجعات

«هوس»… العواقب الوخيمة لتحقيق الأمنيات

Reading Time: 5 minutes

يتحدَّث فيلم «Obsession هوس»، المعروض حاليًا في صالات السينما والذي يحتل المركز الخامس في شباك التذاكر، عن بير (لقب مختصر لاسم بارون)، المُغرَم بالفتاة نيكي التي يعمل معها، وحياتهما التي تتغيَّر إلى الأبد بعد أن يشتري بير قطعة سحرية تعد صاحبها بمنحه أمنية واحدة. هذه القطعة المصنوعة من خشب شجرة الصفصاف لا تتعدَّى كونها منتجًا يُباع في جميع المتاجر، إلا لمن بلغ به اليأس مبلغه أو لمن يشتريها على أنها مزحة طريفة. وهي لا تقلّ خرافةً عن تمنّي الأمنيات عند إطفاء شموع كعكة عيد الميلاد أو عند رؤية شهاب في السماء.

لكن بير، القابع في غياهب اليأس بعد أن يفشل في الاعتراف بمشاعره لفتاة أحلامه، ومع تقلص الوقت الذي يملكه معها بعدما علم بنيتها تقديم الاستقالة، يقرّر استخدام هذه الأمنية، رغم علمه بنسبة كبيرة بأنها لن تتحقَّق. وبعكس جميع توقعاته، تبدأ هذه الأمنية اليائسة بالتشكُّل أمام عينيه بأبشع الصور الممكنة.

Obsession (2026)‏
Obsession (2026)‏

يفاجئنا المخرج والكاتب الشاب كيري باركر في فيلمه الجديد، إذ استطاع التنقُّل بين نبرتَي الرعب والكوميديا السوداء بسهولة، عبر انتقالات لحظية لا تتداخل، لدرجة انتقاله بينهما في المشهد نفسه، مع نجاح النبرتين في تحقيق أقصى درجات التفاعل من المشاهدين من دون أيّ مشاكل. ومن ناحية أخرى، ثمة إدراك كامل لأهمية التصوير في التلاعب بتوقعات المشاهدين ومخالفة الأنماط البصرية المعتادة في أفلام الرعب. وأخيرًا، يستخدم الفيلم الموسيقى سلاحًا صوتيًا يقود المشاهدين من أقصى درجات التأمّل والهدوء الكامن في علاقة الحبّ التي تربط البطلين، إلى أقصى درجات الترقُّب والخوف من الآتي. إنها مجموعة من الأدوات التي تنمّ عن دراسة وفهم وحبّ لسينما الرعب.

تقابل درجة الإتقان في صناعة هذا الفيلم قلّة خبرة مفاجئة في طاقم العمل. فإلى جانب المخرج باركر، الذي يُعد هذا ثاني أفلامه الطويلة بعد فيلم «Milk & Serial»، وما سبقه من مجموعة أفلام قصيرة، يأتي بطل الفيلم مايكل جونستون (مؤدّي دور بير) من سيرة حافلة بالأداءات الصوتية المدبلجة لأعمال التحريك وبعض الأدوار التلفزيونية. أما بطلة الفيلم إندي نافاريتي (مؤدّية دور نيكي)، فتضم سيرتها مزيجًا من الأفلام القصيرة والأدوار التلفزيونية.

Obsession (2026)
Obsession (2026)

يبدأ الفيلم بالنمط المعتاد لأفلام الرعب، ويقدّم شخصياته تحت ضوء عاطفي بريء من دون أدنى لمحة من الرعب. لكن عبر هذا التقديم، يضع الأساسات التي سترتكز عليها علاقة البطلين. فمن خلال هذه المقدمة، يوضح درجة البؤس التي وصل إليها بير في حياته، ومقدار انعدام ثقته بقدرته على الفوز بفتاة أحلامه من جهة، وبنفسه عمومًا من جهة أخرى. أما نيكي، فيتضح منذ البداية أنها لا ترى بير شريكًا عاطفيًا مُحتَملًا إطلاقًا، ويقتصر وجوده في حياتها على كونه صديقًا أو أخًا في أفضل الأحوال. تُوضع هذه الأساسات لتصبح المحرّك الأساسي والمبرّر الأول لجميع قرارات بير لاحقًا، إذ يستمر في رفض المؤشرات التي تؤكد أن علاقته نتيجة عمل سحري وليست حقيقية إطلاقًا، ويبحث عن الأعذار الممكنة حتى يسمح لنفسه، قبل الآخرين، بتصديق أن ما يحدث ليس سوى نتيجة صدمات عاطفية مؤقتة.

يتقدّم الفيلم ويتدرَّج في تقديم ألوان مختلفة من الرعب، ما بين رعب نفسي غارق في لحظات ساحقة من الترقب الذي لا يبدو أنه سينتهي، ورعب جسدي دموي كفيل باستخراج ما لدى المشاهدين من خوف واشمئزاز. وخلال ذلك، يستمر في السخرية من عبثية الموقف الذي وُضعت فيه الشخصيات، عبر كوميديا سوداء تنجح في كسر الكم الهائل من التوتّر الذي نقبع تحته في تلك اللحظات.

Obsession (2026)
Obsession (2026)

والمثير للإعجاب أنه استطاع تجاوز كليشيهات أفلام الرعب التي تخفق في خلق حالة حقيقية من الترقُّب والخوف، لأن ما نستشعره خلال هذه الحالة من الترقب مكثَّف جداً، ونشعر بامتداده فترةً طويلة. وتتولد هذه الكثافة من خلال الاستخدام الناجح للموسيقى التي تقودنا بتؤدة في البداية إلى أجواء حالمة وعاطفية، حين يحاول بير الاعتراف بمشاعره لنيكي. ومع تغيُّر مسار الفيلم ودخولنا إلى ثيمة الرعب بالكامل، تتحوَّل الموسيقى بدورها وترافق المشاهد كافة، متنقلةً بسلاسة تامّة بين ثيمتَي الرعب والحب، فيما نتلقّى كلّ ما يقدّمه الفيلم من دون أي حاجز.

Obsession (2026)
Obsession (2026)

بصريًا، يستخدم الفيلم أدوات عدّة لتعزيز عناصر الرعب. ففي بعض المَشاهد، يعتمد على كوادر واسعة وشاملة، ويزرع فيها تفاصيل غير سوية أو غريبة يلاحظها المُشاهد إذا ركز جيدًا. ففي أحدها، يتناقش بير مع صديقه إيان حول ما فعلته نيكي في الليلة السابقة، وطوال المشهد نرى نيكي واقفة في الخلفية، غير واضحة بصريًا، لكنها تواصل النظر إليهما من دون انقطاع.

أسلوب آخر يستخدمه الفيلم يتمثّل في تقديم مَشاهد بطيئة تُخفّف من حدة التوتّر لدى المشاهدين، قبل أن يصدمهم بلقطة مفاجئة لاحقًا. أول هذه المشاهد يأتي بعد الأمنية مباشرة، عندما يلتفت بير لوهلة نحو منزل نيكي، فيُفاجَأ بوجودها واقفةً مثل ظلّ تحت أضواء المدخل، في لقطة تُصورها كما لو كانت قاتلًا متسلسلًا. ويزداد هذا الأسلوب حدّة مع تقدُّم أحداث الفيلم.

Obsession (2026)‏
Obsession (2026)‏

على الصعيد النفسي، يضعنا الفيلم أمام شخصية بير، ويُظهر تطوّره من عاشق بريء إلى شخص يشعر بمسؤولية كاملة عن مصير نيكي، وكيف أنّ هذه المسؤولية تجعله يبدو غير سوي. في البداية، يرفض تمامًا أي تفسير يفيد بأنّ هوس نيكي به نتيجة استخدامه تلك الأمنية، ودليل هذا الرفض أنه لا يُخبر أحدًا بأمرها. وبعد أن يتأكد، أو يستوعب، أن الفتاة المهووسة به ليست نيكي، بل نسخة ممسوخة منها، يكتشف أنّ موته كفيل بإنهاء المشكلة وإطلاق سراحها.

في أحد أكثر مَشاهد الفيلم مأساوية، ترجوه نيكي أن يقتلها وينهي معاناتها، وكأنها تصرح بما ظلَّ خفيًا طوال الوقت. فالفيلم، حتى تلك اللحظة، لم يطرح أو يناقش فكرة موت البطلة، لكننا نعلم أن موتها كفيل بحلّ المشكلة، تمامًا كما أن موته سيفعل ذلك. فمصيرهما متداخل ومتشابك. ومن خلال هذا الاكتشاف، نبدأ بملاحظة عمق الأنانية والشعور بالاستحقاق لدى بير. فهو أناني إلى درجة تجعله عاجزًا عن إنهاء حياته لإنقاذ نيكي، لكن هل يملك الجرأة الكافية لقتلها ومنحها الخلاص الذي تستحقه؟

سطحيًا، يمكن القول إن عنوان الفيلم «هوس» يشير إلى هوس نيكي ببير بعد الأمنية، لكن هذا الهوس هو أصل الأمنية نفسها وسببها الأول، وهو ما يدفعه إلى رفض إطلاق سراحها. وبينما يبدو هوس نيكي قسريًا، فإن هوس بير نابع من ذاته.

Obsession (2026)‏
Obsession (2026)‏

لم يكن لينجح الفيلم في التنقُّل بين نبراته المتنوِّعة لولا الأداء التمثيلي لإندي نافاريتي ومايكل جونستون، لقدرتيهما على استيعاب التغيّرات اللحظية في ثيمة الفيلم وتقديم ما تتطلّبه كلّ لحظة. فمن خلال نافاريتي، نُشاهد التحوّل الجذري في شخصيتها بعد تحقُّق الأمنية، ويبدو جليًا من خلال أدائها أنّ ما يحدث أمامنا هو صراع مستمر بين شخصين داخلها؛ صراع تتقلَّص فيه نيكي الحقيقية باستمرار، فيما تنتصر نيكي المهووسة تدريجيًا. أما دور جونستون، فكان يتطلَّب انحلالًا أكثر هدوءًا، وتحولًا من شخص خجول وغير واثق إلى مهووس يقرر إحكام مصير نيكي وربطها به إلى الأبد، ولو مؤقتًا. إنه أداء أقل انفجارية وضجيجًا من أداء زميلته، لكنه لا يقل أهمية عنه.

وينعكس الخجل والهدوء بصورة ممتازة على شخصية بير وتصرفاته، ممّا يجعل شخصية نيكي تبرز أكثر. وبعدما نعتاد نسبيًا على مفاجآتها، يأتي وقت انسلاخه وتحوّله ليقدّم صدمة جديدة وغير متوقَّعة.

كان فيلم «هوس» يمتلك كلّ المقومات التي تجعله فيلم رعب اعتياديًا، وأكثر ما يجذب الاهتمام فيه قصته التي قد تفقد بريقها سريعًا، لكن التطوير الدرامي للشخصيات والاهتمام السخي بالجوانب البصرية والسمعية يجعلاننا أمام عمل مُحكَم الصنع لا يتلاشى من الذاكرة سريعًا.

اقرأ أيضا: «أسد»… ومعضلة إعادة تدوير التاريخ

شارك هذا المنشور

أضف تعليق