فاصلة

مراجعات

«حكاية لعبة 5» التي ترفض أن تنتهي

Reading Time: 4 minutes

عام 1995، أحدثت شركة «بيكسار» ثورة في عالم السينما عندما قدَّمت فيلم «حكاية لعبة»؛ أول فيلم أنيميشن ثلاثي البُعد. ولم تقتصر هذه الثورة على الجانب التقني، إذ قدَّم الفيلم عالمًا من الخيال الخالص، وقصة عابرة للأجيال، وشخصيات تلامس قضايا إنسانية حقيقية، وهو ما كان نادرًا آنذاك. وبفضل نجاحه الساحق، أُنتج «حكاية لعبة 2»، الذي لم يكتفِ بالبناء على نجاح الجزء الأول، بل تجاوزه.

وعام 2010، اختَتم «حكاية لعبة 3» ما كان يمكن اعتباره ثلاثية سينمائية مُكتملة على نحو مثالي. وعلى عادتها في صناعة التاريخ وكسر التوقّعات، أصبحت السلسلة أول فيلم أنيميشن يُرشَّح لجائزة «الأوسكار» لأفضل فيلم.

Toy Story 4 (2019)
Toy Story 4 (2019)

عادت السلسلة عام 2019 مع الجزء الرابع، وسط سيل من التكهّنات التي شكَّكت في جدواه، باعتبار أنّ القصة انتهت بالفعل. وإنما الفيلم نجح في استكشاف جانب جديد من الحكاية، ونقل شخصية وودي، التي يؤدّي صوتها توم هانكس، إلى أبعاد درامية جديدة ومفاجئة.

اليوم، يُعرض الجزء الخامس من «حكاية لعبة» في صالات السينما، ومن الواضح أنه لن يكون الأخير في هذه السلسلة. فالنجاح الذي يرافقها، حتى بعد وصولها إلى الجزء الخامس، يجعل «بيكسار» و«ديزني» أمام ينبوع مالي لن ينضب قريبًا. لكن، هل يبرر هذا الينبوع المالي استمرار السلسلة؟ وهل لا تزال هناك حكايات تستحق أن تُروى في حياة هذه الألعاب؟ ذلك سؤال مختلف تمامًا.

تناول كلّ جزء من الأجزاء السابقة موضوعًا جديدًا، واستكشف جانبًا لم يُطرق من قبل في حياة الألعاب، مع ربطه مباشرة بقضايا إنسانية حقيقية وملموسة. وفي الجزء الرابع، عادت فكرة قريبة من الجزء الأول، حين يجد وودي نفسه لم يعُد اللعبة المفضّلة كما كان، فيواجه مأزقًا وجوديًا يصعب تجاهله. لكن النتيجة جاءت مختلفة؛ إذ يختار طريقًا جديدًا، وتنجح السلسلة عبر نهاية مؤثرة في تقديم خاتمة مثالية مرة أخرى، رغم تباين ردود الفعل على الفيلم.

يتخلّى «حكاية لعبة 5» عن وودي في دور البطولة، وهو أمر متوقَّع، ويمنح جيسي، راعية البقر التي ظهرت للمرة الأولى في الجزء الثاني، وتؤدي صوتها جوان كوزاك، موقع البطولة، فتجد نفسها أمام تحدٍ حقيقي مع ليلي باد (غريتا لي)، وهو جهاز لوحي يستحوذ على انتباه الطفلة بوني، ويقلّل من ارتباطها بألعابها، في وقت تتّجه فيه أنظار الجميع، بمن فيهم الأطفال، إلى الشاشات بدلًا من التفاعل مع العالم الواقعي. تبدو فكرة الفيلم معاصرة وجاذبة، فالتحدّي الذي تُواجهه الألعاب هو نفسه الذي يواجهه الآباء في مختلف أنحاء العالم، وهم يحاولون إبعاد أبنائهم عن الشاشات لأطول وقت ممكن، لما تُسبّبه من أضرار نفسية، خصوصًا في مرحلة الطفولة المبكرة.

Toy Story 5 (2026)
Toy Story 5 (2026)

على صعيد آخر، يُضيء الفيلم على مشكلة لا تقلّ أهمية، إذ تُواجه بوني صعوبة في تكوين الصداقات، في حين يُقلّل ميلها إلى اللعب بألعابها، بدلًا من الألعاب الإلكترونية على الأجهزة اللوحية، من فرص بناء صداقة مقرّبة. ويربط الفيلم بين هاتين المشكلتين مباشرة، لتجد الألعاب نفسها أمام تحدٍ مزدوج: استعادة انتباه طفلتها، ومساعدتها على تكوين صداقة حقيقية تتجاوز حدود الشاشات. وفي موازاة ذلك، نعيش مع جيسي خوفها المتصاعد من الهجران، والجرح العميق الذي تركته تجربتها الأولى معه، إذ تُلاحقها باستمرار ذكرى تركها داخل صندوق على قارعة الطريق.

أثر الشاشات في نمو الطفل، وصعوبة تكوين الصداقات، والهجران، كلّها قضايا مُستَمدة من واقعنا المعاصر. لكنّ الفيلم يُواجه تحدّيًا حقيقيًا في تجاوز الطرح السطحي لهذه القضايا، والوصول بها إلى عمق درامي مؤثّر وصادم، كما فعلت الأجزاء السابقة. ويعود جزء من ذلك إلى كثافة الأحداث وتعدُّد الشخصيات، والحاجة إلى تقديم عمل يناسب جميع الأعمار ضمن مدّة عرض قصيرة. لذلك، تتزاحم الثيمات في مساحة محدودة لا تسمح باستكشافها على نحو كامل. ومن دون قصد، تبدو بوني أكثر الشخصيات استفادة من هذا الازدحام، وهو ما لا تألفه أفلام «حكاية لعبة»، إذ ظلّ البشر فيها دائمًا شخصيات في الخلفية، بينما انصب التركيز بالكامل على الألعاب.

Toy Story 5 (2026)
Toy Story 5 (2026)

خلال الأجزاء السابقة، تعلّمنا كيف تنمو الصداقة من عمق الاختلاف، وكيف نحافظ عليها لتصبح سببًا في صمودنا أمام المجهول، وكيف نتأقلم مع التغيير، ونجد لأنفسنا جدوى حين لا يبدو أن العالم من حولنا يرى أيّ جدوى فينا. أما في «حكاية لعبة 5»، فنتعلّم التصالح مع مشاعر الهجران والقلق من مستقبل تحكمه التكنولوجيا. لكنّ الضربة العاطفية التي اعتادت السلسلة توجيهها تبدو هذه المرة أقل حدّة، ولا تترك الأثر نفسه الذي يدفعنا إلى التفكير في الفيلم بعد انتهاء عرضه.

وبالنظر إلى الفيلم بمعزل عن سياق السلسلة، فهو عمل ممتع ومبهر بصريًا، يضم لحظات كوميدية لافتة بقيادة كونان أوبراين في شخصية «سمارتي بانتس». أما ضمن سياق أفلام «حكاية لعبة» وإصدارات «بيكسار»، فلا يتجاوز كونه فيلمًا جيدًا، بل يمكن اعتباره مؤشرًا إلى المصير الذي قد ينتظر السلسلة إذا استمرّ إنتاج أجزائها، مع تقلُّص القصص الممكن سردها عن الشخصيات المحبوبة، وصعوبة الابتعاد عنها لتقديم شخصيات جديدة. ووودي تحديدًا يمكن الاستغناء عنه بالكامل من دون أن تتأثّر القصة، فيما يبدو حضوره ضروريًا فقط لضمان نجاح الفيلم في شبّاك التذاكر.

ومع ذلك، أثبتت هذه السلسلة مرارًا قدرتها على تجديد نفسها، وإيجاد زوايا سردية لم تُطرح من قبل. وفي بحر من أفلام «Minions»، لن يمانع الجمهور مشاهدة وودي وباز في مغامرة جديدة كلّ بضع سنوات. ولمَ لا؟ قد يأتي الفيلم المقبل ليُسكت هذه المخاوف، ويؤكد أنّ السلسلة لا تزال ينبوعًا إبداعيًا لم ينضب بعد.

اقرأ أيضا: «هوس»… ومن الحبّ ما قتل

شارك هذا المنشور

أضف تعليق