بينما أشاهدُ الفيلم الوثائقي «فريحة»، لمعت في ذهني مقولة الجاحظ الشهيرة: «الأفكار ملقاة على قارعة الطريق، المهم كيف نلتقطها». وقد أراد بهذه المقولة التأكيد أنّ كلّ ما قد نصنّفه لاحقًا بأنه فاتن، وغاية في الروعة، لم يكن في الأساس سوى فكرة كنا نمرُّ بمحاذاتها دائمًا، ومع ذلك لم نجد فيها ما يُغري. وما إن جاء غيرنا فالتقطها، وصقلها، وقدّرها حق قدرها، حتى تحولت إلى شيء ذي قيمة ومعنى يُعتدّ به.
تنطبق دلالات هذه المقولة على الفيلم، بدءًا من اختيار موضوعه، أو للدقة التقاطه، ووضعه في إطار توثيقي، مرورًا ببناء الفكرة التي اتّخذت من التصاعد الهادئ والمتسلسل وسيلة للوصول إلى الغاية المرجوّة من صنعه، وانتهاءً بالصراع والقفلة، اللذين جسَّدا عنوانًا مثاليًا، وإن لم يكن في مضمونه شيء من المثالية.

تشبه فريحة، من ناحية القصة والعقبات والمتغيرات، كثيرين غيرها في مختلف الأقطار العربية، بل وغير العربية أيضًا. ويمكن الاتفاق على أنها لعنة تصيب فئة واسعة من تعساء الحظّ في المجالات الفنية. لذا، وفي أثناء المتابعة، يستحضر المُشاهد تلقائيًا أسماء فنية، من مغنّين وممثلين، رجالًا ونساءً، ممَن عاصر شخصيًا تقلّبات مفصلية في مراحل حياتهم، أو قاده البحث والتتبُّع إلى الوقوف على نماذج مشابهة، ممّا يجعل الانطباع الأول عند مشاهدة الفيلم هو الحنين والألفة. يقف خلف هذا الانطباع دافعان. الأول أنّ ما يتشكل أمام عينيك قائم على تحفيز فعل الاستحضار من الذاكرة، وهذا بذاته يخلق حالة من الانصهار الوجداني بين ما تراه وما تشعر به، كأنك ترى شيئًا منك يتجسَّد في صورة مشاعر، ويستنطق أرواحًا مدفونة في أعماقك. أما الدافع الثاني، فهو وجود تقاطعات سردية بين ما تعرفه، وتعلم خفاياه، وسبق أن استوقفك في خبر عابر أو مقابلة متلفزة، وبين ما يرويه فيلم «فريحة» عن سيرة مغنية كانت يومًا نجمة ساطعة، ثم هوت لتسكن أزقة صنعاء، وتحديدًا دكانًا متواضعًا لبيع الحلوى والمفرحات للأطفال، شأنها شأن عدد لا محدود من الفنانين والفنانات.

روح فريحة المرحة، التي ظهرت في ثنايا الفيلم بكلّ ما فيها من حياة مُشبعة بالحب والأمل، منحت رواية المعاناة شيئًا من الوهج، ورسمت الابتسامة على الشفاه، رغم انقلاب الحال وعسر اليد. فمن أيقونة رافقت كبار الفنانين في جيلها، سواء في اليمن أو خارجه، وسافرت وجالت العالم ممثلةً فنَّ بلادها، إلى شخصية عادية تسكن منزلًا متهالكًا، وكل ما يحيط بها قائم على الذكرى الجميلة التي وثّقتها قصاصات الصحف. وكان تصفحها مصدر سعادة وبهجة طفولية، يتراقص بسببها قلب فريحة وجسدها أيضًا، لا إراديًا.
يُحسب للمخرج بدر يوسف الريمي هذا الانتقاء في اقتناص حكاية منزوية عن الأنظار، وما حمله على عاتقه من بثّ الروح في هذا الاسم المنسيّ. وليس ذلك على مستوى فيلم وثائقي يحفظ هذه القصة من التلاشي والاندثار فحسب، وهو بذاته منجز على مستوى الذاكرة الجمعية من الناحية الفنية، بل يُشكر أيضًا على سعيه إلى إعادة هذا الاسم إلى الواجهة من جديد، رغم الصعوبات المحلّية بكل حمولتها وتبعاتها، فنيًا واجتماعيًا، ممّا منح الفيلم الوثائقي دورًا وقيمة في بناء سرديته، ورسخ إمكان اعتبار التوثيق فعلًا تغييريًا، ونقطة تحول إيجابية يُعتدّ بها.

بعد عقود من النسيان، عادت فريحة إلى الواجهة من جديد، إذ حملتها جهود محبّيها إلى تمثيل اليمن فنيًا في حدث يحتفي بالتراث في دار الأوبرا المصرية. حضرت بذلك الاسم، بزيّها التراثي البهي، وبرفقة صحن معدني بسيط، وقدَّمت خلال دقائق وصلة غنائية حازت إعجاب الحضور. وكان لتلك الإطلالة أثرها في أن تتحوّل بائعة الحلوى، في دكان لا يعرفه أحد خارج حارتها، إلى اسم يلمع مجددًا على صفحات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية. فبين ليلة وضحاها، استعادت فريحة حياة كانت قد نسيتها، واستحال في نفسها أن يعود طرف منها، فأنعش ذلك الحدث روحها النقية، وهي التي تُبحر في عقدها السابع، لتغدو تلك لحظة فارقة بكل تجلّياتها.

سجَّل الفيلم، الذي حصد مؤخرًا «جائزة النخلة الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي خليجي في الدورة الثانية عشرة من «مهرجان أفلام السعودية»، احتفاء أهل حيّها بها بعد عودتها من القاهرة، وتحوّلها إلى شخصية يحيط بها المعجبون لالتقاط الصور والاستماع إلى شيء من غنائها. وإنما تلك الحالة لم تدم، بل انتهت على رؤوس الأشهاد. فقد رأت السلطة المحلّية في ذلك فعلًا محرَّمًا، وأنّ على تلك المرأة الكهلة أن تكفَّ عن ممارسة هذا الدور، وينحصر وجودها في بيتها، أو، تجاوزًا، في حدود دكانها. لذلك مُنع تصويرها، سواء من عامة الناس، أو من تلك الكاميرا التي كانت توثّق آخر فصول فيلم عن حياتها.
ورغم قسوة تلك الخاتمة، فإنها، من الناحية الفنّية، منحت الفيلم اكتمالًا في معانٍ أوسع، وحوّلته إلى وثيقة لا عن حالة فنية فحسب، وإنما عن وضع اجتماعي عام يُقدّم تفسيرًا أعمق لما آلت إليه سيرة فنانة يمنية برزت وسط ظروف مغايرة، فكان من المتوقَّع أن ينتكس لاحقًا كلّ شيء، والفنّ، بكلّ أسف، على رأس تلك الانتكاسات.