«لا يعرف لمملكته ساحلًا فيرسو عليه، ولا شاطئًا فيقصد إليه، يخبط في اليمّ على غير هدى، ويرسل عينيه في الماء والسماء على غير بصيرة، زرقة متّصلة في العلو والسفل، وتيه لا نهائي».
مطلع «الأوديسة» – ترجمة دريني خشبة
إذا تأمّلنا في «الأوديسة»، أحد أشهر الأعمال الأدبية في تاريخ البشر، سنجد رحلة بطل صنع نصرًا حربيًا، ثم تورَّط في أذية ابن إله البحر في طريق عودته إلى وطنه، فحكمت الآلهة عليه وعلى جيشه بالتيه عشرة أعوام. هذا ما يمكن أن نلخّصه من 24 فصلًا تُشكل ملحمة «الأوديسة» للشاعر الإغريقي هوميروس.

البطل هو أوديسيوس، وإرثه الحربي الأهم هو قيادة الإغريق إلى النصر في معركة طروادة. فبعد حصار الإغريق للطرواديين عشرة أعوام، قرَّر أوديسيوس، أحد قادة جيش الإغريق، بناء حصان خشبي والتظاهر بأنه هدية لإعلان نهاية الحرب. تظاهر جيش الإغريق بالرحيل، واختبأت مجموعة من خيرة جنودهم، وفي مقدّمتهم أوديسيوس، داخل الحصان الخشبي. أدخل الطرواديون الحصان إلى داخل المدينة وأعلنوا نهاية الحرب، وفي المساء تسلَّل جنود الإغريق خارج الحصان، وقتلوا جنود طروادة، وفتحوا الأبواب لجيش الإغريق، الذي استولى على المدينة وعاث فيها فسادًا وسلبًا وقتلًا.

عاشت حكاية حصان طروادة لآلاف الأعوام، وتظهر دائمًا دليلًا على الذكاء والمكر والدهاء. كيف حوَّل نولان هذه الملحمة الحربية إلى فيلم عن الندم؟ وهل نجح رهانه في الموازنة بين الطموح الفنّي والقدرة على صناعة فيلم جماهيري؟ وهل تأثَّر الفيلم بأجندة التنوّع العرقي والجنسي التي شغلت كثيرين قبل عرضه؟ وأخيرًا، هل هناك أثر سينمائي حقيقي لهوس نولان بكاميرا «IMAX» والتصوير بالخام بدلًا من الديجيتال؟
الهروب من الخطيئة الأولى
لو حاولنا إيجاد سبب واحد لقدرة ملحمة «الأوديسة» على البقاء كل هذه السنوات، لوجدنا أنّ السبب الأكثر وضوحًا هو كونها ممتعة، رحلة من فصول متعدّدة، في بحر مليء بالكائنات الخرافية، وعملاق بعين واحدة، وساحرات لديهن القدرة على تحويل خصومهن إلى حيوانات، ووحوش بحريّة خارقة، وحوريات يمكنها أسر الرجال بغنائها.

يحاول أوديسيوس وجيشه الهروب من كلّ هذه المخاطر، وهكذا ينجح نولان هنا في الهرب من الخطيئة الأولى والأهم لأيّ عمل فنّي، وهي الملل.
يقدّم المخرج شريطًا سينمائيًا ممتعًا رغم مدّته الطويلة، ورحلة بصرية مذهلة، ونسقًا سريعًا يتطوّر من فصل إلى آخر، واستخدامًا معتادًا منه للموسيقى لدفع السرد إلى الأمام. يُجيد نولان صنع إيقاع موسيقى لأفلامه، فتتقدَّم الأحداث وكأننا أمام لحن متصاعد، حتى يصل إلى لحظة الكريشندو، التي تشعر الجمهور بأنه شريك في ميلاد حدث سينمائي كبير. هذا ما يحدث هنا أيضًا.
فانتازيا «أولد سكول»
الهوس التقني باستخدام الخام السينمائي وكاميرات «IMAX» الضخمة يترك أثرًا سينمائيًا واضحًا هنا. تبدو الصورة كأنها من فيلم ملحمي قديم… كأنها من «سبارتاكوس» لستانلي كوبريك في بداية الستينات، كما تبدو الوحوش والعمالقة كأنها مزيج من خيالات نولان الوافدة من المستقبل مع مؤثرات بصرية بدائية من عالم أفلام الفانتازيا في الخمسينات والستينات أيضًا.

يترك استخدام خام الفيلم والتصوير في مواقع حقيقية أثرًا يمكن الشعور به، ويمكن لمسه. فمشاهدة سفينة حقيقية تتحرك وسط أمواج متلاطمة في كادر ضخم تختلف تمامًا عن مشاهدة لقطة مشابهة مصنوعة بمؤثرات بصرية أو باستخدام شاشة خضراء وكاميرا ديجيتال.
كلّ هذا يحفز شعورك بالإيهام بأنّ هذا العالم حقيقي، كما يعزز أيضًا الشعور النولاني بأنك تشاهد عملًا سينمائيًا عظيمًا. لكن هل هو عظيم بالفعل؟

تنوُّع على الهامش
قبيل عرض الفيلم، تسرَّبت خلال الأشهر الماضية أخبار مختلفة عن فريقه التمثيلي. استشاط كثيرون غضبًا من اختيار لوبيتا نيونغو في دور «هيلين طراودة»، وبالمثل من اختيار زاندايا في دور «أثينا»، كما انتشرت أخبار خاطئة عن اختيار إليوت بيج في دور «أخيليس». وحين نتابع الفيلم بشكل متأنٍ، فإنّ هذه المخاوف، من دون مناقشة حتى مصدرها السياسي والثقافي، تبقى على الهامش. فدور هيلين لا يتعدّى دقائق في فيلم يقترب من ثلاث ساعات، ولا دور حقيقيًا لها في الرحلة، ولوبيتا تقدّم أداءً جيدًا في هذه الدقائق. كذلك دور إليوت بيج، الذي يؤدّي الجندي الشاب «سينون»، فهو صغير الحجم، ومناسب لدوره فتىً جُنّد بالمصادفة، ثم ضُحّي به سريعًا. أما زاندايا فتؤدي دورًا أكبر حجمًا، لكنه يبقى أشبه بظلّ يرافق البطل من حين إلى آخر.
يبقى التنوّع هنا على الهامش ولا يعطّل الفيلم ولا تجربة المشاهدة، بل إنه يُمكّن نولان من اختيار ممثلين جيدين ونجوم حاليين في أدوار صغيرة.

وعلى الهامش أيضًا يوجد باقي فريق الفيلم التمثيلي، بغضّ النظر عن لون بشرتهم أو هويتهم الجنسية. توم هولاند، في دور الابن «تيليماكوس»، يقدّم أداءً محدودًا جدًا. وروبرت باتينسون، في دور «أنطينوس»، يقدم أداءً كاريكاتوريًا يُخبرنا منذ اللحظة الأولى كيف نشعر تجاهه. أما آن هاثاواي، في دور «بينيلوبي»، زوجة أوديسيوس وملكة إيثاكا، فتقدّم أداءً مسرحيًا. الاستثناء الوحيد هو تشارليز ثيرون، في دور «كاليبسو»، الحورية الأسطورية التي احتجزت أوديسيوس على جزيرتها سبعة أعوام. لثيرون حضور ساحر، من دون كلمات، فقط بلغة جسدها ونظراتها. ويبقى أثرها وهي تمشي وسط رياح عاصفة، في كادر بعيد وسط الرمال، أقوى من حوارات طويلة بلا أثر في مَشاهد أخرى.
يبقى السؤال: إن كان كل هؤلاء على الهامش، فمن في المتن إذًا؟
ملاحم من الندم
أفلام نولان، بشكل عام، وعالمه السينمائي كلّه، يُبنى دائمًا حول رجل واحد؛ رجل في منتصف العمر، أبيض البشرة، مع استثناء وحيد في «Tenet»؛ أضعف أفلامه.
هنا يبني نولان الحكاية كاملة حول «أوديسيوس»، الذي يقدّم من خلاله مات ديمون أداءه السينمائي، ربما الأفضل في مشواره حتى الآن. يحظى أوديسيوس برحلة مذهلة، رحلة تصنع منه بطلًا، ثم تجعله ملعونًا، ثم تتحوّل إلى تيه في محاولة العودة المستحيلة إلى المنزل/الأهل/الوطن، تمامًا مثل تيه «كوب» بطل «Inception» في أرض الليمبو.

لكن نجاح نولان الأهم هو تحويله ملحمة عن بطل حربي لُعن لتورّطه في إصابة ابن بوسيدون، إله البحر، إلى ملحمة مضادّة للحرب، حيث يحول المخرج سبب اللعنة هنا إلى إنجاز أوديسيوس الحربي نفسه، ونقصد حصان طروادة.
يُصوّر لنا نولان أنّ استخدام هدايا السلام وسيلةً للخداع هو خطيئة أوديسيوس التي يصبح بعدها ملعونًا. يحلم بكوابيس القتل والدماء التي تسبَّب بها لأهل طروادة الذين ظنّوا أن الحرب قد انتهت. يجعله نولان، هكذا، كاسرًا لقانون الإله زيوس، الذي يقضي بالودّ بين المضيف والضيف بعد تبادلهما الهدايا. نسمع بعدها، على لسانه، ندمه الأزلي على كسر قيمة السلام وشرف الكلمة بين البشر. وبمدّ الخط على استقامته، يقدّم نولان فيلمًا مناهضًا للحرب، يمكن بسهولة الربط بينه وبين ألاعيب قادة دول حاليين يستخدمون مفاوضات السلام حيلةً لقتل أعدائهم وأهل بلادهم.
هذه الرؤية تختلف تمامًا عن قراءات متعدّدة لـ«الأوديسة» تؤوّلها رحلةً لسيطرة الإغريق الاستعمارية على أهل البحر المتوسّط وأفريقيا.
تمامًا كما ندم أوبنهايمر على قنبلته الذرية في فيلم نولان السابق، يندم أوديسيوس هنا على حصان طروادة.
اقرأ أيضا: كلّ ما تريد معرفته عن «الأوديسة»… الملحمة المُنتَظرة لكريستوفر نولان