مفاجأة جديدة حملتها برمجة «مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي» في دورته الثالثة والثمانين، التي كشف عنها المدير الفني ألبرتو باربيرا أمس، إذ ضمَّت المسابقة الرسمية عددًا أقلّ من الأفلام المنتجة في استوديوهات هوليوود مقارنةً بالأعوام السابقة، استمرارًا لتراجع حضورها في المهرجانات هذا العام، كما حدث في «كانّ» و«برلين» في وقت سابق، إلى جانب عدد محدود من أفلام المنصات أيضًا، ممّا طرح تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يعكس توجّهًا جديدًا للمهرجانات، أم أنّ هناك أسبابًا أخرى.
وتضمّ التشكيلة الجديدة أعمالًا لمجموعة من أبرز المخرجين العالميين، من بينهم مارتن ماكدونا، وفلوريان زيلر، وداني بويل، وفيرنر هيرتسوغ، ولانس أوبنهايم، وناني موريتي، وهيروكازو كوريدا، ولي تشانغ-دونغ.
وملاحظة أخرى توقّف عندها البعض في اختيارات المسابقة الرسمية، هي وجود مخرجة واحدة فقط؛ المصرية الدنماركية مي الطوخي. وقد ردَّ باربيرا على ذلك في حوار أجراه مع مجلة «فارايتي»، كما تحدَّث عن التغيّرات التي تشهدها منظومة استوديوهات هوليوود، ولماذا لا يعني ذلك بالضرورة أنّ المهرجانات ستخرج من معادلة إطلاق الأفلام مستقبلًا.
أين أفلام هوليوود؟
أوضح المدير الفني لـ«فينيسيا» أسباب قلّة الأفلام القادمة من استوديوهات هوليوود ومنصّات البث، مجيبًا عن سؤال حول ما إذا كانت هذه الجهات قد فقدت اهتمامها بمهرجان «فينيسيا» والمهرجانات عمومًا، قائلًا: «لا ينبغي أن نتسرَّع في إطلاق استنتاجات قد تكون مضلِّلة. دعونا نلتزم بالوقائع. إذا نظرتَ إلى جميع التوقّعات التي نُشرت خلال الأشهر الماضية حول الأفلام المرشَّحة للحضور في (فينيسيا)، فستلاحظ أنّ عدد أفلام هوليوود فيها كان قليلًا، لأنّ الحقيقة ببساطة هي أنها غير موجودة أصلًا».
وأضاف: «المشكلة ليست أنهم لا يريدون المجيء، بل إنّ هذه الأفلام غير موجودة. الاستوديوهات تمرُّ بحالة من الجمود، وتحاول إعادة تعريف نفسها من خلال عمليات الدمج وإعادة الهيكلة. أو يمكن القول إنها تمرُّ بأزمة هوية. ونتيجة لذلك، أصبحت أفلام المؤلّف، التي اعتادت أن تكون وجهتها الطبيعية المهرجانات، قليلة جدًا. ليس الأمر أنهم لا يرغبون في الحضور إلى مهرجاننا».

أما الفيلم الذي حمل توقّعات قوية بالمشاركة في المهرجان، وهو «Digger» للمخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو؛ بطولة توم كروز، فلم يكن حاضرًا. وعن ذلك، قال باربيرا: «هو الفيلم الوحيد الذي كان يمكن أن يكون موجودًا، وكان ذلك قرارًا تسويقيًا من شركة (Warner Bros.) ولا يمكننا فعل شيء حياله. لقد أعلنوا منذ أشهر أنهم سيتجاوزون جميع مهرجانات الخريف، وسيطرحون الفيلم مباشرة في دُور السينما».
وتابع: «هذا قرار تسويقي، وأعتقد أنه لا يرتبط بالخوف من التأثير السلبي الذي قد يخلّفه عرض الفيلم في مهرجان. بل أرى أنّ الفيلم قوي وجميل إلى درجة تجعل هذا القلق غير موجود أصلًا. لكنه، في النهاية، قرار تسويقي».
إذًا، أين تكمن المشكلة؟ كشف باربيرا أنّ المشكلة الحقيقية اليوم، بالنسبة إلى الجميع، وخصوصًا الاستوديوهات، تتمثّل في كيفية الترويج للأفلام، قائلًا: «المشكلة الأساسية أنّ مجموعة كاملة من الأدوات التي كانوا يستخدمونها حتى الأمس لم تعد موجودة، أو لم تعد فعَّالة. لقد ثبت أنها لم تعد تُحقّق النتائج المرجوّة، لكننا لم نكتشف بعد الأدوات الجديدة التي ينبغي استخدامها للترويج للأفلام».
وأضاف: «ولهذا نرى أحيانًا مَن يقول: (سأطرح الفيلم مباشرة في دُور العرض، وأعوّل على عنصر المفاجأة لتحقيق النجاح). أليس كذلك؟ أما إذا كنتَ كريستوفر نولان، فأنت تبني حالة من الترقُّب تستمر لأشهر، ثم تأتي النتيجة بشكل شبه تلقائي».

وأشار المدير الفنّي للمهرجان إلى أن بقية الأفلام التي كان يُعتقد أنها ستكون جاهزة لم تكتمل بعد، موضحًا: «قرأنا مؤخرًا أن فيلم آرون سوركين (The Social Reckoning) كان لا يزال يصوّر بعض مشاهده في أوائل أغسطس، وبالتالي لم يكن هناك وقت كافٍ لإنهائه. كما أن فيلم ديفيد فينشر (The Adventures of Cliff Booth)، الذي بدا في مرحلة ما وكأنه سيحضر بالتأكيد، اضطرَّ إلى إيقاف التصوير بسبب ظروف عائلية وشخصية، ولذلك لم يكتمل. ربما يُنجز خلال شهر، لكن هذا التأخير غير المتوقَّع، وغير المرغوب فيه، يعني ببساطة أنّ الفيلم لم يكن جاهزًا في الوقت المناسب».
وتطرَّق أيضًا إلى فيلم «Dune 3»، موضحًا أنه سيُطرح في موسم عيد الميلاد، ولذلك فهو أيضًا غير جاهز. وعن كواليس تواصله مع مخرجه ديني فيلنوف، قال إنه اتصل به مرات، وكان يجيبه: «نحن نعمل بكامل طاقتنا، ولا نزال في ذروة مرحلة الإنتاج، ولدينا كمية هائلة من المؤثّرات البصرية، وسنكون جاهزين تقريبًا بالتزامن مع موعد عرض الفيلم».
وختم باربيرا حديثه عن هذه النقطة قائلًا: «المشكلة ببساطة أن هذه الأفلام ليست موجودة. أما الاستنتاج بأن موقف الاستوديوهات تجاه المهرجانات قد تغيَّر جذريًا، فهو خاطئ، لأن هذا ليس بالضرورة ما يحدث. نحن أمام ظرف مؤقت، ولا نستطيع التنبّؤ بما سيحدث مستقبلًا. لا نعرف إن كان العام المقبل، الذي يبدو على الورق أكثر ثراءً بالأفلام الواعدة الآتية من الاستوديوهات، سيشهد عزوفًا عن المشاركة في المهرجانات، أم أننا سنرى عودة لاستخدام المهرجانات منصات لإطلاق الأفلام والترويج لها».
واستطرد: «من المستحيل معرفة ذلك الآن، ولهذا أعتقد أنه يجب أن نكون حذرين جدًا قبل إصدار الأحكام. فالحقيقة هي أنه عندما تكون الأفلام موجودة، فإنها تأتي إلى المهرجانات».

فرصة ثانية
من بين شركات هوليوود القليلة الحاضرة هذا العام في «فينيسيا»، تبرز A24، التي ينطبق عليها حديث باربيرا، بعدما أرسلت أحدث أفلامها «Primetime»، بطولة روبرت باتينسون، للمشاركة في الدورة الثالثة والثمانين، عقب انتهاء تصويره في الوقت المناسب. وتشارك الشركة في «فينيسيا» للعام الثاني على التوالي، رغم أن فيلمها «Smashing Machine» لم يحقق النجاح المرجو بعد انطلاقه من المهرجان العام الماضي.

وعلّق باربيرا على ذلك قائلًا: «كانت حالة (Smashing Machine) معقّدة جدًا لأنه كان فيلمًا يمتلك كل المقومات التي تؤهّله للنجاح. لماذا لم ينجح؟ لا أحد يعرف. ربما كانت طريقة تسويقه أو تموضعه في السوق غير موفّقة. ثمة أسباب عدّة جعلته لا يحقق النتائج المرجوّة. لكن يكفي أن ندرك أن المهرجان ليس مسؤولًا إذا لم يحقق الفيلم الإيرادات التي كان الجميع يأمل بها.»

ويضيف: «أما في حالة (Primetime)، فقد اختاروا مهرجان (فينيسيا) فقط، وهذا يعني أنهم يثقون بنا»، مشيرًا إلى أنهم كانوا على تواصل مع المخرج لانس أوبنهايم منذ البداية: «بدا أنه لن تكون هناك أي مشكلة في مشاركة الفيلم في مهرجاننا، حتى اللحظات الأخيرة. ثم ظهرت بعض الشكوك حول إمكان توفّره، لأن روبرت باتينسون كان يصوّر فيلمًا في لندن، وكان هناك احتمال ألا يتمكّن من الحضور. ومن دون باتينسون، يصبح الترويج لفيلم طموح أكثر صعوبة، مستطرداً: »«في الواقع، أعتقد أن هذا كان آخر فيلم تأكد انضمامه إلى البرنامج. شاهدناه في وقت متأخر جدًا، وكان من آخر الأفلام التي شاهدناها. وبعد مشاهدته، أكد باتينسون أنه سيتمكن من الحضور إلى (فينيسيا). ولم يتردَّد إطلاقًا، بل قال مباشرة: (بالتأكيد، سنأتي، وسنتولّى جميع الأنشطة الترويجية التي يستحقّها الفيلم في فينيسيا)».
الاستوديوهات موجودة بالفعل
وأكد المدير الفني لـ«فينيسيا» أنّ الاستوديوهات لا تزال حاضرة في المهرجان. فشركة «Disney» تقف وراء الفيلم الوثائقي «Don’t Look Back in Anger»، الذي يتناول عودة فرقة «Oasis»، ومن المتوقَّع أن يحضر عرضه ليام ونويل غالاغر. وعن كيفية حصول المهرجان عليه، قال: «بصراحة، هذا أيضًا كان فيلمًا لم يكن على بال أحد. أخبرونا عنه في بداية شهر يونيو، فدعيناه فورًا لأنه فيلم موسيقي رائع. أصابنا جميعًا بالدهشة. والأخوان غالاغر سعيدان جدًا بالحضور، وقد أكدا رغبتهما في تقديمه شخصيًا».

ويشارك أيضًا هذا العام فيلم آخر من إنتاج أحد الاستوديوهات، هو «Wild Horse Nine» للمخرج مارتن ماكدونا، ومن إنتاج «Searchlight Pictures»؛ الشركة التي وصفها باربيرا بأنها «وفية لمهرجان فينيسيا». وعنه، قال: «كان مخططًا له أن يأتي إلى هنا منذ البداية. لذلك، فمن جهة، ليس صحيحًا أنّ الاستوديوهات غائبة عن المهرجان. ومن جهة أخرى، فإنّ غياب بعضها هذا العام، لا أعتقد أنه قرار سيؤثّر في العلاقة بيننا في السنوات المقبلة».
مخرجة واحدة في المسابقة
حمل الإعلان عن أفلام المسابقة الرسمية اسم مخرجة واحدة فقط، هي مي الطوخي، ممّا أثار تساؤلات حول ما إذا كان المهرجان يسعى إلى تحقيق التوازن بين الجنسين. وأوضح باربيرا: «إنها المخرجة الوحيدة التي وجدنا أن فيلمها يمتلك المستوى المناسب للمنافسة الدولية. ولا أعتقد أنه يمكن اتهامنا بالتحيُّز ضدّ المخرجات، لأن مهرجان (فينيسيا)، منذ عام 2000، منح جوائزه الكبرى لمخرجات أكثر ممّا فعلت مهرجانات (كانّ) أو (برلين) أو غيرهما. كما أنّ رؤساء لجان التحكيم الرئيسية الثلاث هذا العام جميعهن نساء».

وأضاف: «كنا نأمل أن نجد عددًا أكبر من الأفلام التي أخرجتها نساء للمسابقة الرسمية، لكنّ عدد الأفلام المقدَّمة كان أقل. هذا العام، شكّلت الأفلام الروائية التي أخرجتها نساء 24 في المائة من إجمالي الأفلام المقدَّمة، مقارنة بـ30 في المائة العام الماضي. ويا للأسف، وجدنا أيضًا أن مستواها الفنّي كان أقل، ولذلك لم نتمكّن من اختيار عدد أكبر منها للمسابقة. وهذا أمر مخيِّب بالنسبة إلينا، لكن لا ينبغي أن تكون هناك أي شبهة تحيُّز من جانبنا».
وشدَّد باربيرا على أن المعيار الصارم الوحيد الذي يعتمده المهرجان هو جودة الأفلام، مؤكدًا: «نعارض تمامًا اختيار الأفلام بناءً على جنس المخرج، لأننا لا نعتقد أن ذلك يفيد أحدًا. بل أرى أنّ ذلك يُعدّ إهانة للنساء إذا اعتُقد أنهن اخترن فقط لأنهن نساء، وليس لأنهن قدَّمن فيلمًا جيدًا».
وختم مدير «فينيسيا السينمائي الدولي» حديثه قائلًا: «لسنا مَن يتخذ قرارات الإنتاج أو الميزانيات، ولسنا مَن يتحكم في فرص النساء لدخول المهنة. نحن نحكُم فقط على الأفلام التي تُقدَّم إلينا، ورغم أنّ أحكامنا تبقى، بطبيعة الحال، ذات طابع شخصي، فإنها تستند إلى جودة الأفلام نفسها. وإذا كنا قد أخطأنا بعدم اختيار فيلم أخرجته امرأة، فسيكون بإمكان الناس الحُكم على ذلك بعد مشاهدة جميع الأفلام».