قصص الحبّ الكبيرة التي افتقدتها السينما الإيطالية لا يزال يصنعها ناني موريتي. أفلامه لطالما دارت حول شذرات حبّ تظهر وتختفي، حبّ يتنكّر كقلق أو خوف، أو يرتبط بخيبة الانفصال، أو بمواصلة البحث عنه. في «سيحدث الليلة» (It will Happen Tonight) المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية يعود موريتي ليطرح سؤالاً بسيطاً ومستحيلًا في آن: «أبي، كيف تعرف أنك واقع في الحبّ؟». سؤال لا يجد الأب له جواباً شافياً، لأن الحبّ بالنسبة إليه إمّا «كل شيء أو لا شيء».
يمتد الفيلم على سبعة عشر عاماً من حياة شخصين. ماتيو (لويس غاريل) يعود من النرويج بعد علاقة لم تُكتب لها الاستمرارية، وغريتا (جازمن ترينشا) تهرب بعد عرض زواج لم تستطع احتماله. بعد سبع سنوات، لقاء في ملعب التنس، لا حاجة للكثير من الكلام، مجرد حوار يكشف ما يمكن أن يحدث… أو ما يعتقد ماتيو أنه قد يحدث، أو حدث بالفعل، أو يريده أن يحدث. ثم يلتقوا بعد سبع سنوات أخرى. ثم بعد ثلاث. ثم ربما لا شيء. إنها رومانسية ساحرة ومتهوّرة، حيث يرى هو الحبّ نعمة يومية لا نزوة عابرة، بينما تبدو هي دائماً على وشك الهروب من نفسها قبل أي شيء آخر، ممثلة تتنكّر لتبحث عن ذاتها، امرأة تحتاج إلى من يرقص معها بينما ينهار العالم من حولها.

يصنع موريتي فيلماً أوروبياً بامتياز، واضحاً ومقلقاً، يراقب شخصياته وهي تتحدث وتتحرك وتفكر وتضحك كما لا يحدث إلا في أفلامه، في ذلك التوازن الدقيق بين رفض الواقعية التعليمية والاغتراب الذي لا يتخلى عن إيمانه بالكوميديا. «سيحدث الليلة» فيلم كوميدي رومانسي مضحك، خفيف، حزين، يتناول إمكانية الوقوع في الحبّ، والخيارات التي نصنعها، والرغبة المستحيلة أحياناً في استعادة روح الشباب. يحافظ على براعة موريتي المعهودة وتحولاته المفاجئة، ويترك مساحة واسعة للعاطفة والحنين.
ثمة شيء يشبه المراهقة في الحبّ الذي يصوّره موريتي، ذلك الحماس العاطفي الذي يميّز الشباب ويعود فجأة بعد مرور السنين. الفيلم مسلياّ في مكان ما ومفاجئاّ وملامساّ للمشاعر. وهنا تحديداّ يترك موريتي بصمته، في اللحظة التي نتوقف فيها عن مراقبة شخصياته ونبدأ، دون أن ننتبه، بالتفكير في حياتنا نحن.

ولكن في مكان ما بين كل هذه السنين، أصبح موريتي نفسه، لا جديد يقدّمه، ولا مفاجأة تُذكر في أسلوبه أو هواجسه، لكنه يملك من العاطفة ما يكفي ليجعلنا نريد مشاهدة جديده. ومع ذلك، يبقى أساس الفيلم مفتوحاً على احتمالات درامية لا تُستغل بالكامل. العلاقة بين الشخصيتين لا تبني قصة مُرضية كما يُفترض، والتواصل الأخير بينهما، بعد سنوات طويلة، يثير التعاطف لكنه لا ينجح في جعل مصيرهما مثيراً للاهتمام. السرد يصبح مملًا في بعض المقاطع، ولا تستطيع اللحظات الإبداعية أو الشخصيات الجانبية إنقاذه تماماً. يمكن تقدير رغبة الفيلم في العثور على الحبّ في أماكن غير متوقعة، لكن قصة مُشبعة للمشاهدة تبقى غائبة.