«بيت الريح» للمخرج الكاميروني أوغوست برنار كويمو يانغو، المعروض في مسابقة «أوريزونتي» لـ«مهرجان البندقية السينمائي» (2 – 12 سبتمبر)، فيلم أول لا تنقصه عذوبة، مشغول بحرفية معيّنة، يأتينا من بقعة مليئة بالقصص، لكن لا يوجد مَن يحكيها. إنها قصّة أم المخرج، «جوزيت»، وإن أُضيفت إليها لمسات درامية لضرورات السينما. إنها حكاية سيدة ثمانينية، أو بالأحرى فصل من حياة تتكثّف فيه الأحداث. امرأة تجد نفسها وحيدةً في مواجهة ما تبقّى لها من العمر.
«جوزيت» (جوزيت كوانيا) سيدة لطيفة وقاسية، حازمة وصريحة، وفق الظروف. بحضورها المحبَّب والدافئ، تسحب البساط من تحت أقدام مَن يشاركونها التمثيل. يا للأسف، بين المدّة التي صُوّر فيها الفيلم واللحظة التي يصل فيها إلى الجمهور، غادرت «جوزيت» الحياة.

تعيش «جوزيت» وحدها في العاصمة الكاميرونية، بعدما غادر أبناؤها جميعًا إلى الخارج، بحثًا عن ظروف عيش أفضل ومستقبل يعتقدون أنه قادر على إبعادهم عمّا يؤلم بلادهم. تحاول هذه الأم الإمساك بطرف الخيط الأخير الذي يربط أولادها بوطنهم. ولأنها تدرك أنّ المسافة قد تكون حصنًا منيعًا أمام الذاكرة، فتورّطهم في مشروع تشييد بيت جديد، ترغبه صلة وصل بينهم وبين أرضهم.
هي تعرف ضمنيًّا أنها لن تبقى حيّة إلى الأبد، والبيت الذي تبنيه قد يكون بعد رحيلها مكانًا للمّ شمل العائلة. محاولة أخيرة لترميم رابطة عائلية مهدّدة، تفيد أيضًا في إبقاء باب العودة مفتوحًا، ولو بشكل رمزي.
الجزء الأول من الفيلم هو عن الصعوبات التي تواجه «جوزيت» في استكمال بناء البيت، ولا سيما بعدما يعجز أحد أبنائها عن الاستمرار في إرسال المال. في غضون ذلك، تتعرّف «جوزيت» إلى فتاة (مودجو بوادو) تنتظر عريسها الفرنسي، الذي يُفترض أن يأتي إلى الكاميرون للارتباط بها. تؤويها في منزلها، ومن كلمة إلى أخرى، تتوطّد العلاقة بينهما، إلى أن تبدأ «جوزيت» في رؤيتها بمثابة «ابنة بديلة» في غياب أبنائها. على الأقل، تجد نصائحها لها آذانًا صاغية، ولا تمرّ عبر شبكة الإنترنت فتذهب أدراج الرياح، كما يحدث مع أولادها الجالسين في الجانب الآخر من العالم.

يلتقط الفيلم، وإن بشكل ثانوي، مفارقة التكنولوجيا التي جعلت التواصل بين البشر أسهل وأسرع، لكنها لن تكون بديلًا من لمسة يد أو نظرة عين في العين. في حالة «جوزيت»، يصنع هذا القُرب كلّ الفرق، إلى درجة تصبح فيها الغريبة القريبة أقرب، عمليًا وعاطفيًا، من الابنة البعيدة.
يتوغَّل الفيلم في بيئة أفريقية بكلّ ما فيها من تفاصيل الحياة اليومية، بطقوسها وألوانها وصخبها، من دون التحوّل إلى حلقة من «ناشونال جيوغرافيك». يترك هذا المكان يتنفّس، ليصبح بيئة عضوية تتبلور فيها الشخصيات. إرادة الحياة تسيطر على سائر الاعتبارات، وهي تطال «جوزيت» في إصرارها (وتهوّرها أيضًا)، هذه السيدة الصادقة والصريحة والديناميكية، التي تفعل كلّ ما في وسعها لتبقى بوصلة لأبنائها في عالم فتّت عائلتها وشتّت أفرادها.
السياسة لا تحضر إلا من طرف خفيّ. التلفزيون في منزلها يطلّ دائمًا على نقاشات السياسيين، التي تنعتها بالفارغة. وهذه تكاد تكون الغمزة السياسية الوحيدة في الفيلم. يعرف المخرج جيدًا كيف يضع الشؤون الإشكالية في «خلفية الخلفية»، مركّزًا على ما هو إنساني محض، وهو يكفي، إذ إن مشكلة أفريقيا، باعتبارها عنوانًا عريضًا، لا تحتاج إلى خطابة.
فجأةً، يطل سؤال يلوح بين ألف سؤال، رافق المهاجرين في ذهابهم وإيابهم بين البلدان والأوطان: ما الذي يبقيك هناك؟ وما الذي يبقيك هنا؟ يُطرح السؤال على أحدهم، لكنه سرعان ما يتجاوز هذا الشخص ليصبح سؤالًا جماعيًا. ما الذي يشدّ مرساتنا إلى أرض دون أخرى؟ السعادة؟ الانتماء؟ الذاكرة؟ الحاجة؟ وإياك أن تقول لي رائحة التراب والشمس التي لا تشرق، كما يُقال، إلا في مكان بعينه.
يأخذ الفيلم شكل حكاية تنتمي إلى نوع فرعي مألوف في السينما: شخصان يلتقيان، فيغيّر كلّ منهما الآخر، أو على الأقل يهب أحدهما الآخر شيئًا لم يكن يملكه.

الفيلم لا ينشغل كثيرًا بالقشور، ولا يهدر وقته فيما لا يملك القدرة على تغييره. لكنه يترك فينا رغبة في المزيد، ويجعلنا نخرج منه عطشى إلى أشياء ليست لديه إجابات عنها، خصوصًا سؤال الوطن: ما الذي يجعل مكانًا ما وطنًا؟
الوحدة التي عاشتها والدته في آخر حياتها هي تحديدًا ما أراد المخرج استحضاره في فيلمه، الذي يمكن وضعه أيضًا ضمن مجموعة من الأفلام التي جعلت من المنزل العائلي موضوعًا دراميًا بذاته: مكان يجمع ويفصل في الوقت نفسه، كما في «قيمة عاطفية». هذا المكان، بقدر ما هو فضاء لأحداث، فهو أيضًا منطلق لطرح سؤال آخر: ماذا يحدث لمن يبقى في المكان بعدما يغادره مَن دبّوا فيه الحياة سابقًا؟
حكاية المهاجرين معروفة ومستهلكة إلى حد كبير: نعرف الذين غادروا، وأسباب مغادرتهم، وأحلامهم، وتحدّياتهم في البلدان الجديدة، وما يواجهونه من اغتراب. لكن ماذا عن الذين يبقون خلفهم؟ الأمهات والآباء الذين يواصلون حياتهم في البيوت «المهجورة»، أمام غُرف الأبناء التي يكسوها الغبار، في انتظار عودة قريبة؟