في مراجعته للفيلم على موقع «فارايتي»، أشار الناقد جاي لودج لملاحظة مثيرة للانتباه، هي أن أفلام المخرج مارتن مكدوناه تبدأ عادة بملخص يبدو أقرب للنكتة منه لحكاية الفيلم: مرة تقابل رجلان في حانة، مرة أجّرت امرأة ثلاث لوحات إعلانية، رجل يبحث عن يده اليسرى، وغيرها من الأمثلة التي تشكل فيلموغرافيا شديدة الخصوصية للمخرج الموهوب، الذي يمزج دومًا الرؤية العبثية للحياة، بالخلفيات النفسية والمشاعر المركبة لشخصياته، ليصنع أفلامًا لا تشبه غيرها، في عصر القوالب المحفوظة.
الوصف يتكرر على أحدث أفلامه «الحصان الجامح تسعة Wild Horse Nine»، والذي استضاف مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الثالث والثمانين عرضه العالمي الأول، وفيه ينطلق مكدوناه من نكتة جديدة: ذات مرة ذهب عميلا مخابرات أمريكية لقضاء عطلة في جزيرة الفصح، وكالعادة تتطور المزحة إلى صراع أكبر وأوسع.

وإذا كان أبطال الأفلام عادة نوعين: نوع يمتلك خلفية معقدة تقوده إلى النقطة التي تبدأ عندها الأحداث، ونوع يحتاج رحلة الفيلم كي يخوض رحلة نضج فتصل شخصيته فيه إلى اكتمالها، فإن المخرج والمؤلف الأمريكي الموهوب هو أحد قلائل بإمكانهم المزج بين الأمرين، عبر خلق شخصيات ذات ماضٍ مُعقد يمتلك حبكته الدرامية الخاصة، ثم أخذهم في مغامرة يكتشفون فيها مساحات جديدة من نفوسهم كان من الممكن أن تكتمل حياتهم دون اكتشافها. بمعنى أن الشخصيات في أفلام مكدوناه ليس ميلودرامية يقودها القدر نحو مصيرها، وإنما هي شخصيات فعّالة، تختار لنفسها وترسم مصائرها بيديها، حتى لو تدخلت المصادفات العبثية من حين لآخر كي تضمن تصادم الإرادات ووقوع المواجهات.
وجهان لعملة واحدة
يجمع «الحصان الجامح تسعة» بين موهوبتين تمثيليتين هائلتين: المخضرم جون مالكوفيتش، الذي يتعاون مع مكدوناه للمرة الأولى مجسدًا دور كريس كارلسلي، عميل المخابرات السبعيني الذي كان له ماضٍ مشرق – بمعايير مهنته – ساعد فيه الحكومات الأمريكية على تنفيذ مخططاتها في غواتيمالا والكونغو وكوبا وعلى الأراضي الأمريكية نفسها، ويشارك حاليًا في مهمة قد تكون الأخيرة لإسقاط الرئيس التشيلي سيلفادور الليندي، أول رئيس ماركسي منتخب في أمريكا اللاتينية. بالنسبة لشعبه هو رمز للأمل في المستقبل، لكنه بالنسبة للمخابرات المركزية مجرد خلل في المصفوفة، خطأ تاريخي سيتم تصحيحه سريعًا. كريس يعاني من سرطان متقدم ومن فقدان ذاكرة يحاول مواجهته بتسجيل مذكراته.

الضلع الثاني هو سام روكويل، أحد ممثلي مكدوناه المفضلين والذي قاده المخرج لدور عمره حين نال جائزة الأوسكار عن «ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبنغ ميزوري». يجسد روكويل دور لي تشترفيلد، العميل الأصغر عمرًا والذي يعاني من غرابة تصرفاته شريكه المخضرم، ومن أزمة أسرية سببها انشغاله الدائم عن نزوات زوجته الجنسية المتكررة. كريس ولي وجهان لعملة واحدة، رجلان مختلفي الطباع لكنهما يمثلان مؤسسة كلاسيكية ذكورية، مزهوّة بنفسها وبقدرتها على إنفاذ رغباتها في أي مكان حول العالم، دون أن تنتبه إلى الخواء الداخلي والأخلاقية المنعدمة في كل أفعالها.
غير أن من عدم الإنصاف أن نتعامل مع الشخصيتين باعتبارهما رموزًا للسياسات الأمريكية في دول العالم الثالث، فهما وإن كانا كذلك إذا ما حاولنا تحليل خطاب الفيلم، فإن براعة مكدوناه في نسج الشخصيات تجعل المحور الرئيسي هو التفاعل بينهما ومع العالم المحيط بهما.

كريس استعماري أبيض قديم الطراز، يرفض حتى الاعتراف بحق أهل مكان أن يطلقوا عليه اسمًا اختاروه، سلوكه الخالي من أي اعتذار يعكس هشاشة واضحة، وشعور بأن الفرصة في تصحيح أي خطأ قد ضاعت بلا رجعة، فلا وقت لمحاسبة النفس، بينما الحقيقة أن الإمعان في المجاهرة بالآراء والأفعال الشريرة يحمل في داخله إدانة ضمنية للذات.
لي في المقابل لا يزال يمتلك المزيد من السنوات المهنية، ينتمي لجيل أصغر، ويحمل نبرة اعتذارية خافتة هي أقصى ما يمكن لرجل مثله أن يمتلك. يعلم في داخله أن كل شيء يحيط به فاشل كليًا، لكنه فشل ينجح دومًا في فرض إرادته على الجميع. لي ملتزم أمام رفيقه بوعدٍ لم يعد كريس نفسه يذكره، يرتبط بتلك الرحلة الأخيرة التي يقطعانها إلى جزيرة الفصح، والتي تبدأ بسخرية كريس أمام جميع المسافرين من طالبة تشيلية مزهوة بثقافتها ورئيسها المنتخب، ناصحًا إياها بأن تستمتع بالأيام المتبقية قبل أن تقوم الولايات المتحدة بإنهاء الديمقراطية في بلدها!
مكان في العالم
رجلان لم يعرفا طيلة حياتهما سوى لغة المؤامرات والاغتيالات والانقلابات العسكرية يصلان إلى جزيرة هادئة تتجول فيها الخيول البرية بحرية، معالمها الرئيسية تماثيل حجرية عتيقة يصرخ بقاءها بوجودٍ قديم لم تستطع الحضارة الاستعمارية محوه. كريس يقع في غرام الأحصنة ويتماهى معها باعتباره هو الآخر روح تتوق للحرية، بينما الحقيقة أنه على النقيض، لو وضع في تشبيه مع عالم جزيرة الفصح سيكون في الأغلب صيادًا يقتل تلك الخيول.

يواجه مكدوناه شخصياته بحقيقتها، يمارس حيلته المفضلة بجعل الإرادات تتصادم لتُخرج ما يحاول كل فرد إخفاءه عن نفسه وعن الآخرين. كريس ولي منعزلان في جزيرة الفصح لكنهما محاصران بكل ما فعلاه مسبقًا، ممثلًا في مديرهما (ستيف بوسيمي) الذي يرغب في إنهاء الوضع دون أن يكشف كريس عن أسرار لا يجب فضحها، وبين الطالبة التشيلية (ماريانا دي غيورلامو) التي تمثل لكريس تحديدًا ما حاول تجاهله طيلة حياته: أن للحكاية وجه آخر، وأن «الإرادة الأمريكية» تُفرض على بشر يستحقون الحرية.
يستفيد المخرج من عالم الجزيرة، بطرقها الجبلية وخيولها البرّية، للتعبير عن تيه أبطاله، بالطبع مع كثير من المفارقات الصاخبة التي تفجر الضحكات، وهي أيضًا بصمة تُميّز أعمال مارتن مكدوناه، التي تجعلنا ندرك كم أن الضحك والحزن قرينان في حياة البشر. تمامًا كمفارقة عميل المخابرات الذي يطلب من صديقه إنهاء حياته، ثم ينسى طلبه وينفي أن يكون منطقيًا قد فكر في ذلك.
«الحصان الجامح تسعة» أحد أفضل أفلام العام، وهو أفضل أفلام مسابقة فينيسيا في أيام المهرجان الأولى. سيكون له بالتأكيد حضورًا في الجوائز عن ختام المهرجان، وسيستمر ذلك الحضور في الأغلب خلال موسم الجوائز المقبل. لكن الأهم من الجوائز هو قدرة صانعه على الاستمرار فيما يجيده طوال سنوات، أن يدفعنا للتفكير في وجودنا بهذا العالم، عبر حكايات غرائبية تبدو في البداية كأنها مجرد نكتة أخرى.
اقرأ أيضا: «حبر»… الصحيفة مذنبة ومردوخ بريئًا في رواية أحدهم