مباشرة، ومن دون مقدّمات طويلة، هذا الفيلم أحد أفضل أفلام العام. والآن يمكن أن ندخل في التفاصيل.
بعد تحفته السابقة «The Banshees of Inisherin» (جنيات إنيشيرين)، الذي عُرض أيضًا في «مهرجان البندقية (فينيسيا) السينمائي الدولي» عام 2022، يعود المخرج الآيرلندي مارتن مكدونا بأحدث أفلامه، «Wild Horse Nine» (الحصان الجامح تسعة)، للمشاركة في المسابقة، ويرفع سقف المنافسة ليس فقط في فينيسيا، بل في موسم الجوائز كلّه.

قبل أسابيع من الانقلاب العسكري في تشيلي عام 1973، نتابع عميلين من المخابرات الأميركية (CIA) ينتقلان من العاصمة التشيلية سانتياغو لقضاء إجازة في جزيرة القيامة (Easter Island). لكن ما يبدو رحلة استجمام وراحة بالنسبة إلى كريس (جون مالكوفيتش)، برفقة صديقه الأقرب في المخابرات، لي (سام روكويل)، يتحوّل إلى رحلة مكاشفة، ليس فقط عن حياتيهما الشخصية، وإنما عن كثير من الخطط السرّية للمخابرات.
عالم مارتن مكدونا
يبدأ الفيلم بكريس يتحدَّث عن نفسه أمام الكاميرا، فيما يُصوّره لي، ومن هنا نعرف كثيرًا عن الاثنين. ومثل أفلامه السابقة، يستعين مارتن مكدونا بالحوار لكشف كثير من التفاصيل عن شخصياته وعالمها، لكنه ليس حوارًا تقليديًا لتلقين المُشاهد المعلومات، وإنما حوار تلقائي يُبرز الشخصية سريعًا. لن نستغرق دقائق طويلة لنعرف أنّ كريس ساخر وهازئ من كلّ شيء وكلّ شخص حوله، وعلى العكس منه، لي شخص عقلاني يزن الأمور جيدًا.

تُذكّرنا العلاقة بينهما بالصداقة المميّزة التي كانت المحرّك الرئيسي لفيلم مكدونا السابق. ورغم أنّ الصراع في الفيلم الأحدث لا يدور حول الصداقة في ذاتها، فإنها تلعب أيضًا دورًا أساسيًا بين بطلَي الفيلم، خصوصًا مع مشكلات الذاكرة التي يعانيها كريس. ومن زاوية مختلفة، يقدّم المخرج وكاتب السيناريو هذه العلاقة بشكل غير مسبوق على الشاشة، فيجعلنا شكُّ كريس في لي في منتصف الفيلم نشك نحن أيضًا فيه نحن المشاهدين، ومثل كريس، نتمنّى أن يكون الشكّ في غير محلّه.
ومثل بعض أفلامه السابقة أيضًا، يبدأ الفيلم برغبة بسيطة لدى البطل، ثم تتحوّل هذه الرغبة إلى أزمة كبيرة في عالم الفيلم. كريس، الذي يعاني مرضًا يكاد يقضي عليه، يرغب في كتابة مذكراته عن عملياته السابقة التي شارك فيها مع المخابرات، وهو ما لا توافق عليه الإدارة، ومن هنا تتطوّر الأحداث بإيقاع متّزن ومتشابك.
والطريف عند مقارنة هذا الفيلم بـ«جنيات إنيشيرين» أنّ الأخير قدّم لنا كثيرًا من الشخصيات منخفضة الذكاء في عالم يبدو طبيعيًا، بينما نشاهد في الفيلم الأحدث شخصيات ذكية، لكنها تتحرّك بشكل يبدو عبثيًا جدًا، يذكّرنا إلى حد ما بأفلام الأخوين كوين.

عالم تارانتينو وعالم بول توماس أندرسون
يتلاعب الفيلم بالتاريخ بطريقة تذكّرنا بما قدّمه كوينتن تارانتينو في بعض أفلامه السابقة، وخصوصًا «Inglourious Basterds». في «الحصان الجامح تسعة»، نجد أنّ كريس طرف في عدد من العمليات السوداء بتاريخ المخابرات الأميركية، ويحكي وقائعها بوضوح، في حين أننا نعلم أنه شخصية متخيَّلة تمامًا (أو ربما ليس كذلك). وأكثر ما يميّزها هو التناقضات والتغيرات الواضحة التي تمرّ بها؛ فبعدما كان مشاركًا ومؤمنًا بهذه العمليات في الماضي، يُعيد الآن التفكير فيها بصورة مختلفة.
ورغم أنّ الأحداث تدور عام 1973، فإننا لا نستطيع فصلها عن العالم الحالي؛ إذ يتحدَّث الفيلم بصراحة ووضوح عن دور المخابرات الأميركية في تقويض التجارب الديمقراطية في دول عدّة، وليس تشيلي وحدها. ولا يمكن فصل ما يحدث في عالمنا اليوم وما نشاهده من السياسات الأميركية، عن أفكار الفيلم على الإطلاق؛ فلو كانت أحداثه تجري في عالمنا المعاصر، مع تغيير اسم الدولة، لَمَا فقد شيئًا من صدقيته. لكن الأكثر متعةً هو مشاهدة كيف أنّ هذه السياسات لم تتغيَّر في جوهرها طوال تلك السنوات، حتى لو اختلفت طريقة تطبيقها.

في هذا الجانب، يبدو الفيلم كأنه يدور في عالم رائعة بول توماس أندرسون من العام الماضي «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another)، إذ يدخل إلى عالم القيادات الأميركية ليكشف كيفية اتخاذ القرارات، ويسخر من كلّ شيء من الداخل، مع طرح تساؤلات مستمرة حول مفاهيم الأخلاقيات والمبادئ. ويتجلّى ذلك في أحد مَشاهده، عندما تختطف المخابرات الأميركية زوجة إحدى الشخصيات لتهديده، وحين يطلب الزوج عدم قتلها، يقول له الضابط بغضب حقيقي: «هل تظن أننا حيوانات لنقتلها؟»، وكأن فعل الخطف في ذاته لتهديده فعل إنساني جدًا.
ورغم المرارة الواضحة في حوار الفيلم، فإن الضحك لم يتوقف طوال مدته، لطرافة الحوار من جهة، ومدى تشابه الأمس مع اليوم من جهة أخرى. ولا يكتفي مكدونا بمناقشة كثير من السياسات الأميركية، وإنما يحطّم أيضًا الصورة التقليدية لعالم المخابرات الأنيق الذي نشاهده عادة في السينما، خصوصًا مع جيمس بوند؛ فكريس، الذي يسخر من هيئته، لا يشبه الصورة المعتادة للعميل السري.
يبدو هذا الفيلم مثاليًا لموسم الجوائز، في عام سينمائي متواضع إلى حد كبير، وقد نشاهده ضمن ترشيحات أغلب الفئات في «الأوسكار»، وربما يمنح جون مالكوفيتش أيضًا جائزة مستحقة عن أدائه، الذي أسهم في جعل شخصية كريس حيّةً إلى هذا الحد.
اقرأ أيضا: «الحصان الجامح تسعة»… أفضل صانع نكات سينمائية يستمر في مهمته