فاصلة

مراجعات

«حبر»… الصحيفة مذنبة ومردوخ بريئًا في رواية أحدهم

Reading Time: 4 minutes

انطلقت الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي قبل ساعات، انطلاقة كبيرة تلائم الهوية التي اختارها المهرجان لنفسه خلال السنوات الأخيرة؛ فبينما يرتبط فيلم افتتاح مهرجان كان بالتوزيع المحلي فيختار دومًا فيلمًا سينطلق في اليوم التالي في القاعات الفرنسية، ويحمل فيلم افتتاح برلين غالبًا رسالة سياسية يريد المهرجان التعبير عنها، يُفضل فينيسيا اختيار فيلم كبير، لن يشاهده الجمهور سريعًا، لكنه سيظل موضوعًا للنقاش والتداول خلال الأشهر القادمة. وصف ينطبق بدقة على «حبر Ink»، أحدث أفلام المخرج البريطاني داني بويل.

بويل هو أحد الأسماء الراسخة في صناعة السينما العالمية من تسعينيات القرن الماضي، بقدرته على التنقل الواثق بين الأفلام الجماهيرية والأعمال الفنية ذات الطبيعة المستقلة، من عالم المخدرات الصاخب في «ترينسبوتنغ Trainspotting» إلى دراما النجاة في «127 ساعة 127 Hours»، ومن رعب الخيال العلمي في سلسلة «بعد 28 يومًا 28 Days Later» إلى النجاح الأوسكاري الكبير في «المليونير المتشرد Slumdog Millionaire». تنقلات جعلت أفلام بويل دائمًا مفتوحة لكل التوقعات، فقد يفاجئنا بفيلم كبير يبقى في الذاكرة، أو يحبطنا بتجربة غير موفقة.

Ink
Ink (2026)

في المنتصف بين النتيجتين جاء «حبر»، الذي يروي حكاية جذابة بطبيعتها، عن خطوة غيرت تاريخ الصحافة الحديث بأكمله، عندما اشترى رجل الأعمال الأسترالي روبرت مردوخ صحفية «ذا صن» البريطانية، وقام بتوظيف الصحفي لاري لامب لإدارتها، ليقوما معًا بتغيير حجم صفحاتها إلى قطع التابلويد، وتحويل مسار محتواها إلى صيغة شعبية جذّابة للجمهور البسيط، عبر التركيز على الموضوعات الساخنة والأمور التي تجذب اهتمام قارئ غير منشغل بالفهم العميق. «في كل مرة ستتضمن الصفحة الأولى الكلمات الثلاث: ربح، مجاني، حب، سيحصل الجميع على مكافأة»، يقولها لامب لفريق كوّنه من الصحفيين الخبراء الطامحين لنجاح لم يحققوه في مؤسساتهم الكبرى، ليؤسس عالم «ذا صن» الذي سيصير لاحقًا الشكل الإعلامي الأكثر سيادة.

كل شيء للنشر

لا يضيع داني بويل أي وقت في تقديم الشخصيات. يبدأ فيلمه من اللقاء الذي أطلق كل شيء: مردوخ يدعو لامب للعشاء في مطعمٍ راقٍ كلاسيكي ليخبره بشراء الصحيفة ويعرض عليه إدارتها مقابل أجر مجز وحرية مطلقة هدفها الوحيد هو النجاح. يجسد جاي بيرس دور إمبراطور الإعلام في مرحلة سابقة عن صورته الراسخة في أذهاننا جميعًا، كرجل مغامر يسعى لتأسيس فلسفة جديدة في الإعلام، ربما دون أن ينتبه لما يمكن أن يحدث عندما تُمد خطوط فلسفته على استقامتها. 

Ink (2026)
Ink (2026)

في المقابل يلعب جاك أوكونيل شخصية لامب من مدخل ذكيّ، لصحفي موهوب محتقن، إن صمّم على أخلاقيات المهنة الراسخة سينهي حياته على الأغلب صحفيًا مغمورًا في جريدة عريقة، بينما يعني قبوله العرض موافقته الضمنية على التنازل عمّا تعلمه في أروقة «ذا ميرور» الجادة. لتكون رحلة «حبر» الدرامية هي ذلك الانتقال المثير للتأمل، للامب الذي يصبح مدمنًا لإثارة الجدل وإسالة لُعاب القراء بكل السبل الممكنة، ولمردوخ الذي يكتشف حجم الغول الذي أطلقه من القمقم.

يشرح مردوخ نظريته في المشهد الأول «الصحافة تقول أن الخبر يجب أن يتضمن إجابات عن خمس أسئلة: من وماذا ومتي وأين ولماذا؟، لكن إجابة سؤال لماذا تغلق القصة، بينما ذكر ما حدث دون تفسير يجعل الجمهور أكثر تحرقًا لمعرفة المزيد». لا يخدع الرجل نفسه أو شريكه المستقبلي، يحذف التفسير والتنوير من أهدافه من أجل جمهور أكثر رغبة في استهلاك القصص، حتى لو لم تحمل له أي فائدة سوى إثارة غرائزه، لكنه في المقابل لم يفكر آنذاك – حسب الفيلم بالطبع – في أنه نفسه قد يكون موضوعًا لقصة يرغب الناس في استهلاكها، دون مراعاة لحدود مهنية أو إنسانية، لا شيء يهم طالما زادت أرقام التوزيع وظل القارئ البسيط سعيدًا.

مردوخ نادمًا

ينجح السيناريو الذي كتبه جيمس جراهام في نقلنا إلى عالم الصحافة البريطانية في مطلع السبعينيات، مرحلة الانتقال من التقاليد الكلاسيكية إلى عصر ما بعد ثورات الشباب، عصر صار يمكن فيه للصحفيين لأول مرة في التاريخ أن يفكروا في عملهم لا باعتباره مهمة لها قواعد متوارثة، بل كاستجابة لرغبات الأفراد، سواء كانوا من القراء أو من الصحفيين أنفسهم، الذين يمتلك كلٌ منهم ملذات سرية كان يمارسها دون تفكير في إنها قد تكون أساس قصته الإخبارية التالية. بين مكابس المطبعة والكليشيهات التي تحدد شكل صفحات سيقرأها الملايين خلال ساعات لتشكل وعيهم بينما أُخذ القرار في محتواها خلال لحظات ولأسباب ليس من ضمنها وعي القراء، يضعنا الفيلم داخل هذا العالم المثير. 

Ink (2026)
Ink (2026)

غير أن تركيز «حبر» المنطقي على تجربة «ذا صن» يجعلها تبدو كأنها الجريدة التي غيرت الإعلام وحدها، حتى وصلنا إلى عصر وسائل الاتصال الجماهيري التي جعلت كل إنسان خبرًا وصحفيًا وقارئًا معًا، ومنحت اليد العليا للشعبوية في عالم السياسة، وكأنها الخطوة الأولى التي ترتب عليها كل ما بعدها. «ذا صن» كانت أحد أهم إرهاصات هذا التحوّل، لكنها لم تكن بالتأكيد سببه الوحيد، واختصار التاريخ في أن مردوخ قابل لامب في لندن، لتقع تطورات انتهت بوصول ترامب للبيت الأبيض، هو بالقطع تلخيص مخل لسياق أكثر تعقيدًا.

ما يمكن قراءته بين السطور أن التغيير كان سيقع لا محالة، إن لم يكن عبر طموح مردوخ فبغيره، لأنه ببساطة عرض جانبي للفردانية والرأسمالية، فلا يمكن أن نعيش في عالم يمنح الفرد الحق في ممارسة أكثر خيالاته شططًا بحرية، ويمنح السوق الحق في تلبية رغبات الأفراد مهما كانت، ثم ننتظر من الإعلام أن يكون عقلانيًا يزن الأمور ويقيم ما يصلح للنشر ويفيد القراء بموضوعية.

Ink (2026)
Ink (2026)

وبينما يعرض الفيلم سقوط لاري لامب الحر في هاوية إرضاء القراء مدمني الإثارة، يُبرئ داني بويل ساحة روبرت مردوخ جزئيًا، باعتباره اكتشف خطأ تطبيق نظريته بشكل مطلق فحاول تحجيم هوس لامب بعد فوات الأوان، ليحاول طوال الفصل الثالث إيقاف العجلة التي صارت أسرع من أي محاولة. هل لذلك علاقة بأن لامب قد رحل عن عالمنا بينما لا يزال مردوخ الاسم الأكبر والأكثر نفوذًا في الإعلام الكوني؟ لا يمكن الإجابة على السؤال، لكن الأكيد أن فيلمًا يُظهر مردوخ كرجل أقل شرًا من مرؤوسه يصعب أن نثق كثيرًا في سرديته.

«حبر» فيلم ممتع عمومًا، عمل كبير وملائم للحظة المعاصرة، سيجذب الأنظار إلى مهرجان فينيسيا ويظل في نقاشات المتابعين حتى موسم الجوائز المقبل، لكن محاولته لتفسير تاريخ الإعلام بالكلية وتحديد هوية من أوصلنا لوضعنا الحالي تبدو أقل عناصر الفيلم نجاحًا.

اقرأ أيضا: جورج كلوني يتسلّم «الأسد الذهبي» ويواجه خطاب الخوف: «القصص خطرة على مَن يروّجون له»

شارك هذا المنشور

أضف تعليق