مَن هو السارق؟ مواطن يريد سحب وديعته من المصرف أم مصرف يرفض أن يعطيه ماله؟ من هذه المفارقة التي تبدو خيالًا علميًا، لكنها حقيقة لبنانية معيشة، ينطلق رامي قديح في «غضب»، فيلمه الروائي الطويل الأول المعروض في «سبوتلايت» ضمن «مهرجان البندقية السينمائي» (2 – 12 سبتمبر)، ليضع إحدى أكثر لحظات الانهيار اللبناني عبثيةً أمام الكاميرا: بلد يحرم شعبًا كاملًا من مدّخراته. هذه حكاية لا يمكن أن تحدث إلا في لبنان، تنهل من المفردات اليومية لناسه، بما فيها الشتائم الكثيرة التي هي آخر ما يبقى للبعض في وجه الظلم. ورغم دخول عناصر درامية كثيرة على الخطّ، فثمة في الفيلم إطلالة على الحقيقة، ملموسة ومحسوسة. أحيانًا نحتاج إلى كذبة لنقول الحقيقة، إنه الوصف الذي وصف به جان كوكتو السينما.
اختيار فيلم السطو إطارًا حكائيًا يبدو، لوهلة، اختيارًا تجاريًا، أو أقلّه مغازلة لنوع سينمائي يجذب جمهورًا وله أبجديته. لكن قديح يقلب قواعد هذا النوع، انسجامًا مع الواقع اللبناني. فهذه القصّة، أقلّه في بعض خطوطها العريضة، حدثت في لبنان قبل بضع سنوات، ليس بهذه التفاصيل حتمًا، لكن هناك مَن اضطر فعلًا لـ«سرقة أمواله». في أفلام السطو التقليدية، هناك لصّ يخطّط للاستيلاء على مال لا يملكه، فيما تجري الأشياء هنا على نقيض ذلك، وعلى نقيض كلّ منطق. هذه النقطة بالذات، المسروق الذي يصبح سارقًا، تمنح الفيلم أصالته.

في قلب الفيلم شقيقتان، «مارو» و«داليا» (ريم مروة وماريا ناكوزي)، لكنهما لا تؤدّيان وظيفة بطولية بالمعنى التقليدي. هما امرأتان محاصرتان في منظومة أكبر منهما، تدفعهما الحاجة إلى تجاوز حدود كان يمكن أن تبدو مستحيلة في ظروف أخرى. مرض إحداهما يصبح محرّك الأحداث، وإنما قديح لا يحصر المعاناة في حكاية عائلية. الجسد المريض استعارة لبلد سقيم، فيما المال المحتجز في المصرف رمز للحق في الحياة.
بما أن الأحداث لا تجري في أوسلو، وإنما في بيروت، عاصمة مزنّرة بالعنف والفساد، فالقسوة لغة متداولة، والمخرج يجد الكيفية التي يعبّر بها عنها، إخراجًا وتقطيعًا وألوانًا وإشاعةً مستمرّة للتوتّر. التشبيح والتهديد والابتزاز واستعراض القوة، والعلاقات القائمة على الخوف والابتزاز، قوت يومي، وهذا كلّه يبدو امتدادًا لواقع تشكّلت ملامحه خلال عقود طويلة. والمصرف ليس جزيرة معزولة عن هذا العالم الذي تراكم وتشوّه؛ هو جزء منه، وربما إحدى واجهاته الأكثر أناقةً. خلف المكاتب وربطات العنق، يستمرّ منطق القوة التي عرفها لبنان في الشارع والحرب والمتاريس. الفيلم يقول هذا كله دفعةً واحدة، ويقوله همسًا، ولا يزعج نفسه بفصل الأسلاك بعضها عن بعض، خصوصًا أنه فيلم أول، وهذا يعني أن ثمة جوعًا قديمًا للفضفضة لدى المخرج.

يستفيد المخرج من هذا المناخ المشحون لينجز فيلمًا سريعًا، لكن السرعة هي أيضًا ترجمة لإيقاع الأشياء. الجميع يمشي بإيقاع جهنّمي، لعل التوقّف يعني السقوط. وتساعد جماليات الصورة في تثبيت هذا الشعور، إذ تمدّ الأمكنة بمسحة خانقة. بيروت في «غضب» ليست باريس الشرق ولا المدينة التي تستعيد عافيتها في الصور الرسمية، إنما هي ابنة لحظة التفتّت. متعبة، مكتومة، متّسخة، تتراكم فيها آثار الأزمة فوق آثار أزمات أقدم. والنار التي تتكرّر في الفيلم أكثر من عنصر بصري جذاب: إنها صورة للخلاص حين لا يبقى في متناول الشخصيات سوى إشعال الفتيل الأخير.
لكن قوة الفيلم لا تأتي من سوداويته. قديح يعرف أن السينما، قبل أن تكون منشورًا سياسيًا، هي فنّ رواية الزمن. لذلك يترك السياسة داخل الحكاية بدلًا من وضعها على المتن. الشخصيات تتكلّم وتتصرف وتتصادم، ومن خلال هذه التفاصيل يتكشّف مجتمع كامل. في هذا المعنى، تبدو حادثة السطو مدخلًا أكثر ذكاءً إلى الأزمة من أي فيلم تأمّلي ثقافوي.

الانهيار الاقتصادي لم يصنع فجأةً مجتمعًا عنيفًا، وإنما كشف عن عنف متأصّل. ما تغيّر هو أن هذا العنف انتقل من خلفية المشهد إلى مركزه. الحرب لم تختفِ مع انتهاء النزاع المسلّح، لكنها وجدت أشكالًا أخرى للحضور، داخل المؤسّسات وفي العلاقات اليومية وفي طريقة توزيع القوة.
لهذا يمكن النظر إلى «غضب» على أنه فيلم عن مرحلة لبنانية جديدة: سينما ما بعد الأزمة على وزن سينما ما بعد الحرب. فإذا كانت السينما اللبنانية احتاجت مدّةً من الزمن لتواجه ذاكرة الحرب وتهضم ما حدث، فإن أفلامًا جديدة تجد نفسها الآن أمام واقع لا ينفع معه النكران، ولا بدّ من التعليق.
اقرأ أيضا: «بيت الريح»… الخيط الأخير الذي يربطنا بالوطن