فاصلة

مراجعات

«أنظر إلى الوراء»… كوريدا يرسم الطفولة بحبر الفقد

Reading Time: 3 minutes

في القطار العائد من المدينة، صبيّتان تجلسان جنباً إلى جنب، واحدة تحسب بمرح نفقات يوم قضتاه في الخارج، والأخرى تحدّق إلى الأسفل بعينين تحملان فرحاً مشوباً بشيء أعمق. لا حوار كبير، لا مشهد صاخب، ولا موسيقى. في هذا القطار، يبدو وأن كل شيء توقّف للحظة، قبل أن تستأنف الحياة سيرها. القصة بسيطة في ظاهرها، فوجينو، تلميذة في المرحلة الابتدائية، تُعتبر نجمة صحيفة مدرستها بفضل رسومها من أربع لوحات. حين يُطلب منها أن تُفسح مكاناً لرسوم تلميذة أخرى غائبة عن الصف، كيوموتو، تكتشف فوجينو أن هناك من يرسم أفضل منها. يجمعهما القدر، بعد أشهر، في لقاء عابر يكشف أن كيوموتو فتاة منعزلة تعيش عزلة اجتماعية حادة، وأن إعجابها برسوم فوجينو لا حدود له. من هذا اللقاء المتأخر تُولد صداقة ستمتد ثلاثة عشر عاماً، تتحول خلالها الغيرة إلى شراكة، والمنافسة إلى حلم مشترك بأن تصبحا رسّامتي مانغا.

Look Back (2026)
Look Back (2026)

يعود المخرج الياباني هيروكازو كوريدا إلى مهرجان البندقية بعد ست سنوات على افتتاحه دورة عام 2019 بفيلم «الحقيقة»، وبعد أشهر قليلة فقط من عرض «خروف في صندوق» في مهرجان كانّ بترحيب فاتر. هذه المرة يختار مصدراً مختلفاً تماماً، مانغا «انظر إلى الوراء» التي أصدرها تاتسوكي فوجيموتو. إحساس دفعه إلى تبنّي المشروع فوراً، ليكون فيلمه الثاني في غضون عام واحد، وليعود فيه إلى المنطقة التي يُتقنها، الطفولة، بكل ما تحمله من هشاشة وقسوة وبراءة.

ما يفعله كوريدا هنا ليس نقل حكاية صداقة إلى الشاشة بقدر ما هو تفكيك دقيق لطريقة نمو هذه الصداقة، من يرسم الشخصيات ومن يرسم الخلفيات، وكيف يتبادل الاثنتان هذين الموقعين على مرّ السنين. الانتقال من الطفولة إلى المراهقة يمرّ بلا ضجيج، بتبديل خفي للممثلات يكاد لا يُلاحظ. وهنا بالتحديد يكمن أحد أجمل ما في الفيلم، تحويل فعل الرسم، الساكن والصامت في جوهره، إلى مادة سينمائية حيّة. صوت سنّ القلم على الورقة، إيقاع الخطوط وهي تكتسب ثقةً تدريجية، ثم نقرات القلم الرقمي على الشاشة في السنوات اللاحقة، كل هذا يتحول إلى ما يشبه الموسيقى التصويرية الحقيقية لحياة الفتاتين.

Look Back (2026)
Look Back (2026)

لا يخفي كوريدا مرجعياته، نرى في الفيلم كتاباً عن فن الخلفيات وقرص فيلم «جاري توتورو»، وإشارات ضمنية إلى هاياو ميازاكي واستوديو جيبلي، وحتى إلى جري تاكيشي كيتانو في «صيف كيكوجيرو». لكن الأقرب إلى روح الفيلم يبقى ياسوجيرو أوزو، تلك اللقطات الثابتة المتكررة لغرفة فوجينو من الزاوية نفسها دائماً، ذلك الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تراكم معناها ببطء. وحين يصل الفيلم إلى منعطفه المأساوي، لا يستدرجنا كوريدا إلى الميلودراما. يترك الفراغ يتكلم، كرسيّ مهجور، وورقة نصف بيضاء، وصمت.

العنوان نفسه، «انظر إلى الوراء» (Look Back)، ليس دعوة للبقاء أسرى الماضي، بل بحثاً عن القوة في الذكريات المشتركة، في الصفحات التي رُسمت معاً، من أجل أن نلتقط القلم مجدداً ونعود إلى المكتب. هذا بالضبط ما يجعل الفيلم، رغم بساطته الظاهرية، أقرب أفلام كوريدا الأخيرة إلى روح «لصوص المتاجر»، الفيلم الذي منحه السعفة الذهبية في كان عام 2018، قدرته على أن يجعل منالتفاصيل اليومية الصغيرة… قلم، ورقة، غرفة، مرآة لأسئلة الوجود الكبرى.

Look Back (2026)
Look Back (2026)

لا يتردد كوريدا في الوفاء بجمالية المانغا الأصلية في لغته السينمائية الخاصة. «انظر إلى الوراء» فيلم رقيق إلى حدّ الهشاشة، عذب في مكان ما وقاس في مكان آخر، خفيف وثقيل بسبب الفقد. فيه من

الإنسانية والحبّ ما يكفي ليُذكّرنا بأن الرسم، مثل الصداقة، فعل حبّ صامت يتكرر يوماً بعد يوم. يتنفّس هذا الفيلم مع العشب المنحني بفعل الريح، ومع صوت قلم لا يتوقف عن حكّ الورق، ليقول، بهدوء لا يخلو من إيلام، إن استمرار الفنّ، حتى حين يبدو كل شيء ضائعاً، هو أسمى أشكال البقاء.

اقرأ أيضا: لا جديد عند ناني موريتي… إلا الحبّ

شارك هذا المنشور

أضف تعليق