فاصلة

مراجعات

«أرض الأجداد»… توماس مان يعود إلى الركام

Reading Time: 3 minutes

بعد «إيدا» (2013، «Ida»)، الذي منحه أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وبعد «حرب باردة» (2018، «Cold War»)، قصة الحبّ المتأرجحة بين الأزمنة والأماكن، يعود المخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي إلى «كانّ» بفيلم «أرض الأجداد» (2026، «Fatherland»)، الموجز والدقيق والبسيط والأنيق، مثل عادة صاحبه. الفيلم، المشارك في المسابقة الرسمية، هو رحلة عبر ألمانيا ما بعد الحرب، برفقة توماس مان وابنته إريكا، يجوبان مدنًا مقسّمة، ليلقي الأب محاضرات بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوته. لكن ما يرصده الفيلم ليس المحاضرات، بل ما يحدث بينها. الصراعات الشخصية والعائلية والسياسية لرجل يمشي في بلد لا يزال يحمل ركام ما فعله بنفسه وبالعالم. ألمانيا مدمّرة ماديًا وسياسيًا، لكن قبل كلّ شيء أخلاقيًا، وهذا الدمار الأخلاقي هو ما يهم بافليكوفسكي.

Fatherland (2026)
Fatherland (2026)

بطل الفيلم، إذًا، هو توماس مان (هانس زيشلر)، أحد أهم الكتّاب الألمان في التاريخ وأكثرهم تناقضًا. يبدأ الفيلم بمحادثة هاتفية بين ابنيه، كلاوس (أوغست ديل) وإريكا (ساندرا هولر)، قبل أن ينتقل إلى عام 1949، حين يعود مؤلّف «موت في البندقية» إلى ألمانيا التي لا تزال تلملم جراحها وتتساءل عمّن تحاسب. مان لم يكن موجودًا حين كانت ألمانيا تحترق. الآن يعود، حائزًا على نوبل منذ 1929، محمولًا بثقل اسمه، ومستقبَلًا على أنه شخصية مرموقة في الغرب والشرق على السواء. فرانكفورت أولًا، ثم فايمار في ألمانيا الشرقية، وهذه الرحلة الأخيرة تأخذ من الفيلم حيّزًا كبيرًا وتحمل ثقلًا أكبر. رجل تشرّب أفكار غوته وفرويد ونيتشه وشوبنهاور، يجد نفسه الآن في منتصف الطريق بين معسكرين لا يثق بأيٍّ منهما تمامًا، وهذا التأرجح، هذا التباعد المحسوب، سيكلّفه في النهاية أكثر مما توقّع.

Fatherland (2026)
Fatherland (2026)

بافليكوفسكي لا يتخلّى عن أدواته. نسبة العرض 4:3، والأبيض والأسود الغني بالتفاصيل، والإطار الضيق الذي يضغط على الشخصيات ويجعل الهواء من حولها أثقل. «أرض الأجداد» يكمل المسار الذي بدأه في «إيدا» واستمر في «الحرب الباردة»، ثلاثية لم يُعلنها أحد لكنها تشكّلت وحدها. مرة أخرى، يتولّى لوكاس زال التصوير، لينطلق إلى جراح الحرب العالمية الثانية ويضع الكاميرا هناك. الشاشة تتحوَّل إلى مسرح شفَّاف وجامد في آن، لانفجار عاطفي حميم، صامت ووحشي بقدر ما هو رقيق.

Fatherland
Fatherland (2026)

«أرض الأجداد» ليس فيلمًا بلا عيوب. الطابع الأكاديمي يثقل بعض مشاهده، والجدية المفرطة تتحوَّل أحيانًا إلى وعظ، والوضوح الزائد يسرق من الفيلم بعض غموضه الضروري. لكن بافليكوفسكي يعرف كيف يجعلك تنسى كل هذا، بقوة صوره وببراعة ممثليه. الفيلم رثاء صارم، بارد بعض الشيء، لبلد ضائع ومحطّم. عائلة تكافح لترميم ما دُمِّر، مثل حال وطنها تمامًا. الفيلم لا يتوقف طويلًا عند التاريخ المهني لكلّ فرد من آل مان، ولا عند تفاصيل حياتهم الشخصية المعقَّدة، لكن هذا اللقاء الوجيز يكفي لإضاءة ما تبقّى منهم وما لم يتبقَّ.

بافليكوفسكي ينقّي كلّ شيء، حتى التنفُّس. الإيماءات، والصمت بين جملة وأخرى. كلّ حركة، مهما كانت طفيفة، لها أثرها، وكلّ مشهد يحمل أكثر مما يُظهر. ثمانون دقيقة لا تكاد تتجاوزها، لكنها تبدو دهرًا. جميل ومؤلم، والبساطة، كما يذكّرنا بافليكوفسكي مرة أخرى، هي أعقد الفنون.

اقرأ أيضا: كل ما تريد معرفته عن أفلام مسابقة كان 2026

شارك هذا المنشور

أضف تعليق