فاصلة

مراجعات

«حكايات متوازية»… فرهادي وكيشلوفسكي بين التلصص والخيال

Reading Time: 4 minutes

في عام 1989، عرض المخرج البولندي كشيشتوف كيشلوفسكي عمله الأشهر «ديكالوج» ليعيد تعريف مفهوم المسلسل التلفزيوني، بعدما قام مع شريكه في الكتابة، السيناريست والمحامي السياسي كشيشتوف بيشيفيتش، بتقديم عشرة حكايات منفصلة، زمن كل منها ساعة، مأخوذة عن الوصايا العشر للعهد القديم، حاولا خلالها تحليل علاقة الإنسان المعاصر بالقواعد المؤسسة للعقيدة، وكيف يمكن لتعقد الواقع أن يقترح على البشر معضلات أخلاقية أعقد بكثير مما كانت عليه الحياة وقت نشأة التشريعات. العمل حقق نجاحًا مدهشًا، لا سيما مع تحويل حلقتين منه لفيلمين طويلين عُرضا في المهرجانات الكبرى بعنوان «فيلم قصير عن القتل» و«فيلم قصير عن الحب»، ليُطلق «ديكالوج» شهرة كيشلوفسكي العالمية، بعد سنوات من صناعة أفلام رائعة لم تحقق نجاحات استثنائية.

Dekalog (1989)
Dekalog (1989)

لم يستمتع الفنان الموهوب بنجاحه طويلًا. صحيح إنه تمكن مع انتقاله إلى فرنسا من إنجاز أربعة أفلام طويلة لها اليوم محبين مخلصين: ثلاثية ألوان العلم الفرنسي «أزرق» و«أبيض» و«أحمر»، بالإضافة لفيلم «الحياة المزدوجة لفيرونيكا»، إلا إنه سرعان ما أعلن الاعتزال ثم توفي بشكل مفاجئ في 1996، بعد أقل من سبعة سنوات من النجاح الذي نصّبه كأحد أهم مخرجي عصر وأكثرهم تأثيرًا.

Parallel Tales
Parallel Tales (2026)

هذا العام يحمل الذكرى الثلاثين لرحيل كيشلوفسكي، ويتزامن مع بدء مبادرة كبرى لإعادة إنتاج أفلام مستوحاة من حلقات «ديكالوج»، يصنعها كبار مخرجي العالم وبتحرر كامل من النص الأصلي، كان أولها «حكايات متوازية – Parallel Tales» للمخرج الإيراني أصغر فرهادي، والذي عُرض ضمن المسابقة الدولية لمهرجان كان السينمائي، بالإضافة لفيلم ثان من إخراج الكوري لي تشانغ دونغ اقترب من الانتهاء، ومن المتوقع أن يكون ضمن اختيارات مهرجان فينيسيا خلال سبتمبر المقبل.

نسخة درامية مختلفة

«حكايات متوازية» معالجة مغايرة لـ«ديكالوج ستة / فيلم قصير عن الحب»، والتي دارت أحداثها حول موظف بريد شاب يصير مهووسًا بمراقبة جارته الجميلة دون أن تعلم بأن هناك من يتابع أدق تفاصيل حياتها الخاصة. ينقل فرهادي الحكاية إلى العاصمة الفرنسية باريس، ليصور فيها فيلمه الثاني الناطق بالفرنسية بعد 13 عامًا من إنجاز «الماضي» عام 2013.

Parallel Tales (2026)
Parallel Tales (2026)

يُعقد المخرج الإيراني الحكاية على طريقته المفضلة في السيناريوهات التي تتشابك فيها إرادات الشخصيات، وتتطور فيها العلاقات وفقًا لما تكتشفه الشخصيات تباعًا عن بعضها البعض. تجسد النجمة إيزابيل أوبير دور سيلفي، روائية غريبة الأطوار، تعيش منعزلة في شقة تقوم منها بمراقبة ستوديو صوت في البناية المقابلة، لتستخدم ما تراه داخل الاستوديو كمصدر إلهام تقوم من خلاله ببناء نسخة روائية متخيّلة لما يدور داخل المكان الذي تعمل فيه امرأة ورجلان. تعاني الكاتبة من سدّة إبداعية تمنعها من استكمال الرواية، حتى تتغير حياتها عندما تضطر لاستقبال مساعد شاب ليعيش معها في المنزل، ويجد نفسه تدريجيًا مهووسًا بالرواية وشخصياتها.

Dekalog (1989)
Dekalog (1989)

يستقي فرهادي من كيشلوفسكي بوضوح تيمة التلصص التي يمكن اعتبارها الركيزة الأساسية في الفيلم البولندي، ذلك الشعور السحري الذي يملكه مُراقِب يعرف كل شيء عن طرف آخر لا يدري بوجوده من الأساس، وهو مدخل لا يقتصر على كونه تيمة درامية لطالما أحبتها السينما منذ نافذة هيتشكوك الخلفية، بل يمتد لكونه هوسًا بشريًا أزليًا يجعل الإنسان باستمرار فضوليًا لمراقبة حياة الآخرين، بل أن بعض المحللين يعتبرون السينما كلها وليدة هوس البشر بالتلصص على الآخرين.

بين الواقع والخيال

في المقابل، يتخلى المخرج الإيراني عن تيمة رئيسية في فيلم كيشلوفسكي وهي البراءة في مواجهة الخبرة الحياتية، والتي مثلها التناقض بين الشاب عديم التجارب الجنسية والمرأة متعددة العشّاق، ليستعيض عنها في «حكايات متوازية» بتيمة بديلة يمكن اعتبارها المركز الذي يدور حوله كل شيء في الفيلم، ألا وهي علاقة الإبداع بالواقع، وكيف يمكن للخيال أن يتأثر بالحياة في البداية، ثم يؤثر فيها ويدفعها للتحرك وفق خيال المؤلف لاحقًا.

Parallel Tales (2026)
Parallel Tales (2026)

سيلفي كتبت الرواية استنادًا على حياة بشر لا تعرف عنهم سوى ما تراه عبر المنظار المُقرب فرسمت لهم دراما أكبر من واقعهم الاعتيادي، لتخط نصّا صار مساعدها آدم مهووسًا به لدرجة انتحاله والرغبة في نقله للشخصيات الحقيقية (في تجلي درامي لنظرية موت المؤلف). أما شخصيات الاستوديو فيجدون في النسخة الروائية – رغم كل تحفظات الخصوصية – اقتراحات بنسخة أكثر صخبًا من حياتهم الهادئة، نسخة من المنطقي أن يكون رد الفعل الأول عليها هو الرفض والسخرية، لكنها سرعان ما تزرع داخل عقولهم سيناريو مغاير، ومن ذا الذي يقاوم شهوة أن تكون حياته موضوعًا لرواية مثيرة؟

يستغرق أصغر فرهادي في هذه الفكرة طويلًا، بصورة مبالغ فيها أحيانًا، مستفيدًا من طاقم التمثيل القوي، ومن قدرته المعتادة على تشبيك العلاقات وجعلها تتحرك دومًا بصورة تجمع أفضل سمتين في أي دراما: أن تكون الأحداث بعيدة عن التوقع، لكنها في نفس الوقت منطقية ومتماشية مع ما نعرفه عن بناء كل شخصية وما يمكن أن تُقدم عليه من أفعال، وهي بصمة فرهادي الخاصة التي جعلت منه أحد أهم صناع السينما المعاصرين بأفلام مثل «انفصال» و«عن إيلي» و«بطل».

مفارقة قدرية

فرهادي أبدى كثيرًا إعجابه وتأثره بكشيشتوف كيشلوفسكي، الذي يقدم لها هنا تحية مستحقة من أستاذ سينمائي لآخر، بل إنه لا يكتفي بمعالجة «ديكالوج ستة» فيُقدم إشارة درامية لمشهد القتل الشهير في «ديكالوج خمسة / فيلم قصير عن القتل». إشارة تتماشى مجددًا مع تيمة ما يقترحه الخيال على الواقع، والذي قد يجعل إنسانًا عادية يغدو قاتلًا بين عشية أو ضحاها.

Parallel Tales (2026)
Parallel Tales (2026)

ربما احتاج «حكايات متوازية» أن يخرج قليلًا من سحر تيمته التي يبدو أنها قد أعجبت فرهادي بشدة لدرجة الاستغراق فيها لمدة ساعتين وثلث كاملة دون التشعب لأفكار أخرى كان يمكن التطرق لها، لكنه يظل فيلمًا جيدًا، مصنوعًا بمحبة ورغبة واضحة في الاشتباك بخفة مع تاريخ السينما، ومع مفهوم الإبداع بشكل عام.

المفارقة العجيبة هي أن يتزامن عرض الفيلم الأول في كان، مع وفاة كشيشتوف بشيفيتش شريك كيشلوفسكي في كتابة «ديكالوغ»، وكأن الواقع والخيال قررا أن يلعبا مجددًا لعبة تجعلنا نتأمل سيرورة الحياة وأحكامها.

اقرأ أيضا: كل ما تريد معرفته عن أفلام مسابقة كان 2026

شارك هذا المنشور

أضف تعليق