في أحد أكثر المؤتمرات الصحافية ثراءً خلال الدورة الـ79 من مهرجان «كانّ» السينمائي، قدَّم المخرج الإيراني أصغر فرهادي تفاصيل واسعة عن فيلمه الجديد «Parallel Tales ـ حكايات متوازية»، متحدّثًا عن الذاكرة والعنف والسلطة والحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال.
وشهد المؤتمر حضور المنتج الفرنسي ألكسندر ماليه غي، والممثل الفرنسي التونسي آدم بيسا، والنجمة إيزابيل أوبير، والممثلة فيرجيني إيفيرا، والممثلين الفرنسيين فنسنت كاسيل وبيير نيني.

وسرعان ما تحوّل النقاش من الحديث عن صناعة الفيلم إلى حوار إنساني وسياسي وفلسفي حول دور السينما في زمن الحروب والقمع.
ويستند «Parallel Tales ـ حكايات متوازية» إلى الحلقة السادسة من مسلسل «Dekalog ـ الوصايا العشر» للمخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي، المستوحى بشكل فضفاض من الوصايا العشر.
ويتتبَّع الفيلم شخصية سيلفي، التي تتجسَّس على جيرانها في الجهة المقابلة من الشارع بحثًا عن الإلهام لروايتها الجديدة. وعندما تستأجر الشاب آدم لمساعدتها في أعمالها اليومية، لا تدرك أنه سيقلب حياتها وعملها رأسًا على عقب، إلى أن يتجاوز الخيال الذي صنعته الواقع نفسه.

وفي بداية المؤتمر، كشف فرهادي أنّ المشروع بدأ قبل نحو خمسة أعوام، عندما كان في برشلونة عائدًا إلى إيران، وتلقّى رسالة إلكترونية تعرض عليه المشاركة في مشروع مستوحى من أعمال كيشلوفسكي. وأوضح أنه لم يتحمَّس للفكرة في البداية، خصوصًا أنه لا يرغب في إخراج مسلسل تلفزيوني، لكن الأمور تغيَّرت بعد جملة قالها له أحد القائمين على المشروع: «أريد أن أرى الفيلم الذي سيصنعه أصغر فرهادي انطلاقًا من عالم كيشلوفسكي».
وقال المخرج الإيراني إنّ هذه الجملة بقيت عالقة في ذهنه، وأصبحت الشرارة الحقيقية وراء الفيلم.
وأشار إلى أن فريق العمل منحه حرّية كاملة في اختيار الحلقة أو الفكرة التي يريد الانطلاق منها، مع السماح له بتحويلها إلى عمل شخصي بالكامل، مستوحى فقط من ذلك العالم، لا إعادة إنتاج مباشرة له. ويعود فرهادي في هذا العمل إلى أسلوبه القائم على البناء الدرامي المتداخل، حيث تتقاطع حكايات شخصيات عدة داخل شبكة من العلاقات الإنسانية المعقّدة وأسئلتها الأخلاقية.
«القتل جريمة»… فرهادي يتحدَّث عن غزة وإيران
ولم يمرَّ وقت طويل خلال المؤتمر حتى سُئل المخرج الإيراني عن رأيه في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ويعيش الحائز على جائزة الأوسكار خارج إيران منذ عام 2023، لكنه أشار إلى أنه كان في طهران الأسبوع الماضي، وشاهد آثار «حدثين مأساويين».
وأضاف فرهادي: «أحد هذين الحدثين هو مقتل عدد من الأبرياء، أطفال ومدنيين، سقطوا في الحرب. وقبل هذه الحرب، قُتل عدد من المتظاهرين، أناس خرجوا إلى الشوارع للاحتجاج، كانوا أبرياء أيضًا، لكنهم قُتلوا في مجزرة». وتابع: «هذان الحدثان مؤلمان جدًا، ولن يُنسيا أبدًا».
كما أشار إلى ردّ إيران عبر شنّ غارات صاروخية وطائرات مسيَّرة على إسرائيل، معربًا عن تعاطفه مع الضحايا. وقال: «إنّ التعبير عن الغضب والاستنكار إزاء مقتل المدنيين الأبرياء جراء القصف لا يعني تأييد إعدام المتظاهرين وقتلهم. وبالمثل، فإنّ الشعور بالتعاطف مع من قُتلوا رميًا بالرصاص خلال المظاهرات لا يمنع التعاطف مع مَن قضوا جراء القصف».
وختم فرهادي: «القتل جريمة. لا يمكنني بأي حال من الأحوال قبول فقدان أيّ إنسان لحياته، سواء في حرب، أو إعدام، أو مجازر بحق المتظاهرين. من القاسي والمأسوي أن نستيقظ كلّ صباح، رغم كلّ ما يُفترض أن البشرية حقّقته من تقدُّم، على أخبار مقتل أبرياء جدد من دون أيّ سبب».
العودة إلى فرنسا وتجربة أكثر نضجًا
وعند سؤاله عن الفارق بين فرنسا التي صوّر فيها «The Past ـ الماضي» عام 2013، وفرنسا التي عاد إليها اليوم عبر «Parallel Tales ـ حكايات متوازية»، قال فرهادي إنّ العمر والخبرة يُغيّران طريقة نظر الإنسان إلى العالم أكثر من تغيُّر الأمكنة نفسها.
وأوضح أن السنوات التي مرّت منذ فيلمه الأول في فرنسا منحته عمقًا وثقة أكبر في التعامل مع الشخصيات وبناء العلاقات، كما جعلته أكثر راحة خلال العمل داخل البيئة الفرنسية هذه المرة.
شخصيات بين الواقع والخيال
وخُصص جزء كبير من المؤتمر للحديث عن بناء الشخصيات المركَّبة داخل الفيلم، إذ أوضح الممثل آدم بيسا أنّ العمل يتحرك باستمرار بين نسختين من الشخصيات: النسخة الحقيقية، والنسخة التي تُعيد الكاتبة تشكيلها داخل روايتها.
ووصف بيسا الأمر بأنّ الفيلم يبدأ بعلاقات واضحة بين الخائن والعاشق، قبل أن تنقلب الأدوار تدريجيًا، ويتحوّل الضعيف إلى قوي، والمسيطر إلى هشّ.
وأضاف أنّ فرهادي كان دقيقًا بشكل استثنائي في إدارة الأداء التمثيلي، حتى في أبسط التفاصيل اليومية، من طريقة المشي إلى كيفية حمل المفاتيح أو الوقوف داخل الغرفة، بهدف الحفاظ على واقعية شديدة الدقة من دون أيّ مبالغة درامية. لكنه في الوقت نفسه، كان يطلب أحيانًا أداءً أقل إتقانًا داخل المَشاهد المتخيلة، لأن الشخصيات داخل الرواية أكثر نمطية وأقل تعقيدًا من شخصيات الواقع.
فرهادي بين بونويل وكيشلوفسكي
وخلال التحضير للفيلم، استعان فرهادي بعدد من المرجعيات السينمائية لمساعدة الممثلين على فهم الطبقات المختلفة للشخصيات.

وأشارت إيزابيل أوبير إلى أن فرهادي تحدَّث كثيرًا عن فيلم «That Obscure Object of Desire ـ ذلك الموضوع الغامض للرغبة» للمخرج لويس بونويل، لما يحمله من انقسام وتعدُّد داخل الشخصية الواحدة. كما استعادوا ثلاثية كيشلوفسكي، وخصوصًا فيلم «Three Colors: Red ـ ثلاثة ألوان: الأحمر»، إضافة إلى فيلم فرهادي الشهير «About Elly ـ عن إيلي».
وأضافت أنّ هذه المراجع ساعدتهم على فهم طبيعة الفيلم، الذي يتحرّك باستمرار بين الواقعية النفسية والتخييل الأدبي، من دون أن يمنح المُشاهد إجابات سهلة أو نهائية.
وفي ختام المؤتمر، بدا فرهادي متأثّرًا وهو يشكر فريق العمل، مؤكدًا أنّ المشروع كان شديد التعقيد على الورق، وتحويله إلى فيلم احتاج إلى ثقة كبيرة من المنتج والممثلين. ووصف التجربة بأنها إحدى أجمل تجاربه المهنية، قائلًا: «أتمنّى لكلّ مخرج أن يحظى يومًا بفرصة العمل مع هذا الطاقم».