شهد مهرجان «كانّ» السينمائي المشاركة الثالثة للمخرج الياباني ريوسوكي هاماغوتشي في المسابقة الرسمية، من خلال فيلمه الجديد «All of a Sudden ـ فجأة». وهي تأتي بعد حضوره الأول عام 2018 بفيلم «Asako ـ أساكو»، ثم فيلم «Drive My Car ـ قُد سيارتي» عام 2021، الذي حصد عنه جائزة أفضل سيناريو.
وشاركت في المؤتمر الصحافي الخاص بالفيلم الممثلة البلجيكية فيرجيني إيفيرا والممثلة اليابانية تاو أوكاموتو.
وافتتح مدير الجلسة الحوار بالإشارة إلى وجود عالمة الأنثروبولوجيا والكاتبة ماهو إيسونو في الصف الأمامي، قبل أن يوجّه سؤاله الأول إلى هاماغوتشي حول أصل المشروع والكتاب الذي ألهمه لإخراج الفيلم، موضحًا أنّ العمل يستند أساسًا إلى كتاب يضمّ مراسلات إنسانية، ومتسائلًا عن كيفية تحويل هذه المادة المكتوبة إلى فيلم روائي.
استهل المخرج ريوسوكي هاماغوتشي حديثه بتوجيه الشكر للحضور على ترحيبهم الحارّ، مشيرًا إلى أن شرح تفاصيل إنجاز هذا الفيلم يحتاج إلى وقت طويل. وأوضح أنه تلقّى في البداية عرضًا من منتج لقراءة كتاب يضمّ مراسلات استمرّت لسنوات طويلة بين باحثين يابانيين؛ أحدهما فيلسوف والآخر عالم أنثروبولوجيا.

وأضاف أنّ إحدى الكاتبتين، وتدعى يوناما ميابيكو، كانت مصابة بالسرطان، وقد تبادلت مع الطرف الآخر عشر رسائل مطوَّلة، تظهر عبر سطورها بوضوح معاناتها مع المرض وتفاقم حالتها الصحية.
وعن التحدّيات الإخراجية، قال هاماغوتشي إنه تساءل طويلًا عن كيفية تحويل هذه المراسلات إلى عمل سينمائي، إلى أن تلقّى اقتراحًا من منتج فرنسي للعمل معه على المشروع. وأكد أنّ صعوبة التعامل مع المراسلات تكمن في أنّ المحادثات المكتوبة لا يمكن نقلها مباشرة إلى الشاشة، بل تحتاج إلى صياغة سينمائية خاصة.
ورأى أنّ فكرة الإنتاج المشترك بين فرنسا واليابان كانت الخيار الأنسب والأسهل لتصوير هذه الرسائل وتقديمها سينمائيًا.
وأعرب هاماغوتشي عن تأثره الشديد منذ قراءته الأولى لهذه المراسلات، مؤكدًا سعادته الكبيرة بعرض الفيلم في المهرجان، ومتمنيًا أن يصل هذا الإحساس إلى الجمهور بالعمق نفسه.

وطرح أحد الصحافيين سؤالًا مشتركًا تمحور حول عنصر «اللغة» بكونها عاملًا أساسيًا في الفيلم، مشيدًا بالانتقال السلس والمتوازن بين الفرنسية واليابانية. ووجّه سؤاله إلى المخرج والممثلتين عن سبب اختيار هذا الأسلوب، وكيفية تعامل الممثلين مع هذا التداخل اللغوي، معربًا عن إعجابه بصوت فيرجيني باللغة اليابانية، وتحدّثها بالإيطالية والفرنسية في نهاية الفيلم، وكذلك تحدّث تاو بالإيطالية واليابانية وطريقة التواصل بينهما.
وعقّب هاماغوتشي على هذه النقطة مشيرًا إلى أن إدارة حوار بلغات متعدّدة ومختلفة هي فكرة سبق أن اشتغل عليها في فيلمه السابق «Drive My Car ـ قُد سيارتي»، ويجدها شديدة الإثراء. وأوضح أنه طلب من فيرجيني وتاو دراسة لغة الآخر المشتركة، إيمانًا منه بأن تعلُّم لغة ثانية يتيح للممثل التقاط كثير من الإشارات عبر لغة الجسد ونبرة الصوت.
وأشار إلى أنّ عدم فهم الممثل للغة زميله قد يصعّب عليه التقاط الإشارات الجسدية، بسبب تركيزه المفرط على النصّ، مما يقلّل قدرته على التفاعل مع المؤثرات الصوتية والجسدية لدى الطرف الآخر. وأكد أن تجربة التمثيل بلغة مختلفة كانت تحدّيًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى ممثلاته.

وتحدّثت فيرجيني إيفيرا عن تجربتها وتجربة زملائها في الفيلم، مؤكدة أنهم عاشوا تجربة إنسانية تتجاوز مجرد تصوير عمل سينمائي. ووصفت كيف ينقل هاماغوتشي كلّ شيء في الفيلم إلى عالم آخر، بوصفه قائدًا لفريق التمثيل، مما فرض عليهم تقمص الشخصيات وإتقان اللغة الأخرى للوصول إلى هذا العالم.
وذكرت إيفيرا أنها انضمت إلى العمل في وقت متأخر، وطلب منها هاماغوتشي تعلُّم اللغة اليابانية. ورغم صعوبة الأمر، بسبب مكانته الفنية الكبيرة وما يحظى به من احترام وإعجاب، فإنها وافقت وبدأت بتعلم الأبجدية والأصوات، لتكتشف لاحقًا أنّ اليابانية تضمّ أبجديات عدّة.
وأضافت أنها حفظت حوارها بالكامل، وشعرت بارتباط وثيق بين هذه التجربة وفيلم «Drive My Car ـ قُد سيارتي»، الذي تعدّ نفسها من أشدّ المعجبين به. وأوضحت أن ذلك تطلب منها ومن زملائها إجراء بروفات شاقة وفهم الحوار بدقة كاملة، مؤكدة أنها تشعر بحظ كبير لتقديم هذا الدور.
كما أشارت إلى طبيعة المَشاهد الطويلة في الفيلم، حيث كانت تمثّل باليابانية بينما تمثّل تاو بالفرنسية، موضحةً أنه إذا لم يكن المخرج راضيًا عن أي جزء من المشهد، كان عليهم إعادة التصوير من البداية، مما فرض عليها حفظ دورها بدقة شديدة.
ومن جانبها، استعرضت الممثلة تاو أوكاموتو تجربتها مع طريقة عمل المخرج ريوسوكي هاماغوتشي وتعلُّم اللغة الأجنبية، ووصفتها بأنها من أغنى التجارب في مسيرتها الفنّية القصيرة. وأوضحت أنها، بخلاف زميلتها فيرجيني، انضمت إلى المشروع في مرحلة مبكرة جدًا، مما منحها فرصة ثمينة للتدرب والاستعداد المتواصل على مدى نحو عشرة أشهر
وأشارت أوكاموتو إلى أنهم كانوا يختتمون كلّ يوم تصوير بالتدرب على مشاهد اليوم التالي. ورغم أنها لم تكن تتخيّل في البداية شكل النتيجة النهائية بعد قراءة الحوار والعمل على النصّ، فإنّ كثرة البروفات ساعدتها على التماهي الكامل مع الحوارات وحفظها عن ظهر قلب قبل التصوير، معتبرة ذلك من أهم الدروس التي اكتسبتها خلال التجربة.

كما أبدت إعجابها الكبير بقدرة فيرجيني على إتقان اللغة وأسلوبها في العمل، مؤكدة نجاحهما في تجاوز حاجز اللغة عبر التعبير الجسدي وبناء رابطة قوية، جعلت مرحلة التحضير غنية بتعلُّم الفرنسية وتعزيز التواصل بينهما.
مفهوم «الرعاية» عند هاماغوتشي
وفي إجابته عن سؤال حول العلاقة بين فيلمه الجديد وأحد أفلامه الأخرى، والصلة بين شخصيات العملين، أوضح هاماغوتشي أنّ الرابط الأساسي يكمن في مرحلة التحضير، إذ جرى العمل عليهما بالتوازي تقريبًا. وبينما استغرقت التحضيرات لفيلم «All of a Sudden ـ فجأة» وقتًا طويلًا، كان يعمل في الوقت نفسه على فيلم «Evil Does Not Exist ـ الشر لا وجود له».
وأكد المخرج أنّ الموضوعات التي تناولها الفيلمان كانت متشابهة إلى حد كبير خلال تلك المرحلة، التي تزامنت مع شعوره بإرهاق جسدي ونفسي شديد نتيجة حملات الترويج المكثفة لفيلم «Drive My Car ـ قُد سيارتي». وأشار إلى أن هذا الإرهاق ربما انعكس على الفيلمين، بل قد يكون الدافع الحقيقي وراء إنجازهما.
وعن مفهوم «الرعاية» وعلاقة الفيلم به، باعتباره جزءًا بالغ الأهمية من تاريخ السينما، أوضح هاماغوتشي أنه لم تتح له الفرصة في أعماله السابقة لاستكشاف فكرة الرعاية والاهتمام بالآخرين، مؤكدًا أنها مسألة تشغله بشدّة وكان يرغب في التعمُّق فيها، خصوصًا أن الاهتمام بالآخرين ليس بالأمر السهل كما قد يبدو.
وختم هاماغوتشي حديثه بالإشارة إلى أن الوجود من أجل الآخرين، وتخصيص الوقت للاستماع إليهم ورعايتهم، ليس بالضرورة أمرًا يستطيع الإنسان القيام به بالقدر الذي يرغب فيه. وأوضح أن تعمّقه في بيئة الرعاية جعله يدرك حجم المعاناة الناتجة عن نقص الوقت، حتى لدى العاملين في هذا المجال أنفسهم، والذين يفتقرون إلى الوقت الكافي للتواصل الحقيقي ورعاية الآخرين.
وأكد في النهاية أن هذا هو السؤال الجوهري الذي أراد استكشافه وفهمه في فيلمه: لماذا نُحرم من الوقت الكافي لرعاية بعضنا والاستماع إلى الآخرين؟