فاصلة

مقالات

«ملوك الطريق»… الرجل الذي يدور في مكانه

Reading Time: 9 minutes

يدخل «برونو» صالة العرض المظلمة، يفتح حقيبة أدواته على الأرض، يفكّ المسامير بحركة رجل كرّر هذا العمل في عشرات القرى من قبل، وبعد قليل تعود الصورة إلى الشاشة. لا يوجد في الصالة سواه، والمقاعد فارغة من حوله.

تُغلق الصالات التي يزورها واحدة تلو الأخرى منذ سنوات. يعرف «برونو» ذلك، ومع هذا يواصل السفر من بلدة إلى بلدة، يصلح جهاز عرض هنا، ويعيد صورة إلى شاشة هناك، بينما تُطفأ شاشات أخرى خلفه في بلدات لم يصل إليها بعد.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

من هذا الرجل، ومن هذه الرحلة الدائرية على حدود ألمانيا الغربية، صنع فيم فيندرز فيلمه «Im Lauf der Zeit» عام 1976، الذي عُرف بالإنجليزية باسم «Kings of the Road»، وإن كان عنوانه الألماني الأصلي يعني حرفيًا «في مجرى الزمن» أو «مع مرور الزمن»، وهو أقرب كثيرًا إلى ما يفعله الفيلم فعلًا.

ماذا يفعل رجل يواصل إصلاح آلات عرض حين لم يعد يريد أحد تقريبًا مشاهدة الأفلام؟ يبدو السؤال صغيرًا في البداية، لكنّه يتّسع بسرعة. ماذا يفعل رجل يواصل السفر لأنّه لا يعرف أين يسكن؟ وماذا تفعل بلد تستعير صورها وأغنياتها وأحلامها من بلد آخر، لأنها لم تحسم بعد علاقتها بتاريخها الخاص؟

يلتقي «برونو» بـ«روبرت»، الرجل الذي أنقذه من نهر الإلبه بعد أن قاد سيارته إليه هاربًا من زواج منهار، فيأخذه معه في رحلته. يسافر الرجلان معًا بمحاذاة الحدود الفاصلة بين الألمانيتين لأسابيع، ويتوقّفان في بلدات متتالية، بينما يقترب كلّ منهما تدريجيًا من مواجهة ماضيه الخاص، قبل أن يفترقا في نهاية الفيلم.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

الطريق الذي لا يؤدّي إلى مكان

تدخل سيارة «روبرت» مياه نهر الإلبه في المشهد الافتتاحي، ببطء أقرب إلى القرار منه إلى الحادث. مزّق صورة بيته بين يديه قبل أن يقود السيارة نحو الماء. يخرج من النهر مبلّلًا، تاركًا وراءه كلّ ما كان يملكه تقريبًا، ويلتقي «برونو» الذي انتشله من الماء وأخذه معه في شاحنته. تظهر أبراج الحراسة والأسلاك الشائكة على الضفّة الأخرى من النهر في هذا المشهد الأول نفسه، بعيدةً لكنّها واضحة تمامًا، قبل أن تصبح الحدود موضوعًا صريحًا للفيلم لاحقًا.

ضاق فيندرز، خلال صنع فيلمه السابق «The Wrong Move» (1975)، بالسيناريو المُحكم الذي كتبه بيتر هاندكه، وشَعَرَ أنّ النصّ يحدّد مسبقًا ما سيحدث للشخصيات والطريق الذي ستسلكه. لذلك بدأ «ملوك الطريق» بطريقة أكثر حرّية. حدّد المسار الجغرافي للرحلة، ووضع «برونو» في شاحنته، وبدأ التصوير بصفحات قليلة من السيناريو، ثمّ أخذ يكتب المَشاهد خلال الرحلة نفسها. وتوقّف التصوير أكثر من مرّة حين لم يكن قد قرّر بعد ما الذي سيحدث في المَشاهد التالية.

أتاحت له هذه الطريقة أن يستجيب لما يجده في الطريق، وأن يسمح للمصادفة بالدخول إلى الفيلم. غادر فريق التصوير منطقة الحدود في إحدى المرّات، وقطع نحو خمسمائة كيلومتر لتصوير بيت طفولة «برونو» على نهر الراين. وكان فيندرز يتوقّف أمام المقاهي المتنقّلة والمصانع المتداعية والواجهات والبلدات الصغيرة التي يصادفها خلال الرحلة. تأثّرت نظرته إلى هذه الأماكن بصور المصوّر الأميركي ووكر إيفانز، الذي وجد في الطرق واللافتات ومحطّات الوقود والمباني العادية والمهملة مادّة تستحقّ التصوير، وجعل منها سجلًّا للحياة الأميركية التي كانت تمرّ عادةً خارج الصورة.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

دخلت هذه الاكتشافات في نسيج «ملوك الطريق» نفسه. فالمكان الذي نراه لم يُختر كلّه قبل التصوير، وبعض ما يحدث للشخصيات نشأ ممّا وجده فيندرز وفريقه خلال الرحلة. ولهذا تتشابه حركة «برونو» مع الطريقة التي صُنع بها الفيلم؛ ينتقل بشاحنته من بلدة إلى أخرى من دون وجهة نهائية واضحة، فيما كان فيندرز يعرف المسار العام لفيلمه ويكتشف تفاصيله كلّما تقدّم في الطريق.

يعيش «برونو» داخل دائرة أصلًا. تدور الشاحنة على الحدود نفسها منذ سنوات، وتُصلح الآلات نفسها، وتمرّ بالبلدات نفسها مرّة بعد مرّة. تتكرّر الدائرة بصريًا في تفاصيل صغيرة طوال الفيلم؛ درّاجة يركبها «روبرت» في حلقة أمام الشاحنة، وهولا هوب تدور حول خصر فتاة في مشهد عابر، وعجلات سيارات تصادم في مدينة ملاهٍ، وشريط فيلم قديم يحوّله «برونو» بنفسه إلى حلقة تعرض المشهد ذاته بلا نهاية. ولا يختلف خطّ سير «برونو»، الذي يتكرّر شهرًا بعد شهر بين القرى نفسها، كثيرًا عن هذه الدوائر الصغيرة.

يسير الرجلان بمحاذاة الحدود الفاصلة بين الألمانيتين طوال الفيلم تقريبًا، لكنّهما لا يعبرانها أبدًا. ينتهي الطريق عمليًا عند سياج ومنطقة حراسة، فتتحوّل الحركة المستمرّة للشاحنة إلى شكل آخر من السكون، حيث يدور رجلان في مكانهما.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

تستعير هذه الرحلة الكثير من الويسترن الأميركي: السيارة، والطريق، والصداقة بين رجلين، والموسيقى المنبعثة من الراديو. تعد حدود الويسترن الأميركي بأرض مفتوحة بلا نهاية. أما حدود ألمانيا المقسومة، فتغلق الأرض على نفسها وتعيد الرجلين إلى تاريخ لا يستطيعان تجاوزه.

وراء هذه البلدات الريفية تاريخ سينمائي ألماني مختلف تمامًا. ازدهرت، خصوصًا في الخمسينات، أفلام عُرفت باسم «Heimatfilm»، أي «أفلام الوطن»، وقدّمت القرى والجبال والريف الألماني على أنها أماكن جميلة ومستقرّة، تعيش فيها جماعات متماسكة بعيدًا عن اضطرابات المدن وآثار التاريخ القريب. صنعت هذه الأفلام صورة مطمئنة عن الوطن، في وقت كانت فيه ألمانيا الخارجة من الحرب تحاول أن تعيد بناء صورتها عن نفسها.

يعود فيندرز إلى الريف نفسه، فيجد صورة مختلفة. تمرّ شاحنة «برونو» ببلدات صغيرة شبه فارغة، قرب حدود تقسّم ألمانيا إلى دولتين، بينما تُغلق دُور السينما أبوابها واحدة تلو الأخرى. لم يعد الريف هنا ملاذًا يحفظ صورة الوطن، وصار مكانًا تظهر فيه آثار الانقسام والزوال بوضوح.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

وفي الوقت نفسه، يستدعي الفيلم تقليدًا أميركيًا طالما جذب فيندرز؛ أسطورة الـ«Frontier»، أي الحدود التي تحرّك نحوها المستوطنون غربًا في المخيّلة الأميركية، وتحوّلت في أفلام الويسترن إلى فضاء مفتوح يرتبط بالرحلة والمغامرة والبدء من جديد. يستخدم «ملوك الطريق» بعض صور هذا التقليد: رجلان، ومركبة، وطريق طويل، وبلدات متباعدة. لكنّ الطريق الذي يسلكانه يمتدّ بمحاذاة حدود ألمانيا الشرقية، ولذلك يقودهما باستمرار إلى أرض مقسومة وإلى بلدات تفقد شيئًا من حياتها.

يلتقي التقليدان في الرحلة نفسها. يحمل الطريق صدى الفرونتير الأميركي، ويحمل الريف ذاكرة الـ«Heimat» الألمانية. ويجد «برونو» و«روبرت» أمامهما وطنًا يصعب أن تنطبق عليه أيّ من الصورتين القديمتين؛ فضاؤه محدود بحدود سياسية، وبلداته تفرغ، ودُور السينما فيه تختفي. تصبح الرحلة، بهذا المعنى، عودة إلى ألمانيا لمعرفة ما بقي منها.

Easy Rider (1969)
Easy Rider (1969)

يستعير الفيلم أيضًا بعض ملامح «Easy Rider» (1969): رجلان، وطريق، وموسيقى روك، وتمرّد هادئ على سلطة الآباء. ينقل فيندرز هذا النموذج إلى بلد أثقل تاريخيًا وأقلّ احتفاءً بحرّية الحركة.

تنتشر أميركا في تفاصيل الفيلم كلّها: أغنيات الروك على مسجّل «برونو»، وزجاجة ويسكي «جاك دانيالز» يتقاسمانها ليلًا في ثكنة أميركية مهجورة قرب الحدود، وهاتف يربطهما بعامل مقسم أميركي.

في تلك الليلة نفسها، يقول «روبرت» لـ«برونو»: «الأميركيون استعمروا لاوعينا». يضحك وهو يقولها، لكنّ الجملة تبقى معلّقة بعد الضحكة. ينتقد الرجلان هذه الهيمنة بلغة الثقافة نفسها التي صنعت وعيهما: بالروك، وبعبارات مستعارة من أفلام أميركية.

تُرى ألمانيا نفسها، في مشاهد الفيلم كلّها تقريبًا، بعين صنعتها من قبل صور أميركية: محطّات وقود مهجورة تشبه صور ووكر إيفانز عن الجنوب الأميركي زمن الكساد، ومساحات فارغة تستدعي الويسترن أكثر ممّا تستدعي الريف الألماني. وصل الاستعمار الثقافي، كما يبدو، إلى طريقة النظر نفسها.

يبدأ التحوّل الحقيقي في الفيلم فقط حين يغادر الرجلان خطّ السير المرسوم؛ يذهب «روبرت» إلى أبيه، ويسافر «برونو» إلى بيت طفولته. تبدأ معرفة كلّ منهما بنفسه في اللحظة التي يتوقّف فيها الطريق عن أن يكون روتينًا، ويصبح عودة إلى الماضي.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

رجلان لا يعرفان كيف يعيشان مع أحد

لا يقدّم الفيلم رجلين يستمتعان بحرّية الطريق. يهرب «روبرت» من زواج انتهى للتوّ، ويجعل «برونو» من شاحنته بيتًا يحميه من أيّ علاقة تتجاوز حدود العمل.

يلتقي الرجلان رجلًا ماتت زوجته بعدما قادت سيارتها إلى شجرة. يرتدي الرجل معطفها الملطّخ بالدم حين يظهر أمامهما، ولا يقول كثيرًا. يمثّل هذا اللقاء أوّل مواجهة حقيقية للرجلين مع نتيجة العجز عن التواصل، وبعده مباشرة يبدأ «روبرت» رحلته نحو أبيه.

يعود «روبرت» بعد غياب طويل إلى بيت أبيه، ناشر صحيفة محلّية اعتاد أن يطغى بصوته على البيت كلّه. يتذكّر صوته العالي وحده كافيًا لإسكات البيت. لا يستطيع مواجهته بالكلام وحده، فيقف أمام آلة الطباعة نفسها التي استخدمها أبوه سنوات، صامتًا طويلًا قبل أن يشغّلها، ويطبع مقالًا بعنوان: «كيف نستطيع احترام امرأة؟». يستعير من أبيه الأداة نفسها ليقول ما لم يستطع أبوه قوله يومًا عن أمّه.

يزور «برونو»، في مكان آخر من الرحلة، بيت طفولته على نهر الراين. تغطّي الأتربة الأثاث القديم، وتنمو الأعشاب في الحديقة الصغيرة أمام الباب. يقف أمام البيت المهجور، ثمّ يبكي. يقول لاحقًا إنّه رأى نفسه للمرّة الأولى شخصًا مرَّ بزمن صار، من دون أن يشعر، تاريخه الخاص.

تظهر «بولين»، عاملة شبّاك التذاكر في إحدى الصالات، خلال توقّف آخر في الرحلة، بالتزامن مع زيارة «روبرت» لأبيه. يقضي «برونو» معها ليلة يظلّان خلالها منفصلين، جسدًا وعاطفةً، رغم القرب. حين تدمع عيناها، يمسح الدمعة بإصبعه، ثمّ يلمس بها وجهه. تشبه الحركة رجلًا يحاول أن يتعلَّم الشعور من الخارج.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

تحضر النساء في الفيلم عبر غيابهنّ أكثر ممّا يحضرن فعليًا: أمّ «روبرت» التي لا يذكرها إلّا عبر أبيه، وأمّ «برونو» التي لا يبقى منها في الفيلم سوى أثر البيت الفارغ، وزوجة الرجل الذي فقدها على الطريق، وزوجة «روبرت» التي هرب منها منذ المشهد الأول. يصل كلّ منهما إلى النساء الغائبات عبر أثر تركنه وراءهنّ: أب يتحدّث عن أمّ، وبيت فارغ، ومعطف ملطّخ بالدم.

لا يعرف الرجلان طريقًا للتواصل إلّا عبر وسيط؛ يطبع «روبرت» الكلمات، ويصلح «برونو» الأفلام، ويحتفظان بالصور، ويتقاسمان فيما بينهما الموسيقى المنبعثة من مسجّل صغير.

يصلان إلى أقرب ما وصلا إليه من قول شيء حقيقي لبعضهما في مواجهتهما الأخيرة، تلك التي أطلق عليها فريق الفيلم نفسه اسم «مشهد الحبّ». يتعاركان جسديًا قبل أن ينفصلا، لكنّهما يقولان لبعضهما، في تلك الليلة، أشياء لم يستطيعا قولها من قبل لأيّ امرأة في حياتهما.

يلتقي «روبرت»، في المحطّة التي يفترقان عندها، طفلًا يكتب في دفتر كلّ ما يراه، من دون أن يحاول تفسيره. وصف فيندرز هذا الطفل في وقت لاحق بأنه «حلمه عن مخرج سينمائي»، عين ترى العالم قبل أن تحكم عليه. لا يحتاج هذا الطفل وحده، من بين كلّ من يظهر في الفيلم، إلى آلة طباعة أو جهاز عرض أو أغنية ليكون حاضرًا في العالم.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

دار السينما الأخيرة

تمنح الآلة «برونو» يقينًا نادرًا في حياته، يعرف تمامًا ماذا يفعل بها في كلّ مرّة. صوّر فيندرز الفيلم بالأبيض والأسود بعدسة روبي مولر، معتبرًا هذا الاختيار أقرب إلى الواقع من الألوان بالنسبة إلى عمل بهذا الطابع التسجيلي.

حين بحث فريق الفيلم، قبل التصوير، عن دُور السينما القائمة على طول هذا الخطّ الحدودي، وجد أنّ نحو نصف الدُور المدرجة في دليل الهاتف أُغلقت بالفعل. وأُغلقت أخرى بعد التصوير مباشرة.

أجرى فيندرز، قبل التصوير أيضًا، مقابلات مع أصحاب هذه الصالات. كان كثير منها مملوكًا لنساء مسنّات يُدرنها رغم الخسارة المتكرّرة، عالمات بأنّ لا أحد سيواصل العمل بعدهنّ. احتفظ الفيلم ببعض هذه المادّة داخل حكايته.

يشبه هذا ما يفعله «برونو» داخل الفيلم؛ يحاول إنقاذ آلة عرض هنا، وشاشة هناك، بينما يحاول فيندرز، بالكاميرا نفسها، إنقاذ صورة الأماكن قبل أن تختفي.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

يقدّم «برونو» و«روبرت»، في مشهد آخر، عرضًا مرتَجلًا للأطفال خلف شاشة سينما فارغة، ظلالًا وحركات بسيطة بلا أيّ فيلم حقيقي. تتخلّص السينما للحظة واحدة فقط من كلّ الأفلام الرديئة التي تشكو منها صاحبة الصالة الأخيرة لاحقًا، وتعود إلى أبسط عناصرها: ضوء، وشاشة، وجسد، وخيال يضحك الأطفال.

يشارك بيت «برونو»، الذي زاره سابقًا في الرحلة، المصير نفسه. يبقى فارغًا ومتروكًا، فيما تُغلق الصالات الواحدة تلو الأخرى.

في آخر صالة يزورها «برونو» في الفيلم، تتحدَّث صاحبتها المسنّة عن موت السينما؛ فهي لم تعد تعرض الأفلام التي تصلها من الموزّعين، أفلامًا، وفق وصفها، يفقد فيها الناس إحساسهم بأنفسهم وبالعالم. ومع هذا، تُبقي صالتها جاهزة للعمل، تحسّبًا ليوم تُصنع فيه أفلام جيّدة من جديد. تحيط بها على الجدار صور نجوم قدامى، ويظهر بينها وجه فريتز لانغ، الذي أُهدي إليه الفيلم. تتحوّل الشاحنة القديمة المحمّلة بآلات العرض، بهذا المعنى، إلى استعارة لتاريخ السينما نفسه.

Kings of the Road (1976)
Kings of the Road (1976)

يعمل الزجاج الأمامي للشاحنة طوال الفيلم كأنه شاشة أخرى، تمرّ المناظر أمام «برونو» و«روبرت» كما تمرّ الصور أمام أيّ متفرّج في صالة مظلمة. واللافت أنّ الفيلم، رغم مهنة «برونو»، نادرًا ما يُري المتفرّج شاشة سينما كاملة.

يمزّق «برونو» بعد هذه الزيارة خطّ سيره الذي حمله بين يديه سنوات. وبينما يبتعد بالشاحنة، ينعكس على زجاجها الأمامي حرفا «WW» من لافتة الصالة، «الجدار الأبيض» (Weiße Wand)، وهما الحرفان نفسهما اللذان يبدأ بهما اسم فيم فيندرز. ثمّ ترتفع الكاميرا وحدها نحو واجهة الصالة، حيث تبقى أضواء معلّقة تشكّل كلمة واحدة: «End».

يترك «روبرت» لـ«برونو»، قبل أن يفترقا، رسالة قصيرة: «كلّ شيء يجب أن يتغيّر». يركب القطار من دون أن يخبره إلى أين، ويكتفي «برونو» بمراقبته من بعيد وهو يبتعد. لا يخبرنا الفيلم، لا في هذه اللحظة ولا بعدها، ماذا سيتغيّر فعلًا.

يبقى الطريق كما هو بعد افتراقهما. تبقى السينما مهدّدة كما كانت قبل أن يلتقيا. لا ينتهي «ملوك الطريق» بوصول أحدهما إلى مكان، وإنما بتوقّف رجلين، للمرة الأولى منذ بداية الفيلم، عن الدوران بالطريقة نفسها.

اقرأ أيضا: «روكي»… الرجل الذي بقي واقفًا

شارك هذا المنشور

أضف تعليق