فاصلة

مقالات

«روكي»… الرجل الذي بقي واقفًا

Reading Time: 7 minutes

يدخل «روكي بالبوا» صالة «سبكتروم» قبل ليلة من المباراة، وهي فارغة تمامًا، كأن أحدًا لم يخطّط لملء آلاف مقاعدها في اليوم التالي. يقف أمام ملصق ضخم يحمل صورته إلى جانب صورة «أبولو كريد»، ويلاحظ تفصيلًا سخيفًا: رسموا سرواله باللون الخطأ. يبتسم الرجل الذي علّق الملصق، ويقول له إن التفاصيل لن تهمّ أحدًا، فالجمهور يريد عرضًا جيدًا، لا دقة في الألوان.

يفتتح الفيلم، قبل هذا المشهد بساعة تقريبًا من زمن العرض، بصورة معلّقة للمسيح فوق حلبة ملاكمة رخيصة، من دون أن يعلّق أحد عليها أو يعود إليها لاحقًا بشكل مباشر. لا داعي لتحميل هذه اللقطة أكثر مما تحتمل، لكنها تبقى في الذاكرة إشارةً عابرةً إلى ما سيصبح عليه الفيلم كلّه لاحقًا؛ حكاية عن رجل يتحمّل الأذى ولا يطلب خلاصًا من أحد غير نفسه.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

يعود «روكي» إلى شقته، ويجلس إلى «أدريان»، ويقول لها بهدوء غريب إنه يعرف أنه لن يهزم «أبولو كريد».

تندر لحظة مثل هذه في الأفلام الرياضية؛ يسحب البطل من نفسه احتمال الفوز قبل أن تبدأ المباراة الكبرى بساعات قليلة. ولو أراد أحد أن يفهم فيلم «روكي» (Rocky) (1976) بعيدًا عن صورته الشائعة حكايةَ نجاح فرديًا، فربما تكون هذه اللحظة هي المدخل الصحيح إليه، أكثر من مشهد الحلبة نفسه. إذا كان «روكي» يعرف مسبقًا أنه سيخسر، فما الذي بقي له كي يقاتل من أجله؟ ويظهر الجواب تدريجيًا قبل المباراة وبعدها، لا في نتيجة النزال نفسها.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

كلب اسمه «بوتكوس»

يخوض «روكي بالبوا»، الملاكم الثلاثيني، نزالات هامشية في نوادي فيلادلفيا الصغيرة مقابل مبالغ زهيدة، ويعمل بالتوازي مُحصّلًا للديون لدى رجل يُدعى «غازو». يمتلك خزانة صغيرة في صالة التدريب، حصل عليها بعرقه، فيفقدها لمصلحة ملاكم أصغر سنًا. يُخبره مدرّبه «ميكي»، من دون مجاملة، بأنه أهدر موهبته. تتغيَّر حياته حين يبحث «أبولو كريد»، بطل العالم للوزن الثقيل، عن خصم محلّي مغمور لمباراة استعراضية بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لاستقلال الولايات المتحدة، فيقع الاختيار على «روكي» لأنّ لقبه، «الحصان الإيطالي»، يصلح لملصق دعائي أكثر مما يستند إلى أيّ اعتبار رياضي.

كتب سيلفستر ستالون هذا السيناريو وهو يعيش وضعًا لا يختلف كثيرًا عن وضع بطله. كان في مطلع عام 1975 يقترب من الإفلاس، فباع كلبه «بوتكوس» بمبلغ زهيد أمام أحد المتاجر، لأنه لم يعد قادرًا على إطعامه، ثم استعاده حين تحسّن حاله، مقابل مبلغ أكبر بكثير مما باعه به. تابع في تلك الفترة مباراة الملاكمة بين محمد علي وتشاك ويبنر في آذار 1975، التي جاءت بعد أشهر قليلة من فوز علي الشهير على جورج فورمان فيما عُرف بـ«ملحمة الأدغال». كان يُنظر إلى البطل آنذاك على أنه لا يُقهر تقريبًا، فبدا اختياره «ويبنر» خصمًا أشبه بنزهة قبل المباراة الكبرى التالية. صمد «ويبنر»، رغم ذلك، حتى الجولة الخامسة عشرة أمام أعظم ملاكم في عصره، قبل أن يوقف الحكم المباراة قبل نهايتها بثوانٍ قليلة. صاغ ستالون شخصية «روكي بالبوا» مستلهمًا تلك المباراة وملامح ملاكمين حقيقيين آخرين يُذكرون عادة في هذا السياق: روكي مارسيانو، الذي اعتزل من دون أن يخسر مباراة واحدة، وروكي غرازيانو، وجيك لاموتا.

لم يستقر ستالون نفسه على إجابة واحدة عبر العقود حين سُئل عن مصدر الإلهام الحقيقي لشخصيته. روى في مناسبات كثيرة تفاصيل مباراة «ويبنر» كما وردت هنا، بينما أكّد في مناسبات أخرى، وآخرها منشور له عام 2026، أن اسم الشخصية وقصتها استُلهما أساسًا من «روكي مارسيانو» نفسه.

كتب ستالون المسودة الأولى في أيام، وعرض عليه منتجون مبالغ تجاوزت مائتي ألف دولار مقابل السيناريو وحده، شرط أن يؤدّي البطولة نجم معروف مثل راين أونيل أو بيرت رينولدز. رفض. لم يكن يملك رفاهية الرفض ماليًا، لكنه رفض رغم ذلك، وقبل في النهاية أداء الدور بأجر متواضع لا يتجاوز بضع عشرات الآلاف من الدولارات مقابل الكتابة والتمثيل معًا، إضافة إلى نسبة صغيرة من أرباح الفيلم. وافقت شركة «يونايتد آرتيستس» على الإنتاج بميزانية لا تتجاوز مليون دولار، وهو رقم متواضع حتى بمقاييس تلك السنوات. وصُوّر الفيلم بأكمله خلال ثمانية وعشرين يومًا فقط، بطاقم صغير لا يشبه طواقم الإنتاجات الكبرى.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

اختار «أبولو كريد» «روكي» من بين ملاكمين كثيرين لأن اسمه يصلح للدعاية، تمامًا كما كانت استوديوهات هوليوود تنظر إلى ستالون بوصفه وجهًا غير مناسب للبطولة. يصرّ رجل مجهول على أن تُمنح له فرصته: هذه حكاية الفيلم، وحكاية كاتبه أيضًا. لم ينتظر ستالون، مع ذلك، أن يختاره أحد؛ كتب لنفسه الفرصة، ثم مثّلها.

درجات متحف الفنون

تخسر فيلادلفيا في منتصف السبعينات وظائفها ومصانعها وسكانها، مثل مدن كثيرة في الحزام الصناعي الأميركي آنذاك. يصوّر الفيلم شوارعها الباردة، وشقة «روكي» الرثّة، وحانة الزاوية، ومتجر الحيوانات الذي تعمل فيه «أدريان»، وصالة «ميكي» التي تفوح منها رائحة العرق القديم، والمسلخ حيث يتدرّب «روكي» على قطع اللحم المعلّقة. تبدو فيلادلفيا هنا مدينة فقدت وظائفها قبل أن تجد ما يحلّ محلّها.

يبدأ الفيلم ببطء لافت. تمشي الكاميرا خلف «روكي» في الشوارع، وتراقبه يعود إلى بيته، ويتحدّث إلى سلاحفه، ويحاول الاقتراب من «أدريان» بجمل مرتبكة. تمرّ نحو نصف ساعة قبل أن تبدأ حكاية الملاكمة فعليًا، والفيلم خلالها يمضي ببطء شديد، كأنه يراوح مكانه.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

يتغيّر ذلك مع بدء التدريب. صُوّر جزء كبير من مَشاهد الجري في السوق الإيطالية بلا تصاريح رسمية ولا ممثلين إضافيين، بكاميرا محمولة من داخل شاحنة صغيرة، وسط باعة حقيقيين لا يؤدّون أي دور. رمى أحد الباعة إلى «روكي» برتقالة عفويًا خلال التصوير، فالتقطها في الهواء، واحتُفظ باللقطة في النسخة النهائية لأنها بدت أصدق من أي مشهد مخطّط له سلفًا. تنطلق الكاميرا خلف «روكي» في الأسواق وعلى الأرصفة، بفضل جهاز تصوير جديد آنذاك يُدعى «ستيديكام»، صمّمه مهندس يُدعى غاريت براون، كان قد اختبره على درجات متحف فيلادلفيا للفنون قبل استخدامه في الفيلم بوقت قصير. يصل «روكي» إلى أعلى تلك الدرجات رافعًا ذراعيه، وتتصاعد موسيقى بيل كونتي، وتلتقط الكاميرا فيلادلفيا كلّها من خلفه. لم يصبح غنيًا بعد، ولم يهزم أحدًا بعد. لكن شيئًا ما تغيّر داخله، قبل أن يتغيّر أي شيء في حياته الفعلية.

يصطدم الفيلم هنا بنفسه قليلًا: يصوّر مدينة كاملة تتآكل اقتصاديًا، ثم يقترح خلاصًا فرديًا بحتًا؛ رجل يجري ويتدرّب ويؤمن بنفسه فيتغيّر. لا يطالب أحد بإصلاح فيلادلفيا. يكفي أن يصعد رجل واحد درجاتها.

جاء «روكي» في لحظة كانت السينما الأميركية تغيّر جلدها. صدرت قبله بسنوات قليلة أفلام واقعية قاتمة عن شوارع المدن الأميركية وحاناتها الرخيصة، أقرب إلى تشاؤم منتصف السبعينات منها إلى أي عزاء عاطفي. يحتفظ «روكي» بتلك الشوارع الباردة نفسها وبواقعية شخصياتها، لكنه يعيد إليها بطلًا يتحوّل فعليًا، وبنهاية تحمل عزاءً عاطفيًا واضحًا، قبل أن تترسّخ موجة كاملة من الحكايات الواضحة ذات النهايات المتفائلة في السنوات التالية مباشرة.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

أدريان في الغرفة الخلفية لمتجر الحيوانات

يتحدّث «روكي» كثيرًا، وتكاد «أدريان» لا تتحدّث على الإطلاق. يعمل هو بجسده، وتقف هي طوال اليوم خلف منضدة متجر صغير للحيوانات، خجولة إلى درجة أنها تتفادى النظر في عينيه. يحمل كلاهما في داخله القناعة نفسها بأنه أقلّ مما ينبغي أن يكون.

تدخل «أدريان» حياة «روكي» قبل أن تبدأ حكاية الملاكمة فعليًا، وتتقدّم علاقتهما بوتيرة أبطأ من أي مشهد ملاكمة في الفيلم. يزورها «روكي» في المتجر مرارًا، ويتحدّث عن سلاحفه وكلبه، ويحاول إضحاكها، فينجح أحيانًا ويفشل أحيانًا أخرى. وحين يقنعها أخيرًا بالخروج معه ليلة عيد الشكر، يخبرها في شقته بأنها ليست «فاشلة» كما تصف نفسها. يبدو، وهو يقول ذلك، كأنه يخاطب نفسه أيضًا.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

تحاول «أدريان» مغادرة الشقة مرّات عدّة في تلك الليلة، مرتبكة من الموقف، قبل أن ينزع «روكي» نظارتها أولًا، ثم يطلب منها بلطف أن تخلع قبعتها، فتفعل بعد تردّد طويل. لا يتعلّق المشهد فقط باكتشاف «روكي» جمال «أدريان». للمرة الأولى، يتوقّف الاثنان عن أداء الشخصية التي اعتاد كلّ منهما الاختباء داخلها؛ هو الرجل كثير الكلام، وهي المرأة التي تحاول ألّا يلاحظها أحد.

قال ستالون مرة إن الحكاية في جوهرها قصة حب، صادف أن الرجل الذي تحبّه المرأة فيها ملاكم. تتّضح هذه الفكرة في بنية السيناريو أكثر مما تتّضح في ملصقات الفيلم أو إعلاناته؛ إذ تحتلّ علاقة «روكي» و«أدريان» مساحة من زمن الفيلم تقارب تلك المخصّصة للملاكمة نفسها.

تدخل «أدريان» حياة «روكي» وهو لا يزال رجلًا خائفًا يعمل محصّل ديون، قبل أن يملك أي فرصة حقيقية للفوز بشيء. تبقى معه في الليلة التي يعترف فيها أخيرًا بخوفه، حين يحتاج فقط إلى إنسان يسمعه يقول إنه لن يفوز. تمنحه مكانًا يستطيع فيه الاعتراف بالخوف من دون أن يفقد صورته أمام نفسه.

حين يصرخ «روكي» باسمها في نهاية الفيلم، قبل أن يسمع قرار الحكّام، يبدو صراخه نتيجة منطقية لكل ما سبقه.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

زيّ جورج واشنطن في حلبة الملاكمة

يضع الفيلم مباراته الكبرى في توقيت محدّد بدقّة: ليلة رأس السنة 1976، عشية احتفال الولايات المتحدة بمرور مائتي عام على استقلالها. يعلن «أبولو كريد» الفكرة صراحة أمام الكاميرات: هذه أرض الفرص، وهو سيمنح رجلًا مجهولًا فرصة العمر. يعرف كلّ من في الفيلم تقريبًا أن «كريد» يفعل ذلك أساسًا من أجل الدعاية، بعدما تعذّر عليه إيجاد خصم مصنّف بديل في الوقت المتاح.

يدخل «كريد» الحلبة ليلة المباراة مرتديًا أزياء ترمز إلى أميركا الرسمية تباعًا: زيّ جورج واشنطن، ثم زيّ العم سام، وسط أعلام واحتفال صاخب بالذكرى المئوية الثانية. يدخل «روكي»، في المقابل، بمعطف قديم يحمل على ظهره إعلانًا تجاريًا صغيرًا. لا زيّ له، ولا صورة يستعير حضورها من أحد.

يظهر «أبولو كريد» طوال الفيلم بطلًا واثقًا بنفسه إلى حدّ الغرور، مقتنعًا بأن مباراته مع خصم مغمور مجرّد عرض جانبي لا يستحقّ تدريبًا جادًّا. يذكّر هذا الثنائي، من بُعد، بأخيل وهكتور؛ شبه إله لا يُقهر في مواجهة إنسان فانٍ يعرف أنه سيخسر ويقاتل رغم ذلك.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

يزيد الفيلم المشهد تعقيدًا بتفصيل بسيط: «كريد»، الرجل الأسود، يجسّد هنا الصورة الرسمية المنتصرة لأميركا، بينما يصبح الإيطالي الفقير من حيّ «كنسينغتون» الطرف المهمّش صاحب القضية العادلة في نظر الجمهور. يعقّد الفيلم بذلك التوزيع المعتاد بين المركز والهامش، أكثر مما يقلبه كليًا، ويترك الملاحظة تمرّ من دون تعليق مباشر.

تمنح أميركا «روكي» فرصته، لكنها تمنحها له ضمن عرض دعائي لا يهمّها فيه سوى الاحتفال بنفسها. ثم ينقلب العرض على صاحبه؛ يصمد «روكي» خمس عشرة جولة كاملة أمام بطل لم يصمد أمامه أحد بهذا الشكل من قبل، ويخسر بالنقاط، لكنه يخرج من الحلبة وقد أثبت شيئًا لا علاقة له بلقب العالم. هذا ما يمكن أن نسمّيه الكرامة؛ قيمة الرجل واحترامه لنفسه واحترام الآخرين له. وهذا، أكثر من اللقب نفسه، ما يقاتل من أجله.

Rocky (1976)
Rocky (1976)

يعلن الحكّام قرارهم بعد الجولة الخامسة عشرة: فوز «أبولو كريد» بالنقاط. يقف «روكي» وسط الحلبة، وجهه منتفخ، وصوت المذيع يكاد لا يصله. يبحث بعينيه بين الحشد عن «أدريان»، وينادي اسمها مرّات متتالية حتى تشقّ طريقها إليه، فيعانقها أمام الكاميرات وهي تبكي، بينما يعلو خلفهما ضجيج جمهور لا يزال يحتفل بمباراة انتهت رسميًا لصالح البطل.

تأتي هذه اللحظة بعد ساعة كاملة من مشهد سابق، وقف فيه «روكي» وحده أمام الملصق الخاطئ الألوان، وأخبر «أدريان» أنه يعرف مسبقًا أنه لن يفوز. تحقّق التنبّؤ. خسر «روكي» المباراة، لكن الهدف الذي وضعه لنفسه في تلك الليلة؛ أن يبقى واقفًا حتى يدقّ الجرس للمرة الأخيرة، وهو ما لم يفعله أي خصم لـ«كريد» قبله، تحقّق أيضًا، وبالكامل.

يمنح الفيلم هذا الهدف الشخصي وزنًا أكبر من أي حكم تصدره لجنة تحكيم. يصبح قرار الحكّام تفصيلًا أمام صورة رجلين منهكين يقفان وسط الحلبة بعد خمس عشرة جولة. تشقّ «أدريان» طريقها بين الناس إليه، بينما يستمرّ خلفهما إعلان نتيجة مباراة لم تعد تعنيه كثيرًا.

اقرأ أيضا: «الشبكة»… رجل يصرخ من داخل التلفزيون

شارك هذا المنشور

أضف تعليق