فاصلة

مقالات

«الشبكة»… رجل يصرخ من داخل التلفزيون

Reading Time: 8 minutes

أذكرُ أنني شاهدتُ «نتورك» (Network) للمرة الأولى في ساعة متأخّرة من الليل، على شاشة صغيرة لا تكاد ألوانها تُرى بوضوح. بقي من تلك الليلة في ذاكرتي شيء غامض أكثر من الفيلم نفسه؛ برودة الغرفة، وصوت مروحة قديمة، وشعور بأنني أشاهد عملًا أكبر مني بكثير. لم أستطع حينها أن أضع يدي على السبب الذي يجعله يعود إليّ كلّ بضع سنوات من دون أن أستدعيه بنفسي. أظنُّ الآن أنّ السبب مشهد واحد، يليه مباشرة مشهد آخر أهم منه بكثير.

يقف هوارد بيل» أمام الكاميرا ليعلن أنه غاضب غضبًا جنونيًا، وأنه لن يتحمّل الأمر بعد الآن. يطلب من كلّ مَن يشاهده أن ينهض من مقعده، ويفتح نافذته، ويصرخ في الشارع. فتستجيب مدن بأكملها. يُخيّل إليه أنه أيقظ الناس من سطوة الشاشة، بينما يثبت المشهد نفسه العكس تمامًا: تأمرهم الشاشة بالعصيان عليها، فيطيعون في الحال، من دون سؤال واحد.

Network (1976)
Network (1976)

لم أفهم في تلك المشاهدة الأولى أنّ هذا هو الفيلم كلّه مختصرًا في دقيقتين. ظننته، كما ظنّه كثيرون، عملًا تنبّأ بمستقبل الإعلام. استغرقني وقت طويل لأدرك أنّ كاتبه، بادي تشايفسكي، لم يفعل سوى وصف ما رآه أمامه بدقة كافية، ثم تتبّعه حتى نهايته المنطقية. أعدتُ مشاهدته منذ ذلك الحين أكثر من مرة، في ظروف مختلفة تمامًا، ولم يتغيّر الانطباع الأول قط. يبقى ذلك المشهد بالذات هو الذي يفتح لي الفيلم كلّه من جديد في كلّ مرة.

يتتبّع الفيلم مذيعًا عجوزًا يُدعى هوارد بيل، يُبلَّغ بقرب إقالته، فيعلن نيّته الانتحار على الهواء، ثم يتحوّل غضبه العلني إلى برنامج أسبوعي ناجح تديره ديانا كريستنسن، مسؤولة البرمجة الطموحة. يدخل ماكس شوماخر، رئيس تحرير الأخبار العجوز وصديق بيل، في علاقة عاطفية مع ديانا، تاركًا زوجته، بينما تحوّل الشبكة جنون بيل إلى سلعة تجارية، حتى تقرّر التخلُّص منه عندما تنخفض نسب مشاهدته.

رجل غاضب من مهنته

خرج الفيلم، في أصله، من غضب شخصي أكثر مما خرج من رغبة في التنبّؤ. كتب تشايفسكي، في خمسينات القرن الماضي، بعضًا من أشهر الأعمال التلفزيونية المباشرة في ذلك العصر، حين كانت الدراما التلفزيونية تُعامل بجدّية تقترب من جدية المسرح. راقب لاحقًا، بصفته مهنيًا عمل داخل هذه الصناعة، كيف تراجعت تلك الجدية عامًا بعد عام لمصلحة جداول برامج تُحسب فيها كل دقيقة بمقدار ما تجلبه من إعلانات. كتب الفيلم وهو يشعر أيضًا بأنّ بلده يتفكك أمامه… اضطراب سياسي، وشكوك في المؤسّسات، واقتصاد لا يثق به أحد. أراد عملًا واحدًا يقول فيه كلّ ما يريد قوله عن تلك اللحظة، فجاء كلام شخصياته أقرب إلى الخطب منه إلى الحوار العادي. يمكن عدُّ هذا عيبًا في فيلم آخر، لكن الخطابة هنا هي نفسها الموضوع.

Network (1976)
Network (1976)

يبدأ هوارد بيل مذيعًا عجوزًا على وشك التقاعد. تنخفض نسب مشاهدته، ويُبلَّغ بأنه سيُستبعد خلال أسبوعين. يعلن على الهواء أنه سينتحر أمام الكاميرات في برنامجه الأخير. تتحرّك الشبكة لطرده فورًا، فيطلب منها التراجع عن قرارها ليودّع الجمهور بكرامة. يعود إلى الشاشة ليتحدّث بصراحة غير معهودة عن حياته وفشله وخوفه، فترتفع نسب المشاهدة تلك الليلة ارتفاعًا لا يمكن تجاهله.

لا يحدث ما يلي من فراغ. فقد تحوّلت الشبكة نفسها، قبل بداية أحداث الفيلم بقليل، من مؤسّسة إعلامية إلى وحدة صغيرة داخل شركة ضخمة متعدّدة الأنشطة، تُطالَب فيها الأخبار بتحقيق أرباح مثل أي قطاع آخر، من صناعة الأغذية إلى التأمين. ويصبح العائد الإعلاني الذي يجلبه بيل المعيار الوحيد تقريبًا لقيمته.

Network (1976)
Network (1976)

تكتشف الشبكة أن جنون بيل سلعة، فتبحث عن الشكل التلفزيوني المناسب له. تمنحه برنامجه الخاص، وتضع غضبه على جدول البثّ؛ موعد أسبوعي، وموسيقى افتتاحية، وجمهور يعرف متى يصفّق. تتحوّل عبارته الشهيرة خلال أسابيع قليلة من صرخة رجل يحتضر إلى شعار يردّده الناس في الشوارع والحفلات، بلا أي صلة تُذكر بالألم الذي وُلد منه.

لا أعرفُ إن كان تشايفسكي يقصد بالضبط هذا القدر من السخرية حين كتب المشهد، لكنني أميل إلى الاعتقاد أنه فعل. يبدو أنّ ما أزعجه هو قدرة التلفزيون على أخذ حقيقة كاملة، مؤلمة وصادقة، وبيعها من دون أن يُغيَّر فيها حرف واحد.

بلدٌ توقَّف عن تصديق نفسه

يصل بيل إلى الشاشة في لحظة كان الأميركيون قد سمعوا فيها رئيسهم يكذب، وشاهدوا حربًا طويلة تنتهي بلا انتصار واضح، وبدأوا يكتشفون أنّ الاقتصاد لم يعد يعمل بالطريقة التي قيل لهم إنه يعمل بها. لم يكن غضب بيل بحاجة إلى تفسير طويل؛ فقد كان موجودًا أصلًا في البيوت التي تشاهده. وربما يفسّر هذا وحده لماذا صدّقه الملايين، رغم أنّ معظم ما يقوله غامض أو متناقض إذا ما فُحص بهدوء.

Network (1976)
Network (1976)

تقابله ديانا كريستنسن، مسؤولة البرمجة الشابة التي ترى في انهياره فرصة قبل أن تراه مأساة. تدرك، أسرع من أيّ شخص آخر في الشبكة، أنّ جنونه يبيع أكثر بكثير من أيّ خطاب عقلاني، فتتوقَّف عن التفكير في علاجه ما إن تكتشف ذلك. ومنذ تلك اللحظة، لا يعود سؤالها عمّا يحدث له، وإنما كيف يمكن بثّه على الهواء. طلب المخرج سيدني لوميت من فاي دوناواي، قبل التصوير، ألّا تمنح الشخصية أي رقّة عاطفية مفتعلة، محذّرًا إياها من أنه سيحذفها في المونتاج إن حاولت إضافتها. قبلت الممثلة الشرط، ولم تحاول إضفاء أي رقّة عاطفية على الشخصية طوال الفيلم. والنتيجة إنسان تشكّل بالكامل داخل منطق واحد؛ فكلّ شيء، من الحب إلى الثورة، يمرّ في ذهنها أولًا عبر سؤال عن الجمهور المُحتمل. تتحدَّث عن ممارسة الحبّ بالمصطلحات نفسها التي تستخدمها في اجتماعات البرمجة الصباحية، من دون أن تلاحظ الفارق. وحين تصف لماكس تجربتها معه، تختار كلمات أقرب إلى تقييم حلقة تلفزيونية منها إلى اعتراف عاطفي.

يمثّل ماكس شوماخر، رئيس تحرير الأخبار العجوز، بقايا عالم أقدم، كان يُفترض فيه وجود خط فاصل بين الخبر والترفيه، وبين العمل والحياة الخاصة. يخون ماكس زوجته بإرادته الكاملة، ويدخل علاقته بديانا مدركًا تمامًا إلى أين ستنتهي، وهذا وحده يكفي لأن يفقد ذلك الخطّ الفاصل كثيرًا من نبله المفترض. وحين تنتهي علاقتهما، تبكي ديانا لأنها لا تعرف، حتى في تلك اللحظة، كيف تحوّل الأمر إلى مادة قابلة للبث.

Network (1976)
Network (1976)

لاحظ لوميت أنّ وليام هولدن يتجنّب النظر مباشرة إلى عينَي ديانا في مشهد اعترافه بحبّه لها. طلب منه خلال التصوير أن يفعل العكس تمامًا، وألّا يشيح بعينيه عنها لحظة. فتدفّقت العاطفة من الممثل فورًا، وأصبح المشهد، بين مشاهد الحب الكثيرة في سينما تلك المرحلة، مربكًا بطريقته؛ رجل ينظر إلى امرأة لا تعرف كيف تنظر إليه بالطريقة نفسها.

أراد لوميت لكاميرته أن تُصاب بالمرض الذي يصيب شخصياته. يبدأ الفيلم بإضاءة تكاد تكون طبيعية في مشهد الشارع الأول بين بيل وماكس، من دون إضافات تُذكر، سوى الحد الأدنى اللازم للتعريض الصحيح. وكلما تقدّم الفيلم، أصبحت الإضاءة أكثر اصطناعًا، والكادرات أكثر جمودًا وتماثلًا. ويمهّد هذا التدرّج في الإضاءة لمشهد لاحق أشدّ برودة؛ مشهد قاعة اجتماعات آرثر جنسن. وتبلغ هذه الحركة ذروتها في المشهد الذي يقرّر فيه المديرون التخلّص من بيل: إضاءة أقرب إلى إعلان تجاري، وكاميرا ثابتة تمامًا، وتكوين أقرب إلى صورة فوتوغرافية منه إلى مشهد سينمائي.

رفض لوميت أيضًا استخدام الموسيقى التصويرية طوال الفيلم، خشية أن تنافس الحوار الطويل وتوجّه مشاعر المشاهد نيابة عنه. وحين صوّر خطبة «أنا غاضب» الشهيرة، استخدم كاميرتين ليتنقّل بسرعة بين المحاولات. توقّف بيتر فينش منهكًا في منتصف إحداها، فجمع لوميت نصفها الأول مع النصف الثاني من محاولة سابقة.

توفّي بيتر فينش بنوبة قلبية بعد أشهر قليلة من عرض الفيلم في الصالات، وقبل حفل توزيع جوائز «الأوسكار» بأسابيع، ليصبح أول ممثل في تاريخ الجائزة يفوز بها عن دور تمثيلي بعد وفاته. لا أعرف كيف أتعامل مع هذه المعلومة كلّما أعدت مشاهدة خطبته الأخيرة. يصعب عليّ أن أشاهدها اليوم كما شاهدتها قبل معرفتي بها. تتسلّل المعرفة اللاحقة إلى المشهد رغم مقاومتي لها، وتجعل من الصعب فصل تعب فينش في نهاية الخطبة عن جسد الممثل الذي يؤدّيها.

يحمل الفيلم في داخله تناقضًا لا يحاول إخفاءه. يهاجم منطق الترفيه والاستعراض، بينما يستخدم أدواتهما كاملةً: نجوم كبار، وخطب مكتوبة بعناية بالغة لتنتزع تصفيق القاعة، ونكات سريعة تصل إلى الجمهور حتى في أكثر مشاهده قتامة. وربما لهذا يبدو الفيلم اليوم أكثر صدقًا من أعمال أخرى ادّعت الوقوف خارج الاستعراض، بينما تصنعه بالطريقة نفسها.

Network (1976)
Network (1976)

يظهر هذا التناقض بوضوح أكبر في مشهد فتح النوافذ والصراخ. يتحوّل ملايين المتفرّجين، للحظة، إلى جزء من إخراج المشهد، وتُبثّ لاحقًا صورهم وهم يصرخون من شرفاتهم، دليلًا على نجاح البرنامج. يصفّق الجمهور داخل الاستوديو حين يُطلب منه ذلك، ويصرخ الجمهور خارجه حين يُطلب منه ذلك أيضًا، والفارق بينهما أقلّ مما يبدو للوهلة الأولى. لا أزال أشكّ، منذ ذلك المشهد، في كلّ تصفيق جماهيري متحمّس أراه على الشاشة.

يذهب برنامج بيل إلى منطقة لم تكن السينما قد اعتادت تناولها بهذا الوضوح، وهي تحويل انهيار رجل حقيقي، بكل تفاصيله النفسية، إلى محتوى أسبوعي منتظم، له جدول بثّ وموسيقى افتتاحية. لا أستطيع مشاهدة هذا الجزء اليوم من دون التفكير في برامج كثيرة ظهرت لاحقًا، وتتبّعت أشخاصًا حقيقيين داخل بيوتهم أو خلال أزماتهم، وإن كان الفيلم قد سبق تلك البرامج بعقود. ويسبق بيل أيضًا ظهور نوع من المذيعين تُبنى شهرتهم على شخصياتهم ومواقفهم الفردية أكثر مما تُبنى على المؤسّسة الإخبارية التي يعملون فيها؛ إذ يمنحهم بعض الجمهور ثقة تفوق ثقته بالأخبار التي يقدّمونها.

Network (1976)
Network (1976)

رأس المال فوق السياسة

يظنّ بيل، في منتصف الفيلم، أنه اكتشف عدوًا واضحًا: شركة كبرى تستعد لشراء الشبكة التي يعمل فيها. يهاجم الصفقة على الهواء، فيستدعيه آرثر جنسن، رئيس الشركة الأم، إلى قاعة اجتماعات شبه فارغة، تشبه إضاءتها إضاءة كنيسة أكثر من إضاءة مكتب. يجلس بيل وحيدًا تقريبًا في تلك القاعة الواسعة، بينما يقف جنسن في طرفها البعيد، والمسافة بينهما مدروسة بقدر الكلمات نفسها. يشرح له جنسن، بصوت لا يعلو ولا يتردّد، أن الشركات وتدفّقات المال بينها هي التي تدير العالم اليوم. لا يحاول إقناعه، وإنما يخبره بحقيقة يراها بديهية.

يخرج بيل من اللقاء نبيًا لدين مختلف تمامًا عمّا بشّر به قبل أسابيع. كان يصرخ ضدّ فساد النظام، لكنه يعود ليبشّر بحتمية النظام نفسه، وضرورة تخلّي الناس عن أوهام الأمة والوطن والفرد لمصلحة نظام اقتصادي واحد يشمل الجميع. تنخفض نسب مشاهدته سريعًا ما إن يتغيَّر خطابه. يتّضح أنّ الجمهور كان يريد رجلًا غاضبًا يشبهه أكثر مما كان يريد الحقيقة.

يستطيع بيل أن يصرخ كما يشاء، ما دام صراخه لا يمسّ من يملكون الشبكة. وفي خطّ فرعي يقترب من الكوميديا، تتفاوض الشبكة مع جماعة ثورية على برنامج أسبوعي يوثّق عملياتها، وتصل المفاوضات إلى تفاصيل حقوق البثّ ونسب الأرباح، حتى تصبح الثورة نفسها بندًا قابلًا للتفاوض.

ينتقل الفيلم بين نبرات قلّما تجتمع في عمل واحد: خطبة شبه دينية في قاعة اجتماعات، ومشهد حبّ ميلودرامي حزين بين ماكس وديانا، ثم مفاوضات شبه هزلية مع جماعة ثورية حول حقوق البثّ.

Network (1976)
Network (1976)

تجتمع ديانا مع بقية المديرين لمناقشة الحل بعدما تنخفض نسب مشاهدة بيل إلى حدّ لا يُحتمل. ويأتي القرار ببساطة تخلو حتى من الرغبة في التبرير: يُقتل بيل على الهواء خلال برنامجه، بمساعدة الجماعة الثورية نفسها التي كانت الشبكة تموّلها. تُعرض الجريمة في نشرة الأخبار المسائية بوصفها الخبر الأول، بصياغة محايدة تمامًا تجعلها مجرّد خبر آخر في نشرة تلك الليلة، من دون أي إشارة إلى أنّ الشبكة نفسها دبّرتها.

أظن أنّ الفيلم يعود إليّ في كل مرة لأنه فهم منطقًا كان قائمًا بالفعل قبل أن يكتبه أحد: إذا أخضعت الخبر لمنطق الربح، ثم أخضعت الربح لنسب المشاهدة، فسينتهي بك الأمر إلى معاملة الحقيقة والغضب والموت بوصفها مواد قابلة للبيع بالقدر نفسه. ربما لهذا أعود إلى الكتابة عنه من وقت إلى آخر، لأتأكّد في كلّ مرة أنني ما زلت أرى الأمر نفسه في ذلك المشهد الأول. أفكّر أحيانًا في تلك اللحظة التي تفتح فيها مدن بأكملها نوافذها لتصرخ بأمر من رجل على الشاشة. لا أظن أنّ أحدًا من هؤلاء المتفرّجين شَعَرَ، وهو يصرخ في الشارع، بأنه جزء من برنامج تلفزيوني. وهذا، ربما، هو الشيء الذي لم يتغيَّر منذ عام 1976: نظنّ أننا نعبّر عن أنفسنا، بينما تنظر إلينا الشاشة بوصفنا أرقامًا تثبت نجاحها.

اقرأ أيضا: «سائق التاكسي»… أميركا التي صنعت بطلًا من قاتل

شارك هذا المنشور

أضف تعليق