فاصلة

مراجعات

«كلّ مرّة»… غروب شمس مستحيل

Reading Time: 3 minutes

للسينما أبواب لا حصر لها، يفتح كلٌّ منها آفاقًا مختلفة للّغة والسرد في مقاربة الموضوع ذاته. والموت، باعتباره أعظم الألغاز وأكثر الحقائق البشرية يقينًا، يقع في صميم اهتماماتها، ومعه الحزن بطبيعة الحال. وفي اللحظة التي نظن فيها أن جميع الأبواب قد فُتحت بالفعل، يظهر فيلمٌ مثل «كلّ مرّة» (Everytime)، ليذكّرنا باللانهاية، ويؤكد أن ما قُدم حول هذا الموضوع لا يزال غير كاف. ندرك فجأة أن هذا هو الفيلم الذي كان ينقصنا. 

فيلم المخرجة النمساوية ساندرا فولنر، الحائز على جائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في مهرجان كان هذا العام، والذي رشحته المانيا ليمثلها في الأوسكار، تبدو قصته بسيطة. عائلة من برلين، مكونة من الأم إيلا (بيرغيت مينيتشماير) وابنتيها جيسي (كارلا هوترمان) وميلي (لوتي شيرين كايلين)، تستعد للسفر في عطلة إلى جزيرة تينيريفي، لكن وقوع مأساة عشية الرحلة يفسد خططها ويزعزع بنيتها جذرياً. تمضي الحياة في أعقاب المأساة محاطة بروتين راسخ، زيارات منتظمة إلى القبر، وكأنها ذهاب اعتيادي لتناول القهوة في منزل قريب عزيز جدًا. لكن هذا الروتين يبدأ في التغير تدريجيًا حين يعود الشاب لوكس (تريستان لوبيز) من الخارج بعد عام من الغياب، ليكتشف أنه لم يتجاوز بعد ما حدث، الحدث الذي يشعر بالمسؤولية تجاهه، فيعيد التواصل مع العائلة. وبعد مرور بعض الوقت، تتحقق الرحلة أخيرًا، إلا أن الجزيرة لم تعد تلك الوجهة التي تخيلوها. فحيثما نظن وجود الاستقرار، تضرب المأساة. حيثما نتوقع الانسجام، يبرز الألم بحدة أكبر. وحيثما نأمل في التسامح، نجد الشعور بالذنب. يبدو أن الواقع في حاجة لنوع من الحنان، إلى اتخاذ شكل خيالي، وهذا تجسيد لحالة البرزخ التي يجد أفراد أربعة أنفسهم عالقين فيها، ولا يربط بينهم سوى الموت.

 Everytime (2026)
Everytime (2026)

تتسم سينما ساندرا فولنر بالرقة والإيحاء والغموض، تتحدى المشاهد، تتلاعب بالألغاز بدلًا من تقديم حقائق قاطعة أو كشوفات نهائية، وتعتمد على الأجواء أكثر من اعتمادها على الأحداث الملموسة. استهلّت النمساوية مسيرتها بفيلمها المثير «الصورة المستحيلة» (2016، The Impossible Picture)، الذي رصدت فيه حميمية عائلة نمساوية برجوازية في خمسينيات القرن العشرين. وفي فيلمها الثاني «مشكلة الولادة» (2020، The Trouble with Being Born)، خاضت غمار الخيال العلمي ذات الطابع البسيط (Low-Fi) لاستكشاف حدود الإنسانية. أما في فيلمها الثالث، فتعود لتتناول ثقل الصدمة النفسية داخل عائلة تهزّها فاجعة، مستكملة اهتمامها بالواقع غير المستقر، وناقلة إياه هذه المرة إلى الحميمية والحزن، ومستمرةً في استكشاف تلك المساحة الفاصلة بين العالم الحقيقي والواقعية السحرية.

Everytime (2026)
Everytime (2026)

ثمة شعور خفيّ بالقلق يتغلغل في الفيلم حتى قبل وقوع المأساة، وينمو بطريقة تكاد تكون غير محسوسة، فيخدعنا، فبينما نظن أننا نشهد حدثًا ما، تغيّر فولنر مسار الأحداث دون ضجيج، في وسط انغماسنا الكامل، فتثير غرابة تجعلنا نشكك في إدراكنا للعمل ذاته. تبدو الكاميرا، في أكثر من موضع، تائهة في المشاهد واللقطات المفتوحة، باحثة عن شيء ما، حتى إنها تتجول داخل عوالم لعبة «ماينكرافت». وتتخذ المأساة طابعًا جماليًا يشبه ألعاب الفيديو، لدرجة أننا نجد صعوبة في استيعاب وقوعها، ونتساءل أحيانًا عما إذا كان ما نراه جزءًا من لعبة، من فرط المسافة الفاصلة بيننا وبين الحدث، مسافة تزداد إيلامًا، للعائلة ولنا، في ظل محاولات صامتة ويائسة، وعديمة الجدوى، لفهم ما يستحيل إدراكه، وما كان يمكن تجنبه تمامًا.

يتلاعب الفيلم بالمقاييس والمسافات، وزوايا الرؤية وإعادة صياغة المشهد الطبيعي، وحضور الشمس الطاغي. والسرد يتسم بنوع من الفراغ، يتردد فيه صدى «الصورة المستحيلة»، إذ يستحضر تلك الهالة الشبحية عبر زوايا رؤية عشوائية أحيانًا، وكأنها لا تنتمي لأي إنسان، كلقطات الطائرة المسيّرة التي تبدو وكأنها تقود إيلا طواعيةً نحو مرآب مظلم. 

 Everytime (2026)
Everytime (2026)

تصوّر فولنر جزر الكناري كفضاء للاغتراب، أقرب إلى مشهد انتقالي منه إلى منتجع سياحي، بما تضمه من برك بحرية، ومنارة ذات طراز وحشي مهيب، ومناظر طبيعية تبدو وكأنها في نهاية العالم، بينما ينغمس بقية السياح في صيف مثالي ومتحرّر. وتحت شمس ساطعة تبدأ الإدراكات في التداعي، تكتسب الأيام طابع حلم محموم، وتؤدي الرغبة في استعادة ما فُقد إلى تشويه ما تظن الشخصيات أنها تراه، ليدخل الفيلم في منطقة «اللاألفة». يتوّج هذا الميل نحو السوريالية بشمس تأبى الغروب، ونهار يرفض الانقضاء، مما يعلّق الزمن ويحوّله إلى كيان ملموس يتسم بالغموض الأخلاقي وبالريبة، وربما حتى بالإجرام. يظل البناء الدرامي مفتوحًا بلا خاتمة حاسمة، ويبقى سؤال كبير بلا إجابة: هل تمكنت الشخصيات من تجاوز حزنها والعثور على بعض السكينة؟ أم أنها لا تزال أسيرة له؟ وحين ندرك ذلك، نجد أنفسنا وقد أصبحنا جزءًا من هذا التخبط ذاته، تائهين، محاصرين، نحاول استيعاب كيف انتهى بنا المطاف هنا. يحوّل «كل مرة» السينما إلى بوابة نحو المستحيل، ويمنحنا القدرة، ولو للحظة خاطفة، على تصديق احتمالية حدوث المعجزات.

اقرأ أيضا: «قواعد اللعبة»… الجميع يكذب قبل أن يسقط العالم

شارك هذا المنشور

أضف تعليق