فاصلة

أخبار وتقارير

نادين لبكي… طفلة الحرب التي وصلت إلى «كانّ» وواجهت محكمة النقّاد

Reading Time: 9 minutes

في الحرب، لم تجد نادين الطفلة ملاذًا إلا في شرائط الفيديو، التي فتحت أمامها عوالم مختلفة أسهمت في تشكيل ذائقتها وشخصيتها وأفكارها، حتى كبرت وصارت مخرجة تحمل على عاتقها حكايات النساء والأطفال المهمّشين، من شوارع بيروت إلى شاشات العالم.

عرفت نادين لبكي منذ طفولتها أنها تريد أن تروي قصصًا، تبحث من خلالها عن إجابات لأسئلة ظلّت تطاردها عن الحرّية والعدالة والحياة في بلد لا تكفّ الحروب عن تغيير ملامحه. وخاضت رحلة طويلة نحو الاعتراف الدولي، تخلّلتها شكوك وجروح خلّفتها الانتقادات اللاذعة لأفلامها. وعن تلك الرحلة تحدّثت المخرجة اللبنانية أمام جمهور «مهرجان لوميير» في مدينة ليون، الخميس 15 أكتوبر، مستعيدةً محطّات شكّلت مسيرتها السينمائية، من طفولتها في زمن الحرب إلى قرار إخراج أول أفلامها، ونجاح «كفرناحوم» المدوّي وما تعرّضت له بسببه، وصولًا إلى مشروعها الجديد الذي تستعدّ له.

«مهرجان لوميير
نادين لبكي- مهرجان لوميير (2026)

شرائط الفيديو… نافذة على العالم

«طفلة حرب»، هكذا وصفت نادين لبكي نفسها، مستعيدةً طفولتها خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، التي استمرّت لأكثر من 15 عامًا، وحرمت الأطفال من الذهاب إلى المدارس واللعب بصورة طبيعية، فكانوا يقضون أوقاتهم في الملاجئ خلف أكياس الرمل. في تلك السنوات، أصبحت السينما والتلفزيون ملاذًا من واقع الحرب، ونافذة تتيح لها اكتشاف عالم يتجاوز حدود الخوف والعزلة.

كانت عائلتها تعيش خلف متجر لشرائط الفيديو من نوع «VHS»، كما روت، وكانت تتسلّل إليه لمشاهدة الأفلام. وأصبحت السينما وسيلتها لاكتشاف العالم من زوايا مختلفة، مؤكّدةً أنها أدركت في ذلك العمر المبكر رغبتها في أن تكون واحدة ممّن يروون الحكايات للآخرين.

تأثّرت نادين، كما ذكرت، بعلاقة والدها وجدّها بالأفلام؛ إذ كان الجدّ يستأجر قاعة سينما لمشاهدتها، فيما ارتبط والدها برائحة بكرات الأفلام، وكان دائم الحديث عنها. وهكذا ارتبطت بها وجدانيًّا، وبقيت تلك الذكريات محفورة في ذاكرتها، في أجواء شبّهتها بأجواء فيلم «سينما باراديسو».

في المدرسة، كاد ذلك الحلم يتلاشى، إذ شعرت للمرّة الأولى بأنه غير قابل للتحقّق. تستعيد لبكي صورة معلّمتها وهي تشير إلى لبنان على الخريطة، قائلةً إنّ البلد ليس سوى نقطة صغيرة تكاد لا تُرى، ليتعزّز في داخلها شعور بأن تحقيق حلمها سيكون أكثر صعوبة مهما فعلت.

كفر ناحوم (2018)
كفرناحوم (2018)

في طفولتها، شاهدت نادين لبكي كلّ ما كان يُعرض على التلفزيون، من مسلسلَي «دالاس» و«داينستي» إلى الأفلام الغنائية الاستعراضية. وكان فيلمها المفضّل «غريس»، الذي أعادت مشاهدة شريطه، كما أشارت، حتى تعطّل تمامًا.

كانت الأفلام المصرية والأميركية جزءًا من طفولتها، وكان فيلم الرسوم المتحرّكة المفضّل لديها «بامبي»، الذي وصفته بأنه أول عمل سينمائي ترك أثرًا عميقًا فيها، خصوصًا لتناوله فكرة الموت، التي كانت واعيةً بها منذ طفولتها بسبب ما تعيشه بلادها. وقد أسهم واقع بلدها المظلم والمنغلق من جوانب عدّة، إلى جانب ارتباطها بالأفلام، في تشكيل علاقتها بالسينما وفهمها المبكر لقدرة الحكايات على فتح نافذة على العالم.

الإعلانات والفيديو كليب… المدرسة الأولى

قبل دخولها عالم السينما، بدأت نادين لبكي مسيرتها الإخراجية من بوابة الفيديو كليب، وسرعان ما تحوّلت إلى واحدة من أبرز الأسماء في هذا المجال مطلع الألفية، إذ تعاونت مع عدد من أبرز نجوم الغناء العربي، مقدّمةً أعمالًا تجاوزت مجرّد تصوير الأغنية إلى بناء حكايات بصرية ذات طابع سينمائي. 

ونجحت فيديوهاتها نجاحًا استثنائيًّا في لفت أنظار الجمهور إلى اسمها مبكرًا، من خلال أغنيات مثل «يا طير الغرام» لباسكال مشعلاني، و«بحبك موت» ليوري مرقدي، الذي استعاد أجواء عشرينات القرن الماضي، و«اعتزلت الغرام» لماجدة الرومي، المستوحى من الاستعراضات الفنية في الستينات، إلى جانب «بعينك» لنوال الزغبي. وكانت ثنائيتها مع نانسي عجرم إحدى أبرز محطّات تلك المرحلة، إذ تعاونتا في نحو ثمانية فيديو كليبات، من بينها «أخاصمك آه»، الذي حقّق نجاحًا واسعًا في بدايات عجرم، ويمكن عدّه أحد أنجح فيديوهاتها، إذ وضع نانسي في مكانة مختلفة تمامًا عمّا كانت عليه من قبل.

ومن خلال هذه الفيديوهات، برز أسلوبها مخرجةً تستطيع تسخير المكان والزمان والصورة في أعمالها، فقدّمت أغنيات مصوّرة أقرب إلى الأفلام القصيرة.

استعادت نادين لبكي تلك المرحلة، قائلةً إنها درست الفنون السمعية البصرية في «جامعة القديس يوسف» في بيروت، في وقت كان فيه التخصّص حديثًا نسبيًّا، إذ كانت ضمن الدفعة الثانية أو الثالثة تقريبًا. لكنها اكتشفت بعد التخرّج أنها لا تملك فرصة للعمل مباشرةً في إخراج الأفلام، فكانت الإعلانات مختبرها الأول ومدرستها في صناعة الصورة، كما منحتها خبرة في إدارة الممثّلين، ممّا شجّعها على الانتقال إلى إخراج الفيديوهات الموسيقية، التي وجدت فيها مساحة لتحويل إحباطاتها إلى أفكار إبداعية، وفق وصفها.

تقول لبكي إن تلك الفيديوهات مكّنتها من تقديم نساء حرّات وجريئات، على خلاف الصورة النمطية التي تختزل المرأة في جسدها. وتضيف أنها امتلكت الجرأة أحيانًا على القول إنها تعرف ما تفعله، حتى إن لم تكن تعرفه بالفعل.

كان نجاح نادين لبكي في هذه المرحلة ساحقًا، لكنها تركت هذا المجال عام 2010، بعدما أُتيحت لها الفرصة لتحقيق حلمها بأن تصبح مخرجة أفلام روائية. وكانت قد وضعت حجر الأساس لمسيرتها؛ إذ أتاحت لها تلك التجارب اختبار أدوات الصورة والأداء قبل الانتقال إلى السينما الروائية.

كراميل
كراميل (2007)

«كراميل»… الحلم يتحقّق

عام 2007، لامست نادين حلمها أخيرًا مع باكورة أعمالها «كراميل»، أول أفلامها الروائية الطويلة. قالت إنّ الفيلم وُلد من حكايات نساء تعرفهنّ، نقلت من خلاله معاناتهنّ وأحلامهنّ ومشاعرهنّ. فهؤلاء عشن فجوة كبيرة بين ما أصبحن عليه وما كنّ يتمنّين أن يصبحن عليه، وأرادت فهم أسباب عجزهنّ عن تحقيق ذواتهنّ. وكان هذا التساؤل نقطة الانطلاق في الكتابة.

قالت لبكي إنها اختارت أن تدور الأحداث في صالون تجميل في بيروت، حيث تتقاطع حكايات خمس نساء مع رغباتهنّ الشخصية وتوقّعات المجتمع منهنّ. وأوضحت أن اختيار المكان لم يكن عابرًا؛ فالصالون بالنسبة إليها مساحة حميمة تتبادل فيها النساء أسرارهنّ، وتتحرّر فيها الأحاديث من القيود المعتادة، في مقابل ما تفرضه النشأة في بيروت من رقابة ذاتية يتعلّمها المرء خلال نشأته في لبنان. موضّحةً: «نتعلّم كيف نقول الأشياء بطريقة غير مباشرة، وبأسلوب لطيف، حتى نكون مقبولين».

وفي حديثها، استعادت المخرجة رحلة «كراميل»، الذي خرج إلى النور عام 2007، لكنه صُوّر قبل حرب عام 2006، التي اندلعت بعد أيام من انتهاء التصوير. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقّف الوضع في لبنان عن التدهور، وهو ما جعل الفيلم يبدو في نظر مخرجته شاهدًا على بيروت لم تعد كما كانت.

وعادت نادين لبكي إلى ثلاث سنوات قبل التصوير، أي عام 2003، إذ التقت المنتجة آن دومينيك توسان خلال مهرجان سينمائي في بيروت، وكانت آنذاك لا تزال تعمل في الفيديوهات الموسيقية وتحلم بإخراج الأفلام. وكانت توسان هناك لتقديم فيلم «ريسبيرو» للمخرج إيمانويل كرياليزي، وقد عرّفهما صديق مشترك بعضهما إلى بعض بعد العرض.

لم يستغرق اللقاء أكثر من عشر دقائق، وفق ما تتذكَّر، قبل أن تقول لها توسان: «نادين، أريد أن أرافقك في هذه الرحلة». وأوضحت لبكي أنها لم تكن قد كتبت «كراميل» بعد، لكن توسان نصحتها بإعداد ملخّص للفيلم لتقديمه إلى مؤسسة «سينيفونداسيون» التابعة لـ«مهرجان كانّ السينمائي». وبالفعل، كتبتا النصّ في ثلاثة أيام، من دون اعتقاد حقيقي بإمكان قبوله، ثم تلقّت لبكي بعد بضعة أشهر اتّصالًا يخبرها باختيار المشروع، في لحظة تصفها بأنها «معجزة لم تستطع تصديقها».

حلم «كانّ»

كان عرض فيلم في «كانّ» يبدو للبكي حلمًا بعيد المنال، لكن ذكرى غريبة ظلّت ترافقها قبل أن يتحقّق ذلك. ففي أثناء دراستها الفنون السمعية البصرية، تخيّلت نفسها داخل قاعة سينما ضخمة، والجمهور يصفّق لفيلم تظهر في شارة نهايته بصفتها مخرجته، وإلى جانبها مؤلّف موسيقاه.

كراميل (2007)
كراميل (2007)

وعندما عُرض «كراميل» في قسم «أسبوعَي المخرجين» بـ«كانّ» عام 2007، وجدت نفسها تعيش المشهد الذي تخيّلته تمامًا. كانت في القاعة أمام شارة نهاية فيلمها، وإلى جوارها مؤلّف الموسيقى خالد مزنر، الذي أصبح لاحقًا زوجها.

وتستعيد تلك المصادفة في سياق حديثها عن الإيمان وقانون الجذب، معتبرةً أن ما حدث معها يعكس هذه الفكرة بوضوح. ولم يقتصر أثر التجربة على تحقيق حلم شخصي؛ فقد كان من المهمّ بالنسبة إليها أن ترى فيلمًا لبنانيًّا يصل إلى هذا العدد الكبير من البلدان، فضلًا عن الاستقبال الحارّ الذي حظي به في لبنان.

وهلّأ لوين؟ (2011)
وهلّأ لوين؟ (2011)

«وهلّأ لوين؟»… حلم أمّ

عام 2011، كان جمهور نادين لبكي، الذي عرفها من «كراميل»، على موعد مع فيلم «وهلّأ لوين؟»، الذي اتّخذ فيه انشغالها بالحياة اللبنانية شكلًا أكثر ارتباطًا بالحرب والانقسامات الطائفية. فقد كانت حاملًا بطفلها الأول عندما اندلعت موجة جديدة من أعمال العنف الطائفي، وبدأت تتساءل عمّا يمكن أن تفعله لحماية ابنها من مستقبل قد يدفعه إلى حمل السلاح.

تقول إنها فكّرت في احتمال أن يبلغ ابنها الثامنة عشرة في واقع مثل هذا، وتساءلت كيف يمكنها منعه من حمل السلاح وقتل شاب آخر. ومن هذا السؤال وُلدت فكرة الفيلم، الذي يتخيّل نساءً مستعدّات لفعل كلّ شيء لمنع رجال قريتهنّ من استئناف القتال. وتتساءل قائلةً: «لماذا لا نمنح النساء سلطة تقرير السلام؟».

في الفيلم، قرّرت نادين لبكي دفع عبثية الحرب إلى أقصى حدودها، لكنها عالجتها بروح كوميدية أقرب إلى الحكاية الرمزية. وكانت الفكاهة والمَشاهد الموسيقية سلاحَيها في سرد القصّة، التي تحمل جانبًا شخصيًّا؛ إذ يُشكّل الفيلم تحيةً لنساء عائلتها اللواتي فقدن أحبّاءهنّ في الحرب، وما زلن يرتدين السواد حدادًا عليهم.

كفر ناحوم (2018)
كفرناحوم (2018)

«كفرناحوم»… كوابيس الانتقادات

مع «كفرناحوم» (2018)، أصبحت سينما نادين لبكي أكثر نضجًا، إذ انتقلت إلى واقع أشدّ قسوة، من خلال قصّة طفل يُترك لمواجهة مصيره في شوارع بيروت. وأجرت المخرجة لإنجاز هذا الفيلم بحثًا ميدانيًّا امتدّ سنوات، درست خلاله أوضاع الأطفال المهمّشين في لبنان، وتردّدت على المحاكم والجمعيات المعنيّة بهم.

قالت إنها اختارت ممثّلين وممثّلات غير محترفين للعمل، ليصبح هذا الاختيار جزءًا أساسيًّا من طريقتها في الاقتراب من الحقيقة. فهي تفضّل أن تطلب من الممثّلين أن يكونوا على طبيعتهم، بدلًا من مطالبتهم بأداء أدوار مصطنعة. وتعتمد على تجاربهم الحياتية، وتمنح الارتجال مساحة واسعة، حتى يصبح المشهد امتدادًا لما يعرفونه ويعيشونه بالفعل.

وتشرح منهجها قائلةً: «أترقّب دائمًا تلك اللحظة التي تتجلّى فيها الحقيقة». تبدأ من السيناريو بوصفه أساسًا متينًا، ثم تترك للحياة أن تتسلّل تدريجيًّا إلى المشاهد، مثل باب يُفتح شيئًا فشيئًا. والغاية أن يتملّك الممثّلون المشهد والحوار، وتظهر ردود أفعالهم بعيدًا عن التصنّع.

خلال الأشهر الستّة التي استغرقها تصوير «كفرناحوم»، أصبح التمييز بين الواقع والخيال صعبًا أحيانًا. ولتتمكّن من التحرّك بحرّية بين الممثّلين والتقاط لحظاتهم العفوية، حوّلت لبكي حاملة الأطفال الخاصة بابنتها، التي كانت تبلغ ثمانية أشهر آنذاك، إلى حامل لشاشة مراقبة التصوير. وتصف أجواء العمل بأنها «فوضى منظّمة»، مشيرةً إلى أنّ فريق الفيلم كان يشعر بأنه يؤدّي مهمّة مشتركة، رغم صعوبة التصوير وما تطلّبه من وقت وجهد. وتضيف أنها شعرت كما لو أن قوّة عليا كانت ترشدهم.

نادين لبكي
نادين لبكي- كان (2018)

حقّق الفيلم نجاحًا جماهيريًّا لافتًا، إلى جانب التقدير الدولي الذي تُوّج بفوزه بجائزة لجنة التحكيم في «كانّ»، وترشّحه لجائزة «الأوسكار» لأفضل فيلم بلغة أجنبية. لكنّ هذا النجاح لم يمنع موجة من الانتقادات الحادّة التي تركت أثرًا عميقًا في المخرجة، ووصفتها بأنها «إحدى أكثر التجارب إيلامًا في مسيرتها». فقد وُجّهت إلى الفيلم اتّهامات باستغلال الفقر والمعاناة لأغراض استعراضية، وهو ما يُعرف بمصطلح «Poverty Porn». وفي مجلّة «كاييه دو سينما»، كتب الناقد سيريل بيغان أن «التركيز المفرط على البؤس ينزلق سريعًا إلى ما يُعرف باستغلال الفقر لأغراض استعراضية».

لم تستطع لبكي فهم سبب استخدام هذا الوصف، وتساءلت عن معناه، وعن الكيفية التي يُفترض أن تُروى بها حكايات أطفال الشوارع من دون أن تُتّهم باستغلال معاناتهم. وتقول إنها وصلت إلى مرحلة شكّكت فيها حتى في نواياها الأصلية من وراء الفيلم.

وتضيف: «لم أشعر بالخوف في حياتي بقدر ما شعرت به حينها»، مستعيدةً حجم الصدمة التي سبّبتها تلك الانتقادات. وتقول: «لقد سبّبت لي صدمة حقيقية»، مشيرةً إلى خضوعها للعلاج النفسي ومرورها بسنوات من الشكوك، وإلى أنها لا تستطيع الجزم بأنها تعافت تمامًا من أثر التجربة.

كفرناحوم (2018)
كفرناحوم (2018)

وتؤكّد أنّ مقصدها منذ البداية كان لفت الانتباه إلى أوضاع الأطفال في لبنان، وليس استغلال معاناتهم أو تحويلها إلى مادّة استعراضية. لكنها تشير إلى أنّ التعرّض لهجمات من بعض النقّاد قد يدفع المرء إلى الشكّ في قناعاته، حتى إن كان قد أمضى سنوات في البحث والعمل الميداني قبل اتّخاذ قراره الفنّي.

وتنتقد لبكي ما تصفه بـ«محكمة علنية»، إذ يمكن لكلمة أو فاصلة أو موقف أو منظور أن يتحوّل إلى سبب للهجوم، وكأنّ الخطأ لم يعد مسموحًا به. وتكشف هذه التجربة عن جانب آخر من علاقتها بالسينما؛ فإلى جانب مسؤوليتها تجاه الأشخاص الذين تنقل حكاياتهم، تواجه المخرجة أيضًا مسؤولية الدفاع عن اختياراتها الفنّية، في ظلّ نقاش متزايد حول أخلاقيات تمثيل الفقر والمعاناة على الشاشة.

ما الذي يمكن روايته عن لبنان اليوم؟

بعد سنوات من العمل على حكايات المهمّشين، تجد لبكي نفسها أمام سؤال جديد يتعلّق بالواقع اللبناني الراهن. فعندما سُئلت عمّا تعجز عن روايته بشأن بلدها، لم تتحدّث عن نقص في الحكايات، وإنما عن صعوبة العثور على الطريقة المناسبة لتناولها.

تقول: «السؤال الذي يشغلني أكثر من أيّ شيء آخر هو: كيف يمكنني الحديث بمسؤولية عمّا يحدث حاليًّا في لبنان؟».

أمام الدمار والمعاناة والظلم، تشعر المخرجة بضرورة الحديث عمّا يجري، لكنها لا تريد التسرّع في اختيار الشكل الذي ستتناوله من خلاله. وتوضّح: «أعلم أنه سيأتي وقت لا بدّ فيه من الحديث عن ذلك. لكنني أعلم أيضًا أن تناول هذه الأمور يتطلّب وقتًا، حتى نتمكّن من مقاربتها بأكبر قدر ممكن من المسؤولية».

لا يبدو هذا التردّد انفصالًا عن الواقع، فهو امتداد للأسئلة التي رافقت أفلامها منذ البداية: كيف يمكن الاقتراب من الألم من دون اختزاله؟ وكيف يمكن تحويل المعاناة إلى حكاية سينمائية تحافظ على إنسانية أصحابها؟ ومتى يصبح الصمت تخلّيًا عن المسؤولية، ومتى يكون التريّث شرطًا لرواية أكثر صدقًا؟

حكايات جديدة لنادين لبكي

في نهاية الحوار، كشفت أنها انتهت قبل أيام قليلة من كتابة سيناريو فيلمها المقبل، الذي يتناول النساء من منظور إنساني شامل، عبر حكايات متعدّدة لشخصيات من بلدان وثقافات مختلفة، تمرّ كلٌّ منهنّ بمرحلة مفصلية في حياتها. وستتّخذ الحكايات شكل لوحة سردية واسعة تجمع تجارب نسائية متنوّعة. وأشارت إلى أنّ جسد المرأة سيكون أيضًا من بين الموضوعات التي يستكشفها العمل، لكنها لم تكشف عن مزيد من التفاصيل.

اقرأ أيضا: نادين لبكي: أجمل ما في السينما أن نحلم ونجرّب ونخطئ

شارك هذا المنشور

أضف تعليق