تنطلق رزان الصغير في فيلمها «ولد الحجية»، الذي شهد عرضه الأول ضمن فعاليات «مهرجان الجونة السينمائي»، الذي كتبته وأخرجته، من اقتراب دافئ وحنين جارف، يتّضحان منذ البداية في إهدائه إلى عمّة أمّها، التي كانت بالنسبة إليها بمنزلة الأمّ. ويتجاوز هذا الإهداء حدود العلاقة الشخصية ليمتدّ إلى جميع النساء اللواتي يرعين الآخرين، متجاوزاتٍ روابط القرابة والدم. بعد ذلك، نشاهد يدَي امرأة مسنّة وهي تغسل بعض الملابس، قبل أن يدخل أحد أقربائها من الأطفال، فنلمس في طريقة تعاملها معه ما يفيض بالصبر والحنان والطيبة. وهذا الاقتراب الدافئ، الذي نلمسه منذ الإهداء، يتواصل عبر حركة الكاميرا وأحجام الكادرات وألوان المَشاهد، التي تغرينا بالاقتراب من العالم المصوَّر والتلصّص عليه، في هدوء وحنان يشبهان ما يفيض به هذا العالم نفسه. إذ يقدّم الفيلم عالمه من خلال عينَي طفل وحياته مع عمّته، أو «الحجية» باللهجة العامية، وهي تسمية تُطلق على الجدّة أو المرأة المسنّة عمومًا، إلى أن يطرأ حدث جديد نتعرّف إليه لاحقًا، سيغيّر مجرى حياة الطفل، مع انتقاله من هدوء المكان وألفته إلى المدينة، حيث سيعيش مع خاله ويتابع دراسته هناك.

لا يتوقّف الفيلم عند الكشف عن خلفية الطفل أو أسباب وجوده مع «الحجية» بدلًا من أمّه أو أبيه، وكذلك لا يتوقّف عند الأسباب التي تقوده لاحقًا إلى الانتقال للسكن مع خاله. ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ المُشاهد يستطيع ملء هذه الفراغات بما يستحضره من احتمالات وتوقّعات، من دون أن يحتاج الفيلم إلى تقديم إجابات صريحة عنها. فالمخرجة تمنح اهتمامها الأكبر لهذا التواصل الدافئ بين الطفل والمرأة، ولطبيعة المحيط الذي يربطه بما حوله. ورغم قلّة المَشاهد التي تدور خارج المنزل، فإنها تنجح في نقل طبيعة العلاقات الطيّبة التي تربط الناس بعضهم ببعض، إلى حدّ أنهم يعرفون حتى اسم «الصوص» الذي يحمله الطفل معه أينما ذهب، ويدركون طبيعة علاقته به. إنها تفاصيل بسيطة، لكنها تربط المشاهد بالحالة العامة للمكان وإيقاع الحياة فيه؛ حياة يقضيها الطفل مع الحجية وبين الطبيعة والدجاج وسباقات الأطفال، في عالم تتشكّل ألفته من هذه التفاصيل اليومية الصغيرة.

ومن هنا، تأتي الصورة بما تحمله من حركة وألوان لتؤكّد هذه الحالة وتعمّقها في ذهن المتلقّي؛ صورة تنفذ إلى عمق الحالة الإنسانية التي تربط الطفل بمن حوله، وتُشعرنا بفيض المشاعر وطيبة المكان وأهله. فرغم أنّ الفيلم لا يقول كثيرًا، ويقترب من موضوع بسيط وهادئ، بعيدًا عن الصراعات أو التحوّلات الكبيرة، فإن ثمّة تحوّلًا يرافق الطفل في انتقاله من مرحلة كان فيها أكثر ارتباطًا بالآخرين واعتمادًا عليهم، إلى مرحلة يبدأ فيها الاعتماد على نفسه. ولعلّ مشهد الصوص الذي ظلّ يحمله معه منذ بداية الفيلم، قبل أن يتركه في النهاية بين الدجاج، يُعبّر عن هذا التحوّل بصورة مكثّفة؛ فكأنّ الطفل، من جهة، يوازي الصوص في انتقاله إلى مكان جديد، فيصبح كلاهما أمام تجربة مختلفة تقتضي قدرًا أكبر من الاستقلال، ومن جهة أخرى، يقدّم المشهد صورة عن تخلّي الطفل الأوّل عن الروابط التي تجمعه بعالمه.

ورغم محدودية هذه التحوّلات، فإن الفيلم يقدّم عالمه مثل قصيدة «هايكو»، إن صحّ التعبير؛ قصيدة لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لتقول كثيرًا، فتكتفي بالتقاط لحظات صغيرة تفتح على معانٍ أوسع. فالصورة هنا لا تكتفي بنقل الأحداث، وإنما تمنح التفاصيل اليومية مساحة للتأمّل، وتدع المشاهد يتأمّل حركة الحياة في هدوئها، وما تحمله من مشاعر تتشكّل من دون ضجيج. ومن خلال هذا الاقتصاد في الحكاية والاقتراب الحميم من الشخصيات والمكان، تبدو التفاصيل البسيطة كأنها تختزن حياة كاملة؛ قصيدة عن طيبة «الحجيات» اللواتي ما زلن يمنحن الآخرين أجزاءً من أرواحهنّ، ليتركن فيهم دفئًا يحملونه معهم على امتداد الأعوام. وهكذا، تقدّم رزان الصغير لهنّ قصيدتها الخاصة عبر هذا الفيلم؛ عمل يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يختزن في تفاصيله روح قصيدة دافئة تحتفي بالحياة وبأولئك الذين يجعلونها أكثر حنانًا.
اقرأ أيضا: «قساطل»… أو متاهة الماء