فاصلة

مقالات

شظايا من الجونة… خمسة أفلام عربية قصيرة تحاول ترميم ما انكسر

Reading Time: 5 minutes

رجلٌ عجوز ينحني فوق طاولة خشبية، يجمع شظايا مزهرية بأصابع مرتجفة، ويصدّق أنّه إن أعادها كما كانت ستصمت الطائرات فوق عدن. رافقتني هذه الصورة من فيلم «كسرت مزهرية» خلال أيام الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، ثم صرت أعثر عليها في أفلام أخرى. صبيّ في عكّار يحدّق في السماء ويريد أن يُسكتها، صيّاد في قرية مصرية يرى بيته يتسرّب من بين يديه، طفل سعودي يودّع كتكوته قبل أن يودّع طفولته، وشابّ في غزّة يبحث عن النجاة في نفق. خمسة أفلام عربية قصيرة تتباعد موضوعاً وأسلوباً، ويشدّها بعضها إلى بعض خيط خفيّ: شخصيات تحاول أن تمسك بشيء في عالم يفلت منها.

كسرت مزهرية (2026)
كسرت مزهرية (2026)

«كسرت مزهرية» — عاصم عبد العزيز (اليمن)

في اليوم الذي بدأت فيه الغارات على عدن عام 2015، انكسرت مزهرية علي. صدفة عابرة في نظر أيّ أحد، ويقين مطلق في نظره: هو من أشعل الحرب، وإصلاح المزهرية هو الطريق الوحيد إلى إطفائها. تمضي السنوات وعلي (سمير سيف) منحن فوق شظاياه، يلصق ويفك ويبدأ من جديد، فيما يواظب مصطفى (سمير الضالعي)، آخر من بقي له من الأصدقاء، على زيارته. غير أنّ الهوس يتّسع حتى يضيق البيت بالصداقة، وتبلغ العلاقة لحظة مواجهة لا يسعفها الكلام.

خلف الحكاية حكاية أخرى. علي الحقيقي خال المخرج، صحافيّ اختفى في مطلع التسعينيات وقضى قرابة أربع سنوات في السجن المركزي في صنعاء بسبب ما كتبه، ثم خرج رجلاً آخر. أمّا المزهرية فاختراع روائي من المخرج عاصم عبد العزيز، أراد به أن يمنح الذنب شكلاً تلمسه اليد، وأن يقول إنّ من سُلب كلّ شيء يحتاج أن يصدّق أنّه ما زال قادراً على التحكّم في شيء واحد على الأقل.

يعرف عبد العزيز ماذا يريد من الكادر، ويعرف أيضاً ما ينبغي أن يبقى خارجه. صوّر فيلمه بالأبيض والأسود وبنسبة 4:3، داخل بيت مدمّر جزئياً في عدن، فصار الإطار الضيّق زنزانةً ثانية، وصارت الجدران المتآكلة امتداداً لذاكرة الرجل. الحالة النفسية والسياسية والاجتماعية تصلنا عبر الأجساد: يدان تتحسّسان الخزف، ظهرٌ مقوّس، وجهٌ يقترب من الشظايا. الكلمات قليلة، وكلّ واحدة منها موزونة. الإيقاع متمهّل من دون أن يترهّل، والحالة تتسلّل إلى المتفرّج على مهل حتى تستقرّ فيه. ثمّة ثقل في كلّ شيء هنا: في الرجلين، في المزهرية، في الفأر المحبوس، وفي كاميرا تبدو كأنها تُلقي وزنها كلّه على كتفي الشخصيتين. تنتهي الدقائق الخمس عشرة وتخرج كمن حمل شيئاً لم يعد يعرف كيف يضعه أرضاً.

الخبيث
الخبيث (2026)

«الخبيث» — جاد شاهين (مصر) – نجمة الجونة البرونزية

في قرية يجتاحها وباء قاتل لا يصيب إلا النساء، يعيش صيّاد شاب (عزيز الجرّار) مع أمّه وأخته وزوجته. ولكي تُحاصَر العدوى، يقرّر أهل القرية إقصاء المصابات. هكذا يصير كلّ بيت موضع شبهة، وكلّ سعال حكماً مؤجّلاً، ويجد الرجل نفسه محاطاً بثلاث نساء قد يُنتزعن منه في أيّ صباح.

«الخبيث» فيلمٌ مرعب، ورعبه يسكن الانتظار، بيت يتفقّد نساءه كلّ يوم. يصوّر شاهين عالمه بألوان باهتة كأنّ الوباء نهش منها هي أيضاً، قتصبح الصورة مرآة لداخل الصيّاد. ثقل وعزلة واستنزاف، وحدود تذوب رويداً بين ما يحدث الآن وما لم يعد يُحتمل تذكّره.

كلّ ما في الفيلم هشّ: الشخصيات، والروابط بينها، والأرض التي تقف عليها. «الخبيث» تأمّلي كئيب، ينزلق شيئاً فشيئاً نحو منطقة بلا اسم ولا جغرافيا. الفيلم هو عن تلك اللحظة التي يكتشف فيها المرء، من دون دهشة، أنّ خللاً ما قد وقع، وأنّه لا يعرف كيف يعيش ولن يعرف أبداً. شيء انكسر، والإحساس بالانتماء إلى العالم يبتعد كضفّة. هذا تحديداً ما يصيب الصيّاد، كلّ ما يقبض عليه يتسرّب من بين أصابعه، مثل الماء الذي يعيش منه.

بكلمات قليلة وصور مشحونة بالرمز، يروي شاهين كيف يمدّ الخوف ظلاله الطويلة، فيُفرغ العائلة من داخلها أولاً، ثم يجرّ القرية كلّها إلى الهاوية. الحكاية تُروى بالنظرات أكثر مما تُروى بالحوار المتناثر، والكاميرا في أفضل حالاتها حين تثبت، أو حين تقترب من الوجوه حتى يصير الخوف والحزن مقروءين في العيون. يبقى «الخبيث» من أكثر أفلام العربية القصيرة الجديدة جرأة في مقاربة الخوف الجماعي، وما تفعله جماعة مذعورة بأضعف من فيها.

ولد الحجية
ولد الحجية (2026)

«ولد الحجّية» — رزان الصغير (السعودية)

بعد ثقل عدن والقرية الموبوءة، يأتي فيلم رزان الصغير كنسمة. فيلم رقيق، عذب، مشبع بالطفولة. حمد صبيّ يعيش في بيت عمّته في القرية، بين الدجاجات وكتكوت صغير يتبعه كظلّه، وعليه الآن أن يتهيّأ للرحيل إلى المدرسة. حكاية صغيرة في ظاهرها، عن الخطوة الأولى التي يخطوها طفل بعيداً عن البيت، وعن تلك اللحظة الحلوة المرّة التي يفهم فيها، ولو على نحو غامض، أنّ شيئاً ما يوشك أن ينتهي.

سعود الراشدي في دور حمد هو قلب الفيلم ونبضه. أداؤه يملك تلك العفوية النادرة التي يستحيل تلقينها. والكاميرا تدرك ذلك، فتمنحه المساحة وتصبر عليه.

يبدو الفيلم كأنّه مصنوع من شذرات ذاكرة المخرجة. صور تُستعاد، ضوء دافئ، تفاصيل بيت وقرية وطريقة عيش آخذة في الأفول. فيه ميلانكوليا خفيفة، وحنين إلى ألوان مضت وإلى ألفة كانت تملأ الأمكنة. وفي ظلّ الحكاية يمرّ وجه آخر يمنح الفيلم عنوانه، نساء يصنعن الحياة بصمت ومن الخلف، يربّين الأولاد ثم يتركنهم يمضون.

كنتاكي غزة (2025)
كنتاكي غزة (2025)

«كنتاكي غزّة» — عمر رمال (فلسطين) – تنويه خاص

في غزّة المحاصرة، كانت وجبة كنتاكي أسطورة يتناقلها الناس. ومن هذه الأسطورة يصنع أنور مشروعاً. بعد أن يُطرد من مطعم الدجاج المقلي الذي تملكه عائلته، يقرّر أن يُدخل أشهر دجاج في العالم إلى القطاع عبر الأنفاق. الفكرة تنجح، والطلب يكبر، والمال يتدفّق.

تحت المغامرة الطريفة يجري نفق آخر، أعمق وأشدّ، النفق الممتدّ بين أنور وأبيه. كلّما ازدهرت تجارة الابن اتّسعت المسافة بينه وبين الأب. يرى أنور في الأنفاق طوق نجاة وفرصة لا تتكرّر، ويرى فيها الأب انحداراً وخطراً ومساساً بكرامة تمسّك بها رغم الفقر. صراع جيلين في مكان واحد ضيّق.

تبدو الحكاية بسيطة، فيها الكثير من خفّة الظلّ، تستدرج المتفرّج بهدوء نحو نهاية تترك في الحلق مرارة لا تزول بسهولة. مرارة تتضاعف حين نفكّر في كلّ ما عاشه أهل غزّة وما زالوا يعيشونه، بعيداً عن عالم لم يدرك بعدُ حجم ما يجري، وأمام واقع نقف حياله عاجزين حتى اليوم.

«يوماً ما، ولد
«يوماً ما، ولد (2026)

«يوماً ما، ولد» — ماري روز أسطا (لبنان) – نجمة الجونة لأفضل فيلم عربي قصير

رؤوس صغيرة تطلّ من فتحة في سقف بيت ريفي في عكّار، وعيون مشدودة إلى السماء. في مقدّمتهم صبيّ (خالد حسن) يملك، على ما يبدو، قدرة على تحريك الأشياء بذهنه. وفي البيت، المبنيّ من حجر وحديد لا ليونة فيهما، رجلٌ حادّ الملامح (أنطوان ضاهر). أمّا السماء فمتوتّرة كوتر مشدود: طائرات حربية إسرائيلية تحوم كلّ يوم، حتى صار هديرها جزءاً من الهواء، وحتى صار يحتلّ كلّ فكرة تعبر رأس الطفل. العمّ الذي يربّيه يخاف هذه القوّة التي لا يُحسن الصبيّ ضبطها دائماً. وفي ليلة يمنعه فيها الضجيج من النوم، يقرّر الصبيّ أن يُسكت الطائرات.

«يوما ما، ولد» قاسٍ لا يساوم على واقعيته، ومع ذلك يترك فجوات صغيرة تتسرّب منها الحميمية. تلعب أسطا على المجاز وتترك الواقع على حاله. ينساب الفيلم بين الواقعية السحرية والواقع الخام من دون حدود مرسومة. ينقلنا من الحلم إلى اليقظة بصوت واحد، وانتقالات مباغتة في كلّ مرّة.

اقرأ أيضا: «ولد الحجية»… طفولة تتعلّم الفراق في حضن الطبيعة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق