يبدأ الفيلم بالسماء الرمادية تمطر، رغم أنّ الأرض، كما سوف نراها، جافة من ماء الشرب. يبحث عمال البلدية عن الأنبوب الرئيسي العاطل الذي توقف عن تغذية الضيعة، كأنّ الماء تائه في الأنابيب (أو القساطل بالدارجة اللبنانية). وبما أنّ القاعدة الكونية تقول: «وجعلنا من الماء كلَّ شيء حي»، فالأمر أشبه، على المستوى المجازي، بالبحث عن الحياة نفسها، الحياة الضائعة في أنابيب البلد الذي لم يعد آمنًا؛ لا اقتصاديًا ولا مائيًا!
يبدأ الفيلم بالمطر، ويغيب الماء عن التدفّق في البيوت. الحنفيات صامتة، والحديث دومًا عن جفاف المطابخ، ثم السؤال الأساسي الذي تلوكه ألسنة أهل الضيعة: «ما أخبار الماء؟»، وكأنّ الكل يريد أن يطمئن إلى أنّ الحياة لا تزال بخير رغم غياب عنصرها الأساسي!

تحت مطر البداية، يخرج رجل من بيته مناديًا على شخص آخر يقيم بالقرب منه: «رضا!»، من دون أن ندري مَن هو «رضا»، ولا مَن هو المنادي! ولاحقًا، سنعرف أنّ «رضا» عامل بنغالي مغترب ضمن مجموعة عمال الضيعة، وصديق لهم، لكنه توفي في ظروف غامضة! لتصبح وفاته الغريبة محل بحث استقصائي من «العم حسان» (غسان سعد، الحائز جائزة أفضل ممثل في «مهرجان كارلوفي فاري 2026») وصديقه «بكر»!
«العم حسان» هو أحد شخصيات فيلم المخرج كريم قاسم السابق «Moondove» (2024)، («حمام قمر» بالمحكيّة اللبنانية)، الذي يدور في القرية نفسها، حيث يصيبها الجفاف في الوقت الذي يستعد أهلها لتقديم طقس مسرحي سنوي يتمثّل في مسرحية تُدعى «المغادرون»، لتختلط المسرحية بالواقع، والجفاف المائي بالشح العاطفي والشعوري لدى أهل القرية تجاه واقعهم، مما يصعّد بأسئلة البقاء الصعب أو الفرار المستحيل إلى واجهة اليومي والحياتي.
يبدو «قساطل» أقرب إلى Spinoff أو عمل مأخوذ من الأصل الأول. لا نقول إنه جزء ثانٍ؛ لأن السياق الدرامي مختلف. صحيح أنّ المخرج كريم قاسم يحافظ على روح الفيلم الهجين -الخليط بين الروائي والتسجيلي- كما في التجربة السابقة، لكننا هنا أقرب إلى الحكاية الدرامية المغموسة في الواقعية التسجيلية. وعلى ما يبدو، فإنه قد تمرّس في الأسلوب، فصار قادرًا على إنجاز مساحة حكي أكثر عفوية وتلقائية، مستعينًا بأهل الضيعة، ومستثمرًا تمرّس الممثل غسان سعد واشتباكه التمثيلي مع شخصية «حسان»، العجوز المتقاعد الذي يرغب في معاونة عمال البلدية في بحثهم عن الأنبوب الرئيسي والماء التائه، من ناحية، ومحاولة حلّ لغز مقتل «رضا»، زميلهم الذي كان يجمع المال من أجل أن يعود إلى بلده كي يتزوج ويفرح قلب أمه التي لم تعلم أنه قُتل في بلد غريب، من ناحية أخرى!
يمكن القول إنه رغم استعانة الفيلم بأهل الضيعة وبعناصر واقعية ممتدة من التجربة السابقة، فإن الحكي الروائي هو الذي يقود البناء هذه المرة، ويوجّه التفاصيل التسجيلية نحو مسار درامي واضح. فمهما كان الفيلم مخلصًا لكونه هجينًا، تظل هناك غلبة لعنصر على الآخر، وهنا تبدو الغلبة للروائي، رغم أننا نتعامل مع ممثلين غير محترفين وأزمة واقعية ممتدة من الفيلم السابق، لكن الأسلوب والبنية روائيان بحسّ تسجيلي، وليسا تسجيليين بحسّ روائي.
في الفصل الأول، يرسم لنا «قاسم» حال الضيعة التي تنتظر العثور على الماء التائه، ويستعرض لنا واقع «حسان»، البطل المأزوم الذي أُحيل إلى التقاعد، لكنه لا يزال فاعلًا في مهنته. الكلّ ينتظر منه أن يقودهم إلى الماء التائه في الأنبوب الرئيسي، الأنبوب الذي يبدو أنه مختفٍ عمدًا، أو ضائع وسط شبكة الأنابيب القديمة المعتّقة بالصدأ والجفاف أسفل أرض الضيعة.

يقدّم لنا «كريم» في لقطات سريعة ملامح بطله؛ يستيقظ وحيدًا في منزله، ويطلّ على فراش ابنته الشاغر، التي نعرف أنها مسافرة -ابنته التي نرى صورتها الصغيرة معلّقة على مرآة حجرة نومه- يطلّ على الفراش كأنه طقس اعتيادي، لا بغرض أن يتأكد أنها عادت، بل ربما ليمارس الأمل في عودة مفاجئة، أو هو الاعتياد الأبوي على أن يطلّ عليها من قبل أن تغادر إلى بيروت.
يبدو إيقاع الفيلم مخلصًا للزمن الواقعي في الفصل الأول، فهو أقرب إلى الشرح التسجيلي الهادئ عن أزمة المكان، ربما نوع من تهيئة المتفرج الذي لم يشاهد الفيلم السابق، وبالتالي يحتاج إلى الحد الأدنى من المعلومات حول الجغرافيا وساكنيها وأزمتهم، قبل أن يفوت في الفصل الثاني إلى سؤال الجريمة الخاص بمن قتل «رضا»؟
المشكلة في الفصل الأول وبعض الفصل الثاني تأتي من تكرار التأكيد على فكرة ضياع الأنبوب الرئيسي، أكثر من الصدام والتفاعل المحتقن بين أهل البلدة والعمال، أو بين عمال البلدية و«حسان» وبعضهم بعضًا! تكرار توكيدي استهلك من رشاقة الإيقاع وأضرّ بالزمن الدرامي في البداية.

بينما يحافظ «كريم» على السيارة نفسها الخاصة بشخصية «حسان» من الفيلم السابق، السيارة القديمة متقشّرة الطلاء التي لا يُفتح باب السائق فيها، وهي انعكاس مجازي واضح لدواخل الشخصية: القِدم والعجز والكلاسيكية والمستوى المادي الذي ربما لا يسمح بتصليح أو تغيير. هي فقط تسير على بضعة ليترات من البنزين بدولارين أو خمسة، تشبه تاريخه الفائت وحياته الحالية، دون ثرثرة حوارية، وباختصار بصري لافت.
البحث عن الماسورة الأم
لا يكاد الماء يظهر في الفيلم إلا في المطر الأول، كأنه يهبط على الأرض فيختبئ أو يختفي أو يتوه. وفي لمحة شعرية، يختلط البحث عن الماء والبحث عن الماسورة الأم بافتقاد «رضا»، صديق «حسان»، الذي يقرّر أن يصنع فيديو تكريميًا له من أجل إرساله مع جثته العائدة في تابوت إلى بلده وأمه. على المستوى الشعري، تبدو الحياة مفتقدة في الضيعة: ماء تائه وجثة جامدة مشكوك في أسباب وفاتها!
يقدّم «كريم» محاولات الكشف عن أسباب متاهة الماء داخل المواسير، وحيرة أهل الضيعة في البحث عن الماسورة الأم! ليطفو المجاز بلا ضغط ولا ابتذال، لكن مع كثير من الوقت، ويؤسّس لأزمة الأنبوب الرئيسي المفقود، ثم يكمل في الفصول التالية سعي «حسان» إلى محاولة توصيل الماء لبيوت الضيعة، مما يجعل دخولنا بعضها عفويًا وتلقائيًا بلا افتعال أو تقصٍّ مقصود. يسجّل جملًا تكريمية عن «رضا» من أهل المكان، ويقدّم بعض اللمحات للحياة المفتقدة في البيوت الجافة من الماء، مثلما نراه في حديثه المقتضب مع المذيع المتقاعد «رامي»، الذي ترك الوقوف أمام الكاميرا من أجل أن يرعى أمه المريضة.

في تجوّله بالمكان بحثًا ومعاونةً، ترد إليه معلومة جديدة: امرأة محتضرة على وشك أن تلفظ أنفاسها، كأن الموت أصبح عادة يومية، الموت المستعد لإنتاج مزيد من الجثث. لدينا إذن ماء مفقود وموت متأهّب، مما يجعل الواقع قلقًا، غير مريح، ومشحونًا بتوتّر واقعي وكئيب، لكنه غير منفّر سينمائيًا، بل على العكس! جذّاب وقادر على أن يشدّ الانتباه، لا من أجل اكتشاف السرّ وراء الجريمة فقط، ولكن لأن مجمل جغرافيا المكان الشعورية تحتوي على هذا الانفعال المكتوم، كأن الضيعة الجافة من الماء عائمة على إحباطات ومشاكل وقضايا خاصة، ومشاعر افتقاد وعزلة وخفوت. فهل هي التي تعوق تدفّق الماء في الأنابيب؟
الزر المفقود
ثمة شعور عام في الفيلم بأننا في عالم ما بعد الكارثة (أبوكاليبس)، شعور يتأصل مع غياب كثير من مظاهر الحياة الحديثة، وتراكم السيارات القديمة والمتهالكة كأنها الباقية بعد حرب أو انفجار. لا حديث عن إنترنت أو مواقع تواصل اجتماعي، حتى الأجهزة الحديثة غائبة، ومعدات الحفر بدائية أو تقليدية، حتى مختار الضيعة لا يملك جهاز كمبيوتر في مكتبه! وخلال مشاهده القليلة، لا نراه يمارس سوى عمل مكتبي ويستعمل ختمًا كلاسيكيًا قديمًا، أما مضخات البنزين فهي من التسعينيات تقريبًا.

ثم يأتي عثور «حسان» ورفيقه على زر داخل مزهرية بمحل أنتيكات كانوا يتحرّون خيوط الجريمة عنده، زر هو أثر مادي ضئيل يقود إلى لغز مقتل «رضا»! حتى وهم ينقلون جثته من الضيعة إلى بيروت، يلتقيهم مكمن شرطة من عنصرين وحيدين، يجعلانهم يمرّون دون أسئلة لأنهما يعلمان بأمر الجثة، لكن على الطريق يقوم فرد ما يحمل بندقية بتوقيفهم، فرد مدني على ما يبدو، لكنه يتحدَّث مع شخص يدعوه «الريس»، يستوقفهم ويتأكد من كونهم ذاهبين إلى المشرحة بالجثة! كأن البلد لا تسيطر عليه الشرطة أو الجيش فقط، ولكن ثمة أفرادًا أو ميليشيات لها أيضًا نفوذ استيقاف المواطنين والتأكد من مقاصدهم!
كلّ هذا يراكم الإحساس الأبوكاليبسي الجاثم بخفة على متن الفيلم كلّه، وبالتالي تبدو المشاحنات الجانبية أو الارتجالات الحوارية –مثل مشهد شرب الكحول على جانب الطريق بين «حسان» ورفيقه، والواضح عليه فرصة الارتجال العفوي الرائق– كلّ هذا يبدو متسقًا بهارمونية شفافة، تمرّر الواقع وتغزل الشعر، وتحقّق النتائج السينمائية المطلوبة من عمل هجين، وأسلوب غير اعتيادي بالنسبة إلى الجمهور الذي لا يزال يتحسس طريقه باتجاه النوع ومفرداته الإبداعية.
الخطاب الأخير
من اللحظات الشعرية التي يمهّد بها المخرج لفينال الفيلم مشهد عثور «حسان» ورفيقه في النهاية على ممرضة بنغلاديشية تتحدَّث العربية، في أثناء عملية إعداد جثة «رضا» بالغسل والتكفين، حيث يعطيانها الخطاب الذي عثرا عليه بين أشيائه القليلة المتبقية، والذي يحوي صورة له وهو صغير مع أمه! نسمعه بصوت الممرضة كأنه صوت الأم لوليدها، لكن الشعري في الأمر أننا نسمعه بلغة الأم، وليس مترجمًا إلى العربية. تقرؤه الممرضة لـ«حسان» وصاحبه اللذين ينظران إليها كأنما ليسا فقط يسمعان صوت الأم، بل يفهمان كلّ كلمة وكلّ حرف رغم أجنبية اللغة، ثم ننتقل إلى المشهد الأخير وأهل الضيعة مجتمعون، وكأن الجميع أصبح يعي مشاعر الأم مترجمة إلى أصوات مفهومة بالنسبة إليهم، دون الحاجة إلى أن تُترجم. وفي هذا بريق شعري لا يجوز تجاهله، إذ يجري تحييد اللغة وإعادة توظيفها على أنها مجاز، فلم تعد أجنبية وهي تضج وتنضج بالمشاعر، ولم تعد غير مفهومة وهي تُقرأ بصوت كأنه صوت الأم!
«رضا»، طوال الفيلم، شخص غريب يعمل في بلد ليس بلده، ويجمع المال من أجل الزواج، ثم يموت قبل أن يحقق ما كان يسعى إليه! إنه حاضر في حياة الآخرين، لكنه غائب عن اللغة التي يتحدّثون بها، وعن المكان الذي ينتمي إليه، والمستقبل الذي كان يدّخر المال من أجله.
وعندما تُقرأ رسالة أمه بلغتها، يصبح صوته الإنساني حاضرًا من دون أن يتحوّل إلى شخص يفهمه الجميع حرفيًا. نشعر بأن «رضا» كان ابنًا له حياة خاصة، وموته ليس مجرّد لغز جنائي داخل قرية أخرى.
هنا يتحول التحقيق من سؤال: مَن قتل «رضا»؟ إلى سؤال أوسع: ماذا نعرف فعلًا عن الإنسان الذي مات بيننا؟ وهذا هو العمق الأخلاقي الذي يمنح التحقيق قيمته، حتى لو لم يكن كشف الجريمة هو الغاية الوحيدة منه.
هل هي نهاية سعيدة؟
على صوت الممرضة وهي تقرأ خطاب الأم، يجتمع أهل الضيعة في مناسبة خطبة ابنة «حسان» العائدة من بيروت. الجميع يبدو راضيًا بشكل نسبي عن اللحظة السعيدة التي صارت مفتقدة بعد الجفاف والموت، الذي أصبح يتردّد كثيرًا على المكان.
ينتهي الفيلم بوصول شخص ما إلى منزل «حسان» يرتدي معطفًا بزر مفقود! ثم استيقاظ «حسان» ثانيةً في بيته، في بناء دائري واضح، تمامًا كما رأيناه في المشهد الأول لظهوره، لكنه هذه المرة استيقاظ مغاير. ثمة حقائق مكتشفة، وثمة مشاعر برزت للعلن، وسياقات عاطفية وانفعالية لا يمكن تجاهلها.

في أثناء رحلة «حسان» ورفيقه إلى بيروت برفقة الجثة، كان ثمة صوت أشبه بأصوات الأنابيب يطنّ في أذنه. «حسان» يتصوّر أنه مجرّد طنين الكحول إثر السُّكر، لكن ماذا لو كان أقرب إلى همس ترسله الأنابيب إليه؟ ولو قرنّا هذا الصوت بالعثور على الزر المفقود، يصبح لدينا استيعاب نسبي للسؤال الأخير الذي ينتهي عليه الفيلم، حين يفتح «حسان» لصديقه فيقول له: «نبلّش»، أي هيا نبدأ، ولكن «نبدأ» ماذا؟
الفيلم لا يمنح دليلًا حاسمًا؛ فالزر يعيد الشك إلى التداول، أو يجعل الاشتباه ممكنًا من جديد، من دون أن يوحي بأن القضية قد حُسمت. والأهم أن سؤال «نبلّش؟» الذي ينتهي به الشريط لا يُختزل في الانتقام أو تسليم القاتل للمختار. إنه سؤال عن طبيعة الفعل الذي سيأتي بعد المعرفة: هل سيواصل «حسان» البحث؟ هل سيواجه شخصًا يشتبه فيه؟ هل سيحاول استعادة قدرته على التأثير في عالم يشعر بالعجز أمامه؟ ربما يكون الأجمل هو أن المخرج ترك هذه الاحتمالات مفتوحة، وكأنّ الفيلم ينقلنا من سؤال الحقيقة إلى سؤال المسؤولية عنها.
اقرأ أيضا: «ثريا حبي» لنيكولا خوري… عن يوم الحرب والحذاء والسلالم!