فاصلة

مراجعات

«البرانية»… هل هناك إمكان للخروج؟

Reading Time: 3 minutes

قبل عامين، عُرض الفيلم الوثائقي «رفعت عيني للسما» للمخرجَيْن ندى رياض وأيمن الأمير ضمن مسابقة «أسبوع النقاد» في «مهرجان كانّ السينمائي». وهو تتبَّع مجموعة من الفتيات في قرية البرشا (إحدى قرى الصعيد)، يحاولن الخروج بأحلامهن من الإطار الضيّق الذي تتيحه هذه القرية. في فيلمها الروائي الطويل الأول «البرانية»، تقدّم المخرجة الهولندية ذات الأصول المصرية أشجان الهمص ما يبدو، بشكل أو بآخر، امتدادًا لهذا العالم.

الفيلم، المعروض ضمن قسم «أيام فينيسيا» في «مهرجان البندقية (فينيسيا) السينمائي الدولي»، تدور أحداثه في إحدى قرى مصر الريفية التي تحمل الاسم نفسه، فنتابع فتيات وسيدات من أجيال مختلفة، منهن «أمل» (ريم عامر)، الشابة الحامل التي تعيش في بيت عائلة زوجها. وفي انتظار أن تضع مولودها، تمرّ العائلة بتحدّيات مادية كبيرة.

البرانية
البرانية (2026)

لا يمكن فصل الفيلم في موضوعه عن الأسلوب السينمائي المستخدم، إذ تحاول أشجان في فيلمها أن تبدو أقرب إلى الأفلام الوثائقية، وتجعله أقرب إلى يوميات داخل حياة هؤلاء الأشخاص. هكذا نشاهدهم خلال تناول الطعام، والعمل في الأرض، والصلاة في المسجد، إلخ. هذه الاختيارات جعلتنا نقترب أكثر من حياة الشخصيات، لكنها أيضًا ابتلعت جانبًا كبيرًا من مدة الفيلم، من دون وجود أحداث رئيسية تدفع به إلى الأمام.

إمعانًا في الجانب التوثيقي الذي أرادته المخرجة، فإنها تعتمد على ممثلين غير محترفين، باستثناء ريم عامر، وهو ما منح الشخصيات صدقية واضحة على الشاشة، فلا نشعر لوهلة بأنهم مُقحَمون على هذه الأماكن أو الأحداث. لا نشاهد في الفيلم كثيرًا من الأزمات الضخمة أو المآزق الكبرى، وإنما مشكلات أقرب إلى الحياة اليومية: الزوج الذي يسافر للعمل خارج القاهرة أيامًا، وارتفاع الأسعار الذي يؤثّر في العمل في الأرض، والجدّة المريضة التي تحتاج إلى رعاية. الاستثناء الوحيد هو العرض المطروح لشراء الأرض المملوكة للعائلة، والصراع المادي والأخلاقي الذي يمثّله هذا العرض؛ مادي، إذ إنّ البائع يستغل الحاجات المتزايدة للعائلة، وأخلاقي، لأنه من الصعب عليهم بيع أرضهم الزراعية لجهة المبدأ، ولِمَا تمثّله من قيمة معنوية أهم من قيمتها المادية.

البرانية (2026)
البرانية (2026)

لكن التركيز الأوضح خلال الأحداث كان على الشخصيات النسائية، التي تبدو متباينة ومتشابهة في آن واحد. الجدّة العجوز (فاطمة الحضري)، التي لا تقوى على الحركة، تبدو رمزًا لتماسك الأسرة أكثر من أي شيء آخر، بينما «أم أمل» هي نموذج للمرأة التي تتعايش مع المتاح وتتكيّف مع الواقع؛ فهي ربة منزل ترعى بناتها وزوجها والجدّة أيضًا، وتحاول ألّا تسمح لأي شيء بأن يكسر النظام المعتاد لهذه الأسرة. ولهذا يبدأ الصراع بينها وبين «أمل»، التي تحاول الحصول على بعض حقوقها، وتسعى إلى الخروج من هذه المنظومة الحياتية الرتيبة. وفي نهاية هذه السلسلة العائلية، تأتي شقيقات «أمل» الصغريات، اللواتي نلمح فيهن اختلاط الجينات المختلفة؛ فمنهن مَن هي أكثر تمردًا حتى من «أمل»، ومنهن مَن تبدو منسجمة تمامًا مع هذه المنظومة.

ورغم أنّ شخصيات الرجال في الفيلم لم تأخذ حيزًا واضحًا وكافيًا، فإن المخرجة لم تسعَ إلى تقديمهم بصورة شريرة أو قاسية، كما هو معتاد في أفلام أخرى تتعرض لهذه العلاقات العائلية. على العكس، فإنّ الرجال في الفيلم مغلوبون على أمرهم، ويحاولون هم أيضًا التعايش مع ظروف الحياة المتغيّرة، وإن كانوا لا يملكون أحلامًا حقيقية أو رغبات واضحة. حتى عندما عُرض على أحدهم أن يبيع الأرض ويأخذ في مقابلها شقة في الإسكندرية، لم يستمر هذا الحلم في مخيلته طويلًا.

البرانية (2026)
البرانية (2026)

لكن يجب أن نشير إلى أنّ ما ميَّز الفيلم بالفعل كان، في الوقت ذاته، إحدى نقاط ضعفه. فمن جهة، نجحت المخرجة في نقلنا إلى هذا العالم من دون تجميله أو تشويهه بصورة خاصة، وسنجد أنفسنا بعد دقائق داخل هذه القرية. لكن، في الوقت ذاته، أثّر الاهتمام بالرصد العام لتفاصيل هذه الحياة سلبًا في الدراما، التي تأخر ظهورها أكثر من اللازم. وحتى محاولات «أمل» التمرد والذهاب إلى القاهرة لم تخرج بالفيلم إلى عالم آخر جديد كما هو متوقَّع، وإنما عُدنا إلى «البرانية» أسرع من المطلوب. واستمرّ ذلك مع نهاية الفيلم، التي كانت تحتاج إلى حسم أكبر لما ظهر في الأحداث، لكن المخرجة اختارت جعلها أيضًا بمثابة يوم آخر في حياة هذه الشخصيات، التي لا تمر بتغيّرات كبيرة على أي حال.

بصريًا، «البرانية» عمل متماسك، وهناك مجهود واضح من المخرجة مع الممثلين، وبكونه عملًا أول، فإنه يقدّم كثيرًا، حتى مع وجود بعض التفاصيل التي كانت تحتاج إلى عناية أكبر.

اقرأ أيضا: «الحصان الجامح تسعة»… أفضل صانع نكات سينمائية يستمر في مهمته

شارك هذا المنشور

أضف تعليق