فاصلة

مراجعات

«باكينغ فاستارد»… فيلم هرتزوغي مُهدى إلى لينش

Reading Time: 3 minutes

في قاعة محكمة إنجليزية، في مطلع الثمانينيات، تنطق امرأتان الجملة نفسها في اللحظة نفسها، بالنبرة نفسها، فتخرج الشتيمة التي وجّهتاها إلى الرجل الذي أحبتاه معاً مشوّهة بزلة لسان مزدوجة (Bucking Fastard). الصحافة، التي كانت تتابع القضية، لم تجد وصفاً أدق من «المرأتين المهووستين». لكن فريدا وغريتا تشابلن، الأختان المولودتان في يوركشاير عام ١٩٤٣، لم تكونا مهووستين بقدر ما كانتا ظاهرة يصعب تصنيفها. أختان تتحركان كأنهما انعكاس مرآة، تتكلمان في آن واحد، تكرران الكلمات والحركات وحتى زلات اللسان نفسها، ووقعتا في غرام الرجل نفسه، سائق شاحنة بريطاني اسمه كين إيفرز، حتى تحوّل هذا الغرام إلى مطاردة وعنف انتهى بهما إلى المحكمة.

Bucking Fastard
Bucking Fastard (2026)

قصة كهذه لا يمكن أن تفلت من عين المخرج البافاري فرنر هرتزوغ. المخرج الذي أمضى مسيرته يبحث عمّن طردهم الواقع إلى هوامشه، أو اختاروا الهامش بأنفسهم. تتبّع أثر الأختين تشابلن حتى بعد اختفائهما من الأضواء، وحاول لقاءهما شخصياً. لم يحدث اللقاء، لكن الهوس بقي، وتحوّل عقوداً لاحقاً إلى فيلم «باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard) المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية. في الفيلم غيّر هرتزوغ الأسماء وأبقى على الجوهر، فريدا وغريتا تشابلن أصبحتا جين وجوان هولبروك (روني وكيت مارا)، وكين إيفرز أصبح غاريث مولروني، الرجل الذي يؤدي دوره أورلاندو بلوم بلكنة أيرلندية يطغى عليها بعض التكلّف.

يفتتح هيرتزوغ فيلمه الذي أهداه إلى ديفيد لينش، بتسلسل حالم تبدو فيه الأختان مأخوذتين بتنوّع الطيور على خلفية بيضاء، في افتتاحية سريالية أقرب إلى الحلم. الإهداء ليس بروتوكولياً، فحضور لينش يظل كامناً في الطبقة السريالية التي يبني عليها هرتزوغ عالم الأختين هولبروك، حيث ينبع الحوار من نشاط ذهني متزامن يشبه جوقة التراجيديا اليونانية أكثر مما يشبه حواراً سينمائياً عادياً.

من هذه الافتتاحية، ينتقل الفيلم إلى قاعة المحكمة الأيرلندية حيث تُحاكم جين وجوان بتهمة ملاحقة جارهما الثري السكير، ثم إلى نصفه الثاني حيث تُعهد الأختان إلى رعاية أخصائي اجتماعي على أمل شفائهما من سلوكهما الغريب. لكن الشفاء لا يأتي، فالأختان مقتنعتان بوجود مكان خلف جبل في عمق الريف الأيرلندي، حيث تستعيدان السعادة ولمّ الشمل مع الرجل الذي أحبتاه، فتبدآن بنحت الجبل بالمطرقة والإزميل.

Bucking Fastard (2026)
Bucking Fastard (2026)

يمكن الشعور بهرتزوغ في كلّ مشهد، وفي المواجهة بين الإنسان الهش والطبيعة الهائلة اللامبالية، وفي الانبهار بمن يرفضون حدود الممكن، والاستعداد للتضحية بكل شيء من أجل حلم يبدو للجميع مستحيلاً. وفي قلب هذا الهوس يقف الباحثون عن الحبّ، أولئك الذين يريدون حباً بلا حدود، حباً يشبه التوأمة نفسها في تطابقه واكتماله. عند هرتزوغ، الحبّ أيضاً شكل من أشكال المستحيل، ومن يطارده يطارد، في الحقيقة، نسخته الخاصة من الجنون الجميل الذي يسكن كلّ أبطاله. حتى موضوعة الأرض وحمايتها، التي تتسلل إلى الفيلم من طرف خفي، تبدو امتداداً طبيعياً لهذا الهوس القديم بعلاقة الإنسان بما هو أكبر منه.

لكن الفيلم يبقى، في النهاية، فيلم ممثلتين قبل أن يكون أي شيء آخر. مشاهدة كيت وروني مارا وهما تتحدثان وتتحركان بتزامن شبه مطلق تجربة تستحق المشاهدة، فالتحدي هنا لا يكمن في حفظ الحوار نفسه فحسب، بل في ترديده بالوقفات والإيقاع والنبرة ذاتها.

في المقابل، لا يخفي هرتزوغ استخفافه المعتاد بالصقل الشكلي، فالفيلم، كعادة صاحبه، لا يهتم كثيراً بالإيقاع المُحكم، ويترك لنفسه هوامش من الخشونة. لكن هذا الاستخفاف نفسه بات جزءاً من توقيع هرتزوغ ، رجل الثلاثة والثمانين عاماً الذي يقدّم في البندقية عملاً مخلصاً لهوسه القديم، أهداه للينش ولكل أولئك الذين يرفضون أن يكون الواقع كما هو، ويذهبون، بمطرقة وإزميل إن لزم الأمر، لينحتوا لأنفسهم واقعاً آخر.

اقرأ أيضا: «حبر»… الصحيفة مذنبة ومردوخ بريئًا في رواية أحدهم

شارك هذا المنشور

أضف تعليق