فاصلة

مراجعات

«أوديسة» كريستوفر نولان… ملحمة مُثقلة بعيوبها

Reading Time: 7 minutes

لم يتلقَّ كريستوفر نولان ردود فعل متباينة قبل إصدار أحد أفلامه بهذا الشكل من قبل. فالمخرج البريطاني، البالغ 55 عامًا، لطالما حظي بحفاوة جماهيرية تسبق طرح أي عمل له. حفاوة تتجاوز حتى قائمة الممثلين التي تضم كوكبة من النجوم. لكن «الأوديسة» أثار ردود فعل سلبية وانتقادات لاذعة بعد الإعلان عن اختيار الممثلين، وتحديدًا لوبيتا نيونغو وإيليوت بيج، ثم بعد صدور أول تريلر للفيلم، بسبب استخدام لهجة عامية عصرية، إلى جانب بعض اللقطات التي بدت معتمة أو رمادية باهتة الألوان. لكن، كما هي عادته، يصنع كريستوفر نولان أفلامه بطريقته الخاصة، وفق رؤيته الفنية، من دون مساومة أو رضوخ لرغبات الجمهور والنقاد. وهذا النوع من العناد والالتزام هو ما يجعله أحد القلائل القادرين على تحويل هذه الملحمة الإغريقية إلى الشاشة الكبيرة.

Interstellar (2014)
Interstellar (2014)

نتيجة لهذه الرؤية الفنية الصارمة، قرَّر استخدام كاميرات «آيماكس» بالكامل، والاعتماد قدر الإمكان على المؤثرات العملية، إذ بُنيت مراكب شراعية خصوصًا للفيلم، كما صُوّرت مشاهد عدّة في مواقع حقيقية بدلًا من الاستوديو. في المقابل، لا تزال مشكلة نولان المتكرّرة في المزج الصوتي، والمتمثّلة في صعوبة سماع الحوارات في بعض المَشاهد، حاضرة. كما يمكن القول إن استخدام اللغة الإنجليزية المعاصرة قد يؤثر في استقبال الفيلم. لكن لا يمكن أخذ الإيجابيات من دون السلبيات، فكلاهما نتيجة عناد صانع أفلام خبير ومتمرّس، راكم رصيدًا من المحبّة والاحترام والتقدير والنجاح التجاري، منحه مساحة لتطبيق رؤيته بحذافيرها.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

لمَن لا يعرف قصة «الأوديسة»، فهي باختصار رحلة عودة أوديسيوس (مات ديمون) الطويلة إلى مملكته إيثيكا بعد حرب استمرّت عشر سنوات، لم تنتهِ إلا بحيلة حصان طروادة الشهيرة. يقرّر أوديسيوس العودة إلى وطنه، حيث تنتظره زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي) وابنه تيليماكوس (توم هولاند) في قصر يملؤه المتقدّمون لخطبة بينيلوبي، وسط يقين تام بعدم عودته. وخلال رحلة العودة، يقاسي أوديسيوس وطاقمه الوفي أقسى الظروف والمصاعب التي تودي بحياتهم جميعًا، باستثناء قائدهم الذي غادر إيثيكا محاربًا شابًا، ويعود إليها كهلًا مرهقًا، يغزو الشيب لحيته الكثيفة.

ورغم أنّ «الأوديسة» في أصلها تدور حول صراع أوديسيوس مع الآلهة الإغريقية ولعناتها المتتالية عليه وعلى طاقمه، فإنّ نولان يحاول اتباع نهج مختلف، مقدِّمًا تفسيره الخاص لهذه الملحمة. فهو يدرس زاوية مشاعر الذنب المترسّبة من حرب طروادة والمجازر التي ارتُكبت باسمها. ومن خلال هذا التفسير، يتمكن نولان من تبنّي المادة الأدبية بطريقته الفريدة، والتصرُّف بحرّية فنية تخوّله التلاعب بأحداث «الأوديسة» بعيدًا عن الاقتباس الحرفي.

The Odyssey
The Odyssey (2026)

أول هذه التغييرات أنّ نولان لا يقتبس من «الأوديسة» فحسب، وإنما يستعير عناصر من مصادر أخرى، مثل «الإنيادة» (أحد مصادر قصة حصان طروادة). ففي الفيلم، لا يُدفع الحصان على عجلات ويدخل المدينة بسهولة كما في الأسطورة، بل يكون نصفه مدفونًا على الشاطئ ويُسحب بمشقّة. نولان هنا لا يجري تعديلات لمجرّد التغيير، وإنما لتكييف القصة مع السياق الذي ينوي روايتها فيه. وليس من المفاجئ أنه لا يلتزم بسرد خطي، فعمل بهذا الحجم لا بدّ من تناوله بأكثر من أسلوب، مع تتبُّع شخصيات وخطوط أحداث عدّة. ورغم أنه يفترض معرفة سطحية من المُشاهد بالملحمة الأدبية، فإنه لا يمنع العمل من أن يكون قابلًا للفهم حتى لمَن لا يعرف عنها شيئًا.

هناك رفض وانتقاد لتغييرات نولان من المحبّين الأوفياء لـ«الأوديسة»، لكن لا يمكن إنكار ضخامة العمل الأدبي والحاجة إلى إجراء تعديلات تُمكّن من تحويله إلى الشاشة الكبيرة، وهو تحويل يكاد يكون مهمّة مستحيلة بذاته. ومن خلال هذه التعديلات على النصّ، ينجح نولان في خلق فصول مختلفة لرحلة أوديسيوس، وفي الوقت نفسه يرسم خطّين سرديين يتتبعان المحطة الأخيرة لأوديسيوس على جزيرة نائية، وما تشهده إيثيكا من فوضى حول خلافة عرشه.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

ما ينجح به نولان باقتدار هو تقديم عالم جديد متكامل مع كلّ فصل، وانسياب نبرة الفيلم بسهولة نحو نوع مختلف تمامًا عمّا سبقه. يصل أوديسيوس إلى جزيرة العملاق ذي العين الواحدة، فيفتتح الفيلم فصلًا من الرعب النفسي أمام كائن مهيب لا يبعث الخوف بقدرته على سحق الرجال بكف يده والتهامهم فحسب، بل أيضًا بملامحه المتداخلة التي تبعث على القشعريرة. ثم ننتقل إلى جزيرة العمالقة المدرّعين، حيث ندخل معركة مميتة لا يكمن رعبها في كمية الدماء المسفوكة، بل في انعدام أي فرصة لنجاة الطاقم لو استمرّت دقيقة أخرى. وعندما يصل أوديسيوس وطاقمه إلى الساحرة سيرسي (سامانثا مورتمان، في أحد أفضل الأداءات)، يضعنا نولان أمام أحد أفظع مَشاهد الرعب الجسدي.

يصعب نسيان مشهد سفر أوديسيوس إلى العالم السفلي. فالجو العام المظلم، بلونه القريب إلى الكحلي، يضفي على المشهد رهبة كبيرة من المجهول. يواجه البطل رفاقه الراحلين مُحمَّلًا بعار عدم تكريم جثثهم ودفنها. ويحصل إيليوت بيج على فرصة للوقوف تحت الأضواء بشخصية الجندي «ساينون»، لكن مَن يسرق المشهد هو جيمس ريمار بدور تيريسياس، الذي ينبثق من الأرض مثل نذير شؤم، حتى إنّ التعرُّف إلى الممثل لا يكون إلا من خلال صوته.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

لا يكتمل عمل لنولان من دون مشهد ترقُّب، ومشهد تسلُّل الجنود الإغريق من حصان طروادة، واغتيال الحراس بصمت، ثم فتح بوابة المدينة بصعوبة لتبدأ المعركة الأخيرة في حرب استمرّت عشر سنوات، يعصر كلّ ذرة توتّر وقلق تراكمت طوال الفيلم حتى تلك اللحظة، ويقدّم معركة ضخمة تليق بما سبقها من ترقُّب. ومن أكثر عناصر نولان إبهارًا قدرته على رواية قصص معروفة، سُردت بكل الأشكال الممكنة وعبر مختلف الوسائط، بطريقة تبدو جديدة. وحتى مَن لا يعرف قصة أوديسيوس، لا بد أنه يعرف قصة حصان طروادة، ومع ذلك ينجح نولان، في كلّ فصل يتناول حكاية شهيرة، في إيجاد زاوية سردية غير مستهلكة تستحوذ على اهتمام المُشاهد وتثير دهشته.

أحد المصادر التي اعتمد عليها كريستوفر نولان في كتابة النصّ هو ترجمة إميلي ويلسون لـ«الأوديسة»، وهي أول امرأة تترجم الملحمة إلى اللغة الإنجليزية. ورغم الانتشار الواسع الذي حقّقته الترجمة، فإنها تعرضت لانتقادات بسبب سهولة اللغة المستخدمة وعاميتها، وهو ما ينعكس بوضوح في نصّ نولان، الذي دافع عن هذا الخيار مؤكدًا أنه أراد لغة سهلة وبسيطة. وبساطة اللغة وعاميتها ليستا مشكلة بذاتهما، لكن سطحية الحوارات وتضارب اللهجات بين الممثلين يخلقان تفاوتًا في الأداءات. ففي كثير من الأحيان، نشعر كأن الممثلين يؤدّون أدوارهم في أفلام مختلفة. تُقدّم آن هاثاواي أداءً مسرحيًا جهوريًا بلغة متكلِّفة تنسجم مع مكانة شخصيتها كملكة، بينما يقدّم توم هولاند أداءً باهتًا لا يعكس أي حضور ملكي، بل يبدو كأنه شخص يعيش في 2026 ويرتدي أزياء إغريقية قديمة. وحتى عندما يقدّم هيميش باتيل أداءً تمثيليًا ممتازًا في دور يوريلوخوس، القائد الثاني بعد أوديسيوس، فإنّ تميّزه يأتي رغم الحوارات الركيكة التي مُنحت لشخصيته، لا بسببها.

مشكلة الحوارات عند نولان متكرّرة. ففي السابق، كانت أفلامه تعانيها بسبب تعقيد الحبكة، ممّا يفرض الحاجة إلى عدد كبير من مشاهد الشرح (Exposition)، حتى يتمكّن المُشاهد من متابعة القصة بسهولة، كما في فيلم «Inception» (2010). وفي أحيان أخرى، كان نولان يفشل في ترك مساحة للمُشاهد ليستنتج بنفسه، فيقدّم الإجابة مباشرة بعد قضاء وقت طويل في بناء أبعاد درامية مكثَّفة لشخصياته. ويُعدّ مشهد «الارتباط الكمي» في فيلم «Interstellar» (2014) من أبرز الأمثلة، إذ يتحول مشهد يُفترض أن يكون مؤثرًا ودراميًا إلى لحظة يسرد فيها كوبر بالتفصيل ما يحدث أمامه وكيف يخطّط لإخبار ابنته بالحلّ، وكأنه يلقي محاضرة أمام طلاب ينتظرون الإجابة.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

أما المشكلة الجديدة لدى نولان في هذا الفيلم، فهي أن كثيرًا من الحوارات تبدو سطحية، مجرّد شخصيات تتحدّث من دون ثقل حقيقي. ومع طبيعتها العصرية، نجد أنفسنا أمام كم كبير من الحوارات الركيكة التي لا تنتمي إلى فيلم ملحمي. ويُعد أحد أضعف الخطوط السردية ذلك الذي يتتبَّع أوديسيوس على جزيرة نائية برفقة كاليبسو (تشارليز ثيرون). فأوديسيوس فاقد للذاكرة، ولا يعلم سبب الزيارات المتكرّرة التي تقوم بها أثينا (زيندايا) أو المغزى من حديثها معه. وعندما يسأل كاليبسو عن ماضيه، لا تقدم له أي إجابة، إلى أن تمنعه من أكل زهرة اللوتس، فتبدأ ذكرياته بالعودة إلى السطح. ويقضي الفيلم وقتًا طويلًا في العودة إلى هذا الخطّ، بينما يستمر أوديسيوس في سرد الأحداث على مسمع كاليبسو والمشاهدين، تمهيدًا لانتقال الفيلم إلى فصل جديد.

مع الطبيعة البطيئة والركيكة سرديًا لهذه المَشاهد، يدخل الفيلم في حالة من الملل، لأنها لا تضيف شيئًا فعليًا إلى شخصية أوديسيوس، ولا تُرينا ما يحدث، بل تخبرنا به مباشرة. ويصطدم الأداء الرائع الذي تقدمه المونتيرة جينيفر ليم (الحاصلة على «أوسكار» عن فيلم «Oppenheimer» في 2023) في قيادة فيلم مترامي الأطراف، تمتدّ مدة عرضه إلى نحو ثلاث ساعات، بجدار يصعب تجاوزه، فيتباطأ الإيقاع فجأة، مبدّدًا كلّ الاهتمام الذي بناه المشهد السابق. أما الحسنة الوحيدة لهذه المَشاهد، فهي اللقطات البديعة بعدسة مدير التصوير هويتي فان هويتيما (الذي يرافق نولان منذ فيلم «Interstellar»)، إذ ينجح في تجسيد العزلة التامة التي يعيشها أوديسيوس وهو يصارع ذكرياته ويحاول تفسير كلام أثينا المبهم.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

يدخل الفيلم فصله الأخير مع عودة أوديسيوس إلى إيثيكا، حيث يلتقي براعي قطيعه المُخلص يومايوس (جون ليغويزامو، أحد مفاجآت الفيلم السارّة)، ويبدأ البطل العائد من المستحيل التخطيط لاستعادة عرشه والتخلُّص من المتقدّمين لخطبة زوجته والمتطفّلين على قصره وثروته. ويكتسب أداء مات ديمون في الثلث الأخير دفعة مطلوبة تعزّز حتمية النهاية. فالرجل التائه، القلق على مستقبل أفراد طاقمه ومملكته، والذي يخفي مشاعره خلف طبقة من الصبر، يتسلَّح بغضب مشحون بكره الذات والسخط على الآلهة. وعلى رأس المتقدّمين لخطبة بينيلوبي، وأخطرهم، يقف أنتينيوس، الذي يؤدّيه روبرت باتينسون، متقمّصًا شخصية تتسرَّب منها الخباثة والدناءة، حتى تغمر المشاهد بالكامل. ورغم ركاكة حوارات شخصيته، فإنه ينجح في استثارة مشاعر الكره كلّما ظهر على الشاشة.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

واجه نولان تحدّيًا حقيقيًا في مقاربة نهجه الواقعي مع درجة الخيال والسريالية في «الأوديسة». فهو المخرج الذي حوّل «باتمان» إلى قصة بوليسية معاصرة بعيدة عن الهزلية التي تميّز القصص المصورة، وفي أفلام الخيال العلمي يسعى دائمًا إلى إضفاء أكبر قدر ممكن من الواقعية والتفسيرات المنطقية. لذلك، من الطبيعي أن تكون قصة تضم عددًا من الآلهة الإغريقية والكائنات الخرافية خارج نطاق خبراته، لكنه وجد توازنًا في النصّ من خلال اختيار تجسيد بعض الآلهة والكائنات، والاكتفاء بالإشارة إلى بعضها الآخر عبر الحوارات.

لا يخلو فيلم «الأوديسة» من العيوب، لكنه عندما يكون في أفضل حالاته، يسمو إلى عمل استثنائي، شاسع وضخم. ويؤتي قرار نولان التصوير بكاميرات «آيماكس»، إلى جانب الاعتماد على المؤثرات العملية، ثماره، مدعومًا بموسيقى تصويرية للمؤلف لودفيغ غورانسون تعتمد على الأجراس والطبول، حرصًا على عدم الخروج من إطار الواقعية. وهي عناصر تصنع إبهارًا بصريًا وسمعيًا يتجاوز ما اعتدناه من المخرج في أي من أعماله. وتترك مَشاهد عدة أثرًا نفسيًا صاخبًا، مثل انفجار البرج خلال غزو طروادة، أو سحب الحصان على الشاطئ. وبفضل واقعية نولان وإصراره، إلى جانب طاقم فيلم لا يتوقف عن العمل، ينتقل الفيلم من مجرّد ترك انطباع هائل بالانبهار، إلى لحظات نشعر فيها أننا نشاهد أحداث «الأوديسة» تُوثَّق أمامنا. ومهما كان مثقلًا بعيوبه وثغراته، فإن مشاهدة «أوديسة» كريستوفر نولان على الشاشة العملاقة لا يمكن تفويتها.

اقرأ أيضا: «الأوديسة»… ملحمة هوميروس وندم نولان

شارك هذا المنشور

أضف تعليق