فاصلة

مقالات

هوميروس تحت وطأة البناء في «الأوديسة» لكريستوفر نولان

Reading Time: 11 minutes

يميل حصان خشبي هائل عند أول خيط من الفجر على شاطئ، غائصًا بمؤخرته في الرمل، فيما يقف إلى جواره جندي صغير يحرسه، على وشك أن يموت من أجل كذبة لا يفهمها. هذا من المَشاهد الافتتاحية لأوديسة كريستوفر نولان. الكادر واسع إلى حد كبير، ويبدو الضوء كأن له وزنًا حقيقيًا، ويفرض الحصان حضوره على المكان بطريقة تحمل تهديدًا واضحًا، من ذلك النوع الذي تعجز معظم أفلام الاستعراض عن بلوغه مهما أنفقت على المؤثرات.

سمعتُ عن الفيلم منذ بداية عرضه بالطريقة التي يتحدّث بها الناس عن ظاهرة طبيعية نادرة: شيء يستحق التأمّل والجدل والعودة إليه. وجد أصدقاء لا يتحدّثون عن السينما عادةً أنفسهم يريدون الحديث عنه. دخلته وأنا أرغبُ في أن أكون أحد الذين أسرهم. خرجتُ منه غير مقتنع، وكلما مضى الوقت وعدتُ إليه في ذهني، صرتُ أميل إلى الظنّ أن طموح هذا الفيلم يفوق جرأته بمسافة واضحة.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

وفاء نولان لهوميروس، بالمعنى الأكثر مباشرة، واضح تمامًا. يحتفظ بالمحاور السردية الأساسية في الملحمة: تيليماخوس الذي يذهب إلى إسبرطة بحثًا عن خبر أبيه، والخطّاب الذين يحاصرون إيثاكا، وأوديسيوس نفسه وهو يقضي عقدًا من الزمن في البحر. يحتفظ تقريبًا بكل محطة يتوقّعها جمهور يعرف الحكاية، من السيكلوب وكيركي ورجال أوديسيوس الذين تحوّلوا إلى خنازير، إلى السيرينات، والممر بين سيلا وخاريبديس، والنزول إلى عالم الموتى لاستجواب الراحلين، والقوس الذي لا يستطيع أحد شدّه. يستعير نولان عبارة إميلي ويلسون الافتتاحية، «رجل معقد»[1]، اختصارًا سريعًا لشخصية أوديسيوس، وترتيب الأحداث يقترب من ترجمتها إلى درجة أن من يعرف الأسطورة معرفة عامة يستطيع أن يتعرف إلى كل محطة تقريبًا، وبالترتيب الذي يتوقّعه.

لكن معرفة الطريق لا تكفي وحدها؛ يبقى المزاج الذي يحكم الرحلة مسألة أخرى تمامًا. لاحظ إريك أورباخ قبل عقود أنّ السرد الهوميري يميل إلى إخراج كلّ شيء إلى الضوء، فلا يترك شيئًا معلقًا في نصف عتمة. التفاصيل الخارجية تحصل على حقها من الوقت، والسرد يمضي بهدوء، حتى الندبة أو إطار السرير يمكن أن يحصلا على رواية صغيرة مكتملة قبل أن تتابع الحكاية طريقها.[2] كاميرا نولان تفعل العكس تقريبًا: كاميرا الإيحاء والقطع والاستجابة السريعة. يتساءل تيليماخوس بصوت مسموع إن كان أبوه لا يزال حيًا، فيجيبه الفيلم بقطع مباشر إلى أوديسيوس على شاطئ، وكأن المخرج يخشى أن يترك جمهوره وحيدًا مع السؤال للحظة واحدة.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

ميل نولان إلى العبث بالتسلسل الزمني يُعامل أحيانًا كأنه اختراعه الخاص، لكن هوميروس سبقه إليه. تبدأ «الأوديسة» نفسها من منتصف الحكاية، مع تيليماخوس والخطّاب، ولا تصل إلى طروادة وسنوات الترحال إلا من خلال رواية أوديسيوس الطويلة عن نفسه، التي يلقيها على مائدة غريبة بعدما تكون معظم الأحداث قد وقعت وانتهت. لم يكن الجمهور الذي يعرف النهاية مسبقًا ينتظر معرفة ما سيحدث؛ كان ينتظر أن يرى كيف يستطيع الراوي أن يجمع هذه القطع من دون أن يفقد خيطها. نولان يأخذ هذا البناء لكنه يمنحه غاية مختلفة: استرجاعاته أداة نفسية تسمح لنا تدريجيًا بفهم رجل مضطرب تحاول ذاكرته أن تستعيد ما قضى سنوات يحاول دفنه. الاسترجاع عند هوميروس مرتبط قبل كلّ شيء بتقاليد السرد الملحمي والأداء الشفهي، ويمنح الراوي فرصة لإظهار قدرته على إحكام قصة طويلة معقّدة، أكثر مما يعمل أداة لتحليل النفس. البناءان متشابهان، والغاية منهما مختلفة.

مشهد التعرف إلى أوديسيوس، الذي يبنيه هوميروس بصبر عبر أناشيد عدّة، ينجو من الاختصار في معظمه، وهو من أقوى مشاهد الفيلم لهذا السبب تحديدًا. تغسل الممرضة العجوز يوريكليا قدمي المتسوّل، فتكتشف ندبة الخنزير البرّي على فخذه، وهي الندبة نفسها التي عرفته بها حين كان صبيًا. يترك المشهد الخبر يظهر على وجهها بدلًا من أن يضعه في سطر حواري يشرح لنا ما حدث. أما اختبار بينيلوب لفراش الزوجية، الذي يمثّل عند هوميروس أذكى أدلة حيلتها، فيتحوّل هنا إلى عقبة تقليدية أمام أوديسيوس أكثر من كونه فخًا تصنعه هي وتنتظر أن يقع فيه. ومع ذلك، تظلّ مسابقة القوس التي تأتي بعده ممتعة إلى حد كبير لأنّ الفيلم يكون قد توقف في تلك اللحظة عن تفسير نفسه، تاركًا للممثلين مهمّة حمل المشهد.

أما خط تيليماخوس، أو ما يسميه دارسو هوميروس «التليماخية»، فيُختصر على نحو مؤسف. رحلة الابن إلى بيلوس وإسبرطة في القصيدة تتعلّق، بقدر ما تتعلّق بالعثور على أخبار أوديسيوس، بتعلّمه كيف يصبح رجلًا ووريثًا جديرًا بأبيه. وبعض أكثر لحظات هوميروس رقة وحيوية تنبع من ارتباك هذا الشاب وهو يحاول أن يتعلّم كيف يتصرّف ضيفًا بين رجال أكبر منه سنًا وأكثر خبرة ومكانة؛ فالسفر لا يمنحه أخبارًا عن أبيه فقط، بل يدخله للمرة الأولى إلى العالم الذي كان أوديسيوس ينتمي إليه. نولان يحتفظ بالرحلة ويحذف كثيرًا من هذا البُعد الاجتماعي والتكويني، فيصبح تيليماخوس شخصية تُقاس علاقتها بذاتها في الغالب من خلال علاقتها بأوديسيوس، بدلًا من أن نراه يشق طريقه الخاص إلى الرجولة وفق إيقاعه هو.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

يدمج نولان أكلة اللوتس في جزيرة كاليبسو، ويجعل أوديسيوس نفسه يأكل الزهرة التي تمحو الذاكرة، بدلًا من أن يقتصر أثرها على رجاله. قراءة مشروعة، لأنها تُحوّل تأخر العودة إلى الوطن إلى شيء أقرب إلى التخدير الذاتي منه إلى مجرّد سوء حظ؛ أوديسيوس يشارك في تأجيل عودته لأنه يريد أن ينسى. في المقابل، يكاد نولان يحذف ناوسيكا والفياقيين تمامًا، ومعهم معظم الآلهة المسمّاة، باستثناء أثينا، التي تقضي معظم الفيلم في هيئة حضور غامض لا يظهر منه إلا القليل. كما يضيف أحداثًا لا تسمح القصيدة نفسها برؤيتها مباشرة، وإنما تصلنا من خلال حكايات الشخصيات؛ أتحدّث عن سقوط طروادة، الذي لا تعرضه «الأوديسة» على المسرح، مفضِّلةً أن تترك ديمودوكوس ومينلاوس يغنيان عنه ويتحدّثان إليه، لكنه يصبح عند نولان مشهدًا مصورًا يتكرّر أكثر من مرة، إلى أن يتحوّل إلى ما يشبه المركز العاطفي للفيلم. وفي الدقائق الأخيرة، يضيف أسطرًا من قصيدة تينيسون «أوليس»، وهي قصيدة من القرن التاسع عشر تتحدّث عن نوع مختلف وأكثر قلقًا من العودة إلى الوطن، وكأنّ النهاية الهوميرية احتاجت إلى خاتمة مُستَعارة من مكان آخر حتى تكتمل.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

ما يحذفه الفيلم لا يقل أهمية عما يضيفه. إيثاكا هوميروس مجتمع يقوم على عمل العبيد، وهوميروس واضح في هذا الأمر. يوميوس نفسه بيع عبدًا وهو طفل، والقصيدة، على نحو لا يفعله الفيلم، تسمح لنا برؤية شخصيات مثله ومثل الممرضة يوريكليا بوصفهم أكثر من خلفية للحياة الأرستقراطية: لهم ماضٍ وذاكرة وولاءات، وأحيانًا مخاوفهم الخاصة. فيلم نولان، رغم انشغاله بالسلطة والضيافة، يمرّ على هذا العالم مرورًا سريعًا. يتحوّل يوميوس في حديث تيليماخوس إلى ما يُشبه خادمًا وفيًا للأسرة، وتختفي حقيقة أنه كان مملوكًا، ويختفي معها النظام الأوسع الذي شكّل حياة ذلك العالم فعليًا. يحصل استحقاق الخطّاب على عقابه كاملًا، وهذا مفهوم، لكن الاستحقاق الأكبر الذي قام عليه المجتمع نفسه يمرُّ تقريبًا من دون تعليق، وهذا غريب في فيلم يمتد ثلاث ساعات ويتناول السلطة وإساءة استخدامها. اللغة تسير في الاتجاه نفسه. الشخصيات تنادي بعضها «ماما» و«بابا»، وتشتم بالطريقة التي يشتم بها الناس اليوم، لا بالطريقة التي يمكن أن تتوقّعها من أبطال ملحمة عمرها آلاف السنوات. لا أجد مشكلة في تحديث اللغة لجهة المبدأ؛ الفيلم يستطيع أن يمنح الشخصيات لغة معاصرة ويظلّ عملًا جادًا. الغريب هو عدم الانسجام: إنتاج شديد العناية بوزن الرمح، وجزيئات الحبل، وملمس السفينة، يسمح لشخصياته بأن تتحدّث كما لو خرجت لتوّها من مسلسل تلفزيوني معاصر، كأنّ ثلاثة آلاف سنة من المسافة الحضارية مشكلة تقع على عاتق قسم الديكور وحده.

لا شيء من هذه الخيارات يفتقر إلى الشرعية في ذاته. الاقتباس تفسير لا عملية أرشفة، وفيلم ينسخ هوميروس حرفيًا سيكون غير قابل للمشاهدة. لكن هذه الاختيارات، حين تجتمع، تشير كلّها إلى الاتجاه نفسه: الذنب، والصدمة، وعقلية الجندي الذي يحاول أن يستوعب ما فعله في حرب كان هو نفسه أحد أسباب نهايتها. قراءة كرَّرها نولان بصور مختلفة مع باتمان، وسحرة «The Prestige»، وأطقم «Dunkirk» و«Tenet»، ووصل بها إلى أوضح صورها في «Oppenheimer»: رجل يصنع سلاحًا مدمّرًا، ينتصر بفضله، ثم يقضي بقية القصة عاجزًا عن التعايش مع حقيقة أنه انتصر. لا ينبغي أن يفاجئنا أن يقرأ نولان هوميروس بالطريقة نفسها؛ المفاجأة كانت ستأتي لو ترك هذه الفكرة جانبًا هذه المرة.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

بصريًا، ليس ثمة في الذاكرة الحديثة كثير من الأفلام التي يمكن وضعها إلى جانب «الأوديسة». للخيول وزن حقيقي. البحر يبدو باردًا فعلًا. حين تتمايل السفينة في العاصفة، تصدق أنّ الممثلين يُقذفون داخلها حقًا، والفيلم لا يسمح للوحش، ولو مرة واحدة، بأن يتحوّل إلى مشكلة رقمية بلا وزن، كما يحدث كثيرًا في أفلام هذا النوع. السيكلوب له حضور كائن يتنفّس، ثقيل الخطوات، قادر على سحق إنسان من دون أن يبذل جهدًا كبيرًا. رجال كيركي وهم يتحوّلون إلى خنازير يثيرون نفورًا يستقر في المعدة أكثر مما يستقر في العين. أما الرحلة إلى عالم الموتى، على قصرها، فقد تكون أفضل نقطة التقاء بين ضبط النفس وضخامة المشهد: بدلًا من ملء الكادر بالاستعراض، يثبت نولان في معظم الوقت على وجه ديمون، وهو يصغي إلى رجال كان يقودهم يومًا وهم يخبرونه ببساطة بما كلفتهم إياه خياراته. هنا، في إحدى المرات القليلة، نرى شعور أوديسيوس بالذنب.

لكن هذه القناعة البصرية لا تمنح النصف الثاني من الفيلم الوقت الذي يحتاج إليه. يُقضى على السيكلوب بضربة واحدة، بدلًا من الحيلة الجماعية الطويلة التي تمنح الحلقة الأصلية قوتها. تتحوّل سيلا إلى بضع مجسات تظهر وتختفي. يظهر اللاستريغونيون ثم يختفون قبل أن تتاح لهم فرصة حقيقية ليصبحوا خطرًا. فيلم بُني لإثبات أنّ حلقات هوميروس لا تزال قادرة على الإمساك بجمهور اليوم، لكنه ينتهي إلى إثبات العكس: حين تُضغط الحكاية بما يكفي، يتحوّل حتى السيكلوب إلى تفصيل عابر.

والصوت يقدّم الحجة نفسها من زاوية أخرى. موسيقى لودفيغ غورانسون تحاول أن تصل إلى شيء أقدم وأغرب من الامتداد الأوركسترالي المألوف، ثم يأتي المكساج ويدفنها، ومعها كثير من الحوار، تحت جدار من الضجيج لا يرافق المشهد بقدر ما يطغى عليه. هذا جزء أصيل من أسلوب نولان منذ سنوات؛ الصوت عنده يمكن أن يتحوّل إلى هجوم. لكن في فيلم يمتدّ ثلاث ساعات ويصرّ طوال الوقت، وبأعلى صوت ممكن، على أنّ كل شيء مهم، تصبح النتيجة معاكسة. حين تؤكد أهمية كلّ شيء، تفقد الأشياء قدرتها على أن تتميّز.

The Return (2024) - IMDb‏
The Return (2024)

رغم كلّ ما فيه من حرفة واضحة، لا يفعل «The Odyssey» شيئًا جديدًا بهوميروس. هناك اقتباسات أصغر حجمًا فعلت شيئًا أكثر إثارة مع المادة نفسها. فيلم أوبرتو بازوليني «The Return»، الذي أُنتج عام 2024، يغطّي الفصل الأخير من القصة وحده تقريبًا، ويقدم رالف فاينس أوديسيوس رجلًا متقدّمًا في العمر، متضرّرًا من الحرب إلى حد حقيقي، يحاول أن يتعلّم من جديد كيف يجلس إلى مائدته الخاصة. مشهد واحد لرجل يستعيد القدرة على الجلوس في بيته يمنحني أكثر مما تمنحني ساعة كاملة من الوحوش في فيلم نولان. ويثق «Nostos» لفرانكو بيافولي، الفيلم الإيطالي الضبابي شبه الصامت من عام 1989، بالصورة والصوت ليحملا المعنى بدلًا من الاعتماد على الشرح. وحتى «Ulysses» الصادر عام 1954، مع كيرك دوغلاس، يجد في مشهد تعمية بوليفيموس حيلة مسرحية أفضل: يخدع الطاقم العملاق بخمر لم يذقه من قبل، بينما يستغلّ الرجال جهله. نسخة نولان من المشهد نفسه تنتهي خلال ثوانٍ.

والسياق مهم هنا أيضًا. في منتصف القرن العشرين، تلقّى الجمهور الأميركي نوعًا سينمائيًا كاملًا بُني على هذه المادة: أردية وصنادل، ومدن تشتعل أمام الكاميرا، وجدية أخلاقية جاهزة تُقدَّم بوصفها عمقًا. لم تصمد معظم تلك الأفلام أمام الزمن، لكنها على الأقل خاضت مغامرتها في وقت مبكر. نولان يأتي بعد عقود طويلة من إعادة سرد هوميروس، من بينها المسلسل التلفزيوني الإيطالي ذو الحلقات الثماني الذي أُنجز عام 1968، وما يزال يحظى بتقدير لافت بين الناس. ومع ذلك، يجد الفيلم نفسه أقرب إلى إعادة تشغيل ضخمة وأكثر صخبًا لصيغة قديمة، منه إلى محاولة فعلية لمواجهة غرابة هذه القصيدة بالذات.

Ulysses (1954) - IMDb‏
Ulysses (1954)

هناك مقارنة يفرضها نولان على نفسه بمجرّد اختياره هذه المادة. جيمس جويس أخذ القصيدة نفسها ولم يحاول إعادة تصويرها بحجم أكبر؛ نقلها كلها إلى مكان آخر. جعل أوديسيوس مندوب إعلانات يتجوّل في دبلن، وجعل ذبح الخطّاب يتحوّل إلى كوب هادئ من الكاكاو. «Ulysses» عمل صعب وغريب وجديد فعلًا، لأنه وجد مقابلًا حديثًا لمادة هوميروس، وابتكر لها حياة أخرى. نولان يقدّم لنا الأحداث نفسها، وبالترتيب نفسه، وعلى نطاق لا يستطيع كثير من المخرجين منافسته، ومع ذلك لا يقدّم، في حدود ما أستطيع رؤيته، فكرة جديدة عما تعنيه هذه الأحداث. الحجة التي يريد الفيلم إيصالها، أنّ الحرب حتى حين تكون مبرَّرة تترك المنتصرين محطّمين، قيلت من قبل مرات كثيرة، ونولان لا يعثر على مدخل جديد إليها.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

نولان نفسه يرشدنا، من خلال مصادره المعلنة، إلى ما كان يمكن أن يفعله مخرج آخر بالمادة نفسها. أشار إلى تأثير غييرمو ديل تورو في تصميم مخلوقاته، وقال إنّ ما تعلّمه منه هو أن «الوحش ليس وحشًا»، وأنّ علينا أن نتعامل معه كما نتعامل مع أي شخصية أخرى. هذا المبدأ حاضر في مشاهد السيكلوب وكيركي، لكن نولان لا يذهب به إلى النهاية التي يذهب إليها ديل تورو: أن يجعل الوحش نفسه أكثر الشخصيات إثارة للتعاطف في الغرفة. يستعير من ديل تورو طريقة النظر إلى المخلوق بوصفه شخصية، لا الدرجة نفسها من الحنان تجاهه. وسمّى أيضًا «Ran» لكوروساوا و«Andrei Rublev» لتاركوفسكي ضمن مصادر إلهامه البصرية، وهنا تتّسع الفجوة أكثر. كِلا الفيلمين يعرف كيف يترك للصورة زمنًا كي تعمل وحدها، وكيف يجعل المسافة والتكوين والحركة داخل الكادر مصدرًا للتوتر قبل أن يتدخّل المونتاج ليشرح لنا ما ينبغي أن نشعر به. نولان، رغم لحظاته المبهرة في بناء الرعب، نادرًا ما يسمح للصورة بأن تبقى طويلًا بما يكفي لتنتج خوفها وحدها؛ غالبًا ما يرافقها بالموسيقى والمؤثرات الصوتية ليحدّد إيقاع الخوف وشدّته. اختار نولان مخرجَيْن يعرفان كيف يتركان الغرابة تنمو داخل الكادر بصمت، ثم صنع منهما فيلمًا يسارع، في أغلب الأحيان، إلى تفسير غرابته بالصورة والموسيقى والمونتاج معًا.

The Odyssey
The Odyssey (2026)

لو صُورت هذه المادة بصبر بازوليني، أو بالحسّ التأملي الذي حمله تيرنس ماليك إلى أفلام الحرب، ربما حصلنا على وحوش أقل وبيت أكثر؛ وقت أطول مع بينيلوب ومع الحياة التي يحاول أوديسيوس استعادتها، فليست الوحوش، في نهاية المطاف، ما يريد أوديسيوس العودة إليه. ولو كان المخرج أكثر حساسية لغرفة مليئة بأشخاص يعمل كلّ واحد منهم بهدوء ضد الآخر، بالطريقة التي تفعلها دراما سياسية جيدة حول مائدة مزدحمة، لكان من الممكن أن تصبح إيثاكا أكثر توترًا من كثير من مشاهد الرحلة البحرية. بينيلوب وتيليماخوس، داخل القصر وحده، كان يمكن أن يجعلا الصراع أكثر إثارة من السيكلوب، بدلًا من أن يدور الفيلم حول المواجهة نفسها مع الخطّاب معظم الوقت. ولو امتلك المونتاج وضوحًا مكانيًا من النوع الذي يتقنه تارانتينو، لربما بدت مذبحة الخطّاب الأخيرة تتابعًا واحدًا متماسكًا، يعرف فيه المشاهد أين يقف كلّ شخص وكيف ينتقل العنف من واحد إلى آخر، بدلًا من التشوّش المتقطّع من اللقطات والضجيج والاحتكاك الذي ينتهي إليه المشهد على الشاشة. كانت لدى نولان جميع الأدوات التي يحتاج إليها ليجعل المادة تعمل. ما افتقده في اللحظات الحاسمة هو القدرة على التراجع خطوة، ووضع الكاميرا جانبًا، ولو للحظات، وترك المشهد الهادئ يظل هادئًا.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

وهذا لا يمحو ما يفعله الفيلم جيدًا. يؤدّي مات ديمون أوديسيوس بثقل لا ينقلب إلى شفقة على الذات، ويحمل وحده من الفيلم أكثر مما حمل أي ممثل في فيلم لنولان منذ كيليان ميرفي. يبدو الإرهاق على وجهه مكتسبًا من الحياة التي عاشها، لا مرسومًا عليه من خلال الأداء، وهذا يمنح الشخصية صدقية لا تسمح بها الكتابة دائمًا. تؤدّي آن هاثاواي، في دور بينيلوب، بعض أفضل لحظاتها خلف حاجز النول، في مواجهة روبرت باتينسون بدور أنتينوس. مشاهدة الطريقة التي تقرّر بها، لحظة بلحظة، مقدار غضبها الذي تسمح له بالظهور تكشف أحد المواضع النادرة التي يثق فيها الفيلم بوجه الممثل أكثر من ثقته بحواره. باتينسون يؤدّي أنتينوس بقسوة واثقة من نفسها، من دون أن يتحوّل إلى شرير كرتوني، وهو أمر أصعب مما يبدو. أما توم هولاند، فله أصعب مهمة بين أفراد الطاقم: شاب تتحدّد هويته في الغالب بالغياب والشك، وهو أفضل في المَشاهد المنزلية الهادئة من المَشاهد التي تطلب منه دفع الحبكة إلى الأمام. هناك مشهد صامت في وقت مبكر مع كلب العائلة يُخبرنا عن الرجل الذي صار إليه تيليماخوس أكثر مما تُخبرنا خطبه اللاحقة.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

سامانثا مورتون تقدّم كيركي بحضور مقلق يظلّ عالقًا في الذهن بعد انتهاء المشهد. لوبيتا نيونغو، التي تؤدّي هيلين وكليتمنسترا معًا، لا تحصل على وقت طويل في أي من الدورين، ومع ذلك تترك أثرًا؛ هيلين التي تقدّمها امرأة مجروحة ومنهكة، بعيدة عن الصورة المتألّقة المعتادة، وهذا وحده يكفي لزعزعة فكرة الجمال بوصفه سببًا يستحق حربًا. أما أثينا التي تؤدّيها زندايا، فهي الأداء الرئيسي الوحيد الذي يصعب عليَّ الدفاع عنه: لم يُمنح لها تقريبًا شيء تؤدّيه سوى ابتسامة تعرف أكثر مما ينبغي، والفيلم نفسه لا يستقرّ على طبيعتها: إلهة أم هلوسة أم أداة للحبكة، فتبقى الممثلة عالقة بين الاحتمالات الثلاثة.

البنية الفكرية للفيلم جيّدة في أصلها أيضًا. يعود نولان باستمرار إلى ما يسميه «قانون زيوس»: واجب إيواء الغريب، لأنّ الغريب قد يكون إلهًا متنكرًا. ويستخدم انتهاك الخطّاب لهذا القانون، إلى جانب الانهيار المقبل الذي تجسده شعوب البحر غير المرئية، ليقترح أنّ الحيلة التي كسبت الحرب كانت أيضًا أول شقّ في النظام الذي حفظ عالم البحر المتوسط متماسكًا. جادل مؤرّخو ذلك العالم طويلًا بأن طقوس الضيافة كانت أقرب إلى النسيج الذي يربط المجتمع كلّه؛ فهي التي تسمح للغرباء بالتجارة، وللمسافرين بالعبور، وللناس بالثقة ببعضهم عبر بحر لا يحكمه قانون واحد. بناء صورة انهيار الحضارة حول انتهاك هذا الرابط تحديدًا قراءة يمكن الدفاع عنها، ولا تحتاج إلى تشويه هوميروس كي تعمل. المشكلة أنّ نولان يصر على قولها بصوت عالٍ مرات أكثر مما تحتاج.

The Odyssey (2026)
The Odyssey (2026)

ما بقي معي بعد أيام لم يكن إلا الكلب أرغوس. لن أزعم أنه أفضل ما في الفيلم، لكنه على الأقل المكان الوحيد الذي تتوافق فيه طريقة نولان مع طريقة هوميروس. هوميروس يمنحنا كائنًا لا يحتاج إلى أن تُنزع عنه أقنعة، ولا إلى دليل، ولا إلى مشهد طويل من التعرُّف؛ إنه يعرف سيده فحسب، ويموت وهو يعرفه. نولان، الذي بنى مسيرته على حجب المعلومات ثم إطلاقها في اللحظة المناسبة، يسمح هنا أخيرًا لشيء بأن يصل إلينا من دون احتفال. للحظات قليلة، في فيلم يشرح نفسه باستمرار، تختفي الآلة (آلة نولان السردية). وهو أيضًا اللقاء الكبير الوحيد في الفيلم الذي لا يحتاج إلى حوار؛ يضطر الجميع إلى أن يقولوا ما يقصدونه بالتفصيل أكثر من مرة. الكلب لا يفعل.

«The Odyssey» إنجاز صنعه أناس جادون، واضح أنهم يحبّون هذه الحكاية. ومع ذلك، ينتهي إلى أن يكون أقل من مجموع أجزائه الكثيرة والمثيرة للإعجاب: إعادة بناء ضخمة وصادقة لقصيدة سبق أن رويت مرات أكثر مما يبدو أنّ هذه النسخة تعرف أن تروي، وفي أحيان كثيرة رويت بضجيج إعلامي أقل، وحجم إنتاج أصغر، وجرأة أكبر.

اقرأ أيضا: «الأوديسة»… ملحمة هوميروس وندم نولان

شارك هذا المنشور

أضف تعليق