فاصلة

مقالات

لوكا غوادانينو من «لوكارنو»: هذه أزمات السينما الإيطالية

Reading Time: 5 minutes

«… أوه، لا، بل طوله سبع ساعات وعشر دقائق»، يقول لوكا غوادانينو ردًا على سؤال عابر عن فيلمه «بهجة العيش» الذي يتناول برناردو برتولوتشي، واختير للمشاركة في الدورة المقبلة من مهرجان «البندقية السينمائي»، حيث سيتسلّم أيضًا جائزة «المجد للسينمائي». أتاح وجود غوادانينو، مخرج «نادني باسمك» و«كوير» وغيرهما من الأفلام الجريئة، في «لوكارنو» (5 – 15 أغسطس) مناسبة للحديث معه عن السينما الإيطالية، ولا سيما أنه حضر إلى المدينة السويسرية لتقديم «كيتيتشي» منتجًا، فيلم من إخراج جيوفاني تورتوريشي، في ثاني تعاون لهما معًا.

الفيلم بورتريه لجوليو (سلفاتوريه غالينا) وكيتي (راشيله تستاغروسا)، تدور أحداثه في باليرمو عام 2012، حيث الجمود السياسي والثقافي يكشف عن فجوة هائلة بين الأجيال، وعن منظومة تعليمية تخنق أحلام الشباب بدلًا من أن ترعى طموحاتهم.

Ketticè': Locarno 2026
Ketticè (2026)

في نظر غوادانينو، فإنّ الخصوصية الشديدة لعالم تورتوريشي هي تحديدًا ما يمنح الفيلم طابعه الكوني. يقول: «لتطرح سؤالًا على الجمهور ويتمكّن من الإجابة عنه، وأعني بالجمهور أي جمهور كان، عليك أن تكون شديد التحديد والخصوصية. لذلك، لا أعتقد أنّ البيئة التي أراد جيوفاني أن يبنيها من خلال هذا الفيلم من شأنها أن تضيق أفقه أو تحدّ من منظوره. لا، بل على العكس تمامًا، فهي توسّعه. هذا هو المنهج الذي أؤمن به. المنتج، كما تعلم، يكون في أغلب الأحيان في خدمة الفيلم، ويساعد على توفير كلّ الوسائل التي تجعله في أفضل صورة ممكنة، ولعلّ أكثر ما أثارني منتجًا هو أن أجلس لمشاهدة الفيلم. لذلك، بصفتي واحدًا من الجمهور، أشعر بأن الفيلم يتحدّث فعلًا بأسلوب يخاطب الجميع».

Ketticè (2026)
Ketticè (2026)

هذا هو الفيلم الثاني الذي ينتجه غوادانينو لتورتوريشي. سألته عن السبب. فأجاب: «إنه شخص ألمعي. التقيته قبل سبع سنوات، وكان أحد مساعديّ في المسلسل التلفزيوني «نحن مَن نحن». لكنه كان أيضًا جريئًا جدًا في أن يطلب منّي قراءة ما كتبه. وبالنسبة إليّ، الكتابة مسألة شديدة الحساسية والتعقيد، لأنّ السيناريو يجب أن يكون جميلًا يعدّ بفيلم عظيم، لا أن يكون هو الفيلم نفسه. في معظم الأحيان، تكون السيناريوهات التي أقرأها مصاغة على نحو يجعلك تعرف بالضبط أي فيلم ستحصل عليه. لكن من خلال النصوص التي كنت أقرأها، شعرتُ بفتنة حقيقية تجاه الذكاء والحياة اللذين كانا مشبّعين بهما».

يلتفت إلى تورتوريشي متابعًا: «أعتقد أنك عرضت عليّ بضعة أفلام قصيرة وأخرى متوسّطة الطول، وبعد ذلك كتبت «19»، وكان الأمر أشبه بمغامرة مبهجة. كان الفيلم رائعًا إلى درجة أننا، أنا وشركائي في الإنتاج، وهم في معظمهم الأشخاص أنفسهم الذين أنتجوا هذا الفيلم أيضًا، تمكّنا من جمع كلّ ما يلزم لإنجاز الفيلم».

يتابع ملتفتًا إليّ: «بعد ذلك أنجز الفيلم بالطريقة التي أرادها، وصوّره بشريط سينمائي، وفي خمس مدن مختلفة. لذلك، نعم، أعتقد أن الأمر بالنسبة إليّ يتعلق دائمًا بالذكاء وبذلك القدر الكبير من الرقي والتعقيد في التفكير، وهو ما أعتقد أن جيوفاني يمتلك فيضًا منه».

سألتُه: «هل تجد أي تشابه بين عمليكما؟ مثلًا: نوعًا من السخرية أو التشاؤم الذي يمكن أن…»

مقاطعًا: «السخرية؟».

«نعم، نوعًا من…».

«آمل ألا تكون أفلامي ساخرة أو تهكّمية. وبالتأكيد لا أعتقد أن عمل جيوفاني ساخر أو تهكّمي. أعتقد أنه فيلم مليء بالسخاء. عندما شاهدتُ فيلمه للمرة الأولى، غمرتني فرحة حقيقية نابعة من ذلك الإحساس بالحياة. أما أوجه التشابه، فأودّ أن أقول إنني فخور جدًا بنفسي منتجًا، والمنتج مختلف جدًا عن المخرج. عندما أنتج فيلمًا، لا أبحث عن شخص يُشبهني. أريد شخصًا يكون نقيضي».

لوكا غوادانيينو وبرناردو برتولوتشي
لوكا غوادانيينو وبرناردو برتولوتشي

«بهجة العيش» سيكون بمنزلة رسالة حبّ إلى برتولوتشي، الذي رحل عام 2018، أحد أبرز السينمائيين تأثيرًا في القرن العشرين. يسعى فيه غوادانينو، الذي سبق أن شارك في إخراج فيلم عنه قبل أكثر من عقد، إلى النزول في عمقه السينمائي، مستكشفًا فنّه ورؤيته وسيرته، من خلال مقاربة تتجاوز قراءة أفلامه لملامسة صاحبها والإنسان الكامن وراءها. يستند الفيلم إلى شهادات عدد من الشخصيات البارزة، في طليعتهم المخرجون الذين تأثّروا بتجربته.

انطلاقًا من انتمائه لبلد يمتلك تاريخًا سينمائيًا لا يُستهان به، وعلاقة ذلك بدعمه المخرجين الشباب، فهل يرى في هذا الدعم إسهامًا في إبقاء هذا التراث حيًا؟

يرد: «بالتأكيد، وبكلّ تأكيد. أعتقد أننا نستطيع أن نتّفق على أن السينما الإيطالية، تاريخيًا، منذ عصر الصامت وحتى السبعينات، أفرزت بعضًا من أهم الشخصيات. لكنها، في الوقت نفسه، أنشأت، على مستوى الصناعة، نظامًا كان موضع حسد كثير من البلدان الأخرى، لجهة الطريقة التي كانت تعمل بها. كانت لدينا صناعة ضخمة. عدد كبير من الأفلام أُنجِز داخلها، وأنواع كثيرة ومختلفة. كبار المخرجين المؤلّفين تعاملوا مع هواجسهم، مستفيدين من إمكانات إنتاجية جيدة جدًا. وفي الوقت نفسه، سادت السينما البورجوازية، وأفلام الدرجة الثانية، وأفلام للسوق الدولية. كانت بيئة ثرية وناضجة. هذه الصناعة جفّت مع ظهور التلفزيون الخاص وإمبراطورية برلوسكوني. فأصبح معظم ما كان يُنتَج للسينما يُنتَج للتلفزيون. قُتلت أفلام «النوع». وتكرست نزعة إلى ادّعاء المؤلفية إلى درجة أن «المؤلّف» أصبح شخصًا يكتب السيناريو ويصوّره، لكي يتمكّن من تعريف نفسه بوصفه مؤلّفًا. وهكذا تقلّصت صناعة السينما، وتقلّص أفقها، وأصبحت عقيمة، وخالية تمامًا من أيّ تصوّر للغة السينمائية، ومن أي نظرة للحياة. ولذلك، عندما تلتقي شخصية مثل جيوفاني، الذي هو بالطبع مخرج إيطالي يعمل في إيطاليا، لكنه يحلو لي أن أراه مخرجًا فحسب، من دون هذه الصفات والتصنيفات، فإنك تلتقي شخصًا يندر وجوده في خريطة السينما الإيطالية. ولهذا يجب صونه والتأكّد من أننا لا نترك حجرًا إلا ونقلبه من أجل أن نوفّر له الوسائل التي تمكّنه من التعبير عن نفسه».

سألتُه: «لكن ما التغيير الرئيسي الذي طرأ وجعل السينما الإيطالية عاجزة عن أداء الدور الذي كانت تؤدّيه في الستينات مثلًا؟».

«هناك أسباب مختلفة، أحدها صناعيّ الطابع. التغيير الذي طرأ على منظومة تمويل الأفلام خلال السنوات الأربعين الماضية كان، في أقل تقدير، دراماتيكيًا. أصبحت مصادر تمويل الأفلام أقل تنوّعًا فأقل، ووقعت أكثر فأكثر في أيدي قلّة. أودّ أن أضيف إلى ذلك: ادّعاء المؤلّفية. فهناك فرق بين أن تكون قادرًا على ابتكار معجم سينمائي من خلال العمل المتواضع الذي تقوم به في السينما ومن خلال ما تبنيه من اتساق واستمرارية في عملك. في المقابل، شيء آخر كليًا أن تتظاهر بأنك مخرج مؤلّف لمجرّد أنك كتبتَ القصّة التي صوّرتها. ثم هناك موت اللغة. السينما لغة. وعندما تنسى هذه الحقيقة، تبدأ في إنجاز سينما على هيئة سيناريوهات مصوّرة، وتحاول تقليد لغة دولية هي مزيج من السينما الأميركية والفرنسية. عندها تكون قد انهزمت. إنها هزيمة حقيقية. لكن هذه ليست مشكلة السينما الإيطالية وحدها. أعتقد أنها مشكلة تواجه كثيرًا من السينمات في العالم. ما كان في الماضي عملًا جماعيًا لم يعد كذلك. ومع ذلك، أؤمن بأننا، في الصحراء التي نعيش فيها، سنظلّ دائمًا قادرين على التقاط وردة. ولذلك، من المهم جدًا حماية هذه الورود. لا أعتقد أنّ الحلّ يكمن في الخروج من إيطاليا، لأنّ ذلك سيكون أكثر انغلاقًا على الذات. هناك مخرج عظيم اسمه فرانكو بيافولي أنجز جميع أفلامه تقريبًا داخل نطاق جغرافي هو بحيرة غاردا، التي لا تتجاوز مساحتها كيلومترًا مربعًا. المسألة تتعلّق بالعقلية. والعقلية تعني: كيف تنجز عملك، ماذا تريد أن تقول، أي قصص تريد أن تروي، كيف تفهم الواقع وكيف تفسّره، وكيف تهرب من الزيف؟».

اقرأ أيضا: إيزابيللا وآسيا وفيرجيني وغيرهن… عن البنات والآباء في لوكارنو

شارك هذا المنشور

أضف تعليق