لا توجد في «نازا» جثّة واحدة تقريبًا. لن نرى غزة كما اعتدناها في صور الحرب، ولن ننجرَّ إلى البكاء بموسيقى حزينة أو مَشاهد تستدر التعاطف. القتل في مكان آخر؛ في الكلام وعلى ألسنة القتلة، طوال 80 دقيقة من النزول التدريجي إلى الجحيم، يرويه ضبّاط وعناصر وغيرهم، بوجوه غارقة في العتمة ونبرة ميكانيكية تخلو من الانفعال. وهذا أكثر ما «يزعج» في فيلم الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، الذي اكتشفناه في مسابقة «مهرجان البندقية السينمائي» (2 – 12 سبتمبر).
يقترب المخرجان من مجموعة إسرائيليين شاركوا في عمليات القصف والاستهداف، ونسمع منهم، من دون وسيط، كيف تُدار الحرب من الداخل، وكيف تُصنَع الأهداف، وتُبرَّر الضربات، وتعمل الاستخبارات، وكيف تحوّل المدنيون إلى أرقام داخل منظومة تعرف مسبقًا ما الذي تفعل.

عثر المخرجان على ما يحتاج إليه أي فيلم وثائقي من هذا الصنف: شخصيات مستعدّة للبوح. وما إن يعثر الفيلم على شخص مستعدّ للاعتراف حتى يمسك بخيط لا يحتاج بعده إلى الكثير. قوة الفيلم الحقيقية ليست في الصور التي تؤثّر في الوجدان، وإنما في هؤلاء الذين يتحدّثون، وفي التناقض المرعب بين ما يقولونه من جهة وما يصل إلى آذان المُشاهد من جهة ثانية.
العنوان نفسه، «نازا»، أي «ضحايا جانبية» (في لغة قادة العمليات)، يحمل مفارقة. فالمصطلح التقني الذي يُفترض أن يخفف من الجريمة يصبح، أمام الشهادات، دليلًا عليها. وما يبدو خلف الخطوط العسكرية حادثًا عرضيًا أو نتيجة غير مقصودة، يظهر هنا جزءًا من نظام متكامل. القتل لا يحدث بالمصادفة، ولكنه متعمّد، وهذا يخالف سردية إسرائيل وكلّ ما ادّعته منذ بدء عدوانها. إذًا، نحن أمام وثيقة تتجاوز السينما، وقد تجد مكانها يومًا في ملف قضائي.
ومن ضمن ما يكشفه الفيلم الدور الذي بات يؤدّيه الذكاء الاصطناعي في تحديد المستهدفين، وما يرافق ذلك من قدرة تكنولوجية هائلة على اختراق هواتف الفلسطينيين وبياناتهم ومراقبتهم حتى داخل منازلهم. وغزة، في هذا المعنى، تكشف مبكرًا ملامح حروب مقبلة، إذ تصبح البيانات أداة للرصد والاستهداف، ويصبح التفوق التكنولوجي ميزان القوة الأوحد. ترى، ماذا يبقى للضعيف حين يصبح الطرف الآخر قادرًا على رؤيته وتعقّبه واستهدافه داخل أكثر الأمكنة خصوصية؟ ولا عجب أن يصف أحد العناصر قدرته على التنصُّت على الضحايا إلى درجة أنه يشعر بأنه «الله».
الشهادات كافية ووافية، ولا تحتاج إلى تعليق من المخرجَيْن. يوفال أبراهام وراشيل زور فهما أن أي تدخّل زائد قد يضعفها. لذلك يطرح أبراهام أسئلة بأعصاب هادئة تنم عن رغبة في الفهم والتوثيق، تاركًا الأرقام تتولّى جزءًا من المهمّة: مئات المباني، وربما الآلاف، دُمِّرت أو أُحرِقت. وفي ضربة واحدة، جرت الموافقة على استهداف أدّى إلى سقوط ضحايا بالمئات.
بعض الذين يتحدّثون غير مرتاحين مع أنفسهم، لكن ليس إلى درجة أن يروا أنفسهم قتلة. والفيلم يتفادى تقديمهم في هيئة وحوش. إنهم عناصر ينطبق عليهم ما قالته هنّا أرندت وهي تحضر محاكمة النازي إخمان: عادية الشر. أحدهم يضع نفسه في موقع التقني الذي ينفّذ أمرًا، وآخر يجد مَخرجًا يذكّر بأحد المستوطنين الذي ذاع صيته قبل سنوات إثر استيلائه على بيت فلسطيني: إذا لم ينفّذ هو العملية، فسيفعلها شخص آخر. ما دام القتل قد تحوّل إلى وظيفة، يمكن لمَن يرتكبه أن يتعامل معه كجزء من ساعات العمل، بعيدًا من فعل ستكون له تبعات إنسانية ونفسية. آخرون يتحدّثون عن الحرب كما لو كانت لعبة فيديو. الرعب اللفظي يقع في مستويين: ما يقوله الأشخاص، والسهولة التي يقولونه بها.
لكن الفيلم، في النهاية، قضية إسرائيلية إسرائيلية، بين إسرائيلي جيد وإسرائيلي شرير، وإن شقّ طريقه إلى الآخرين. الأول يدفع باتجاه المحاسبة، والثاني يعتقد، من خلال البوح، أنه قطع نصف الطريق إلى التوبة. والكاميرا التوثيقية تتسلّل إلى الداخل وتواجه أبناء المجتمع نفسه بما شاركوا فيه. إنها محاولة للخروج من شبه الإجماع، ووضع الصورة والكلمة في مواجهة الرواية السائدة.
هذا كلّه جعل العرض ثقيلًا على بعض الذين حضروه، وربما تزعزع شيء من مسلّماتهم. صحيح أنّ ما من أحد يجهل ما حدث ويحدث في غزة، وأن حجم المأساة لم يعد يحتاج إلى برهان، لكن الحقّ يُقال إن المعرفة شيء، وسماع مرتكبي الأفعال وهم يروونها شيء آخر. الاعتراف الجاف أعتى الأسلحة في هزّ المُشاهد، وذلك أكثر من أي خطاب عاطفي.
ولكن، رغم أهمية المضمون وخطورته، يصعب المرور على الشكل مرورًا عابرًا، ولا يجوز إغفال حقيقة أساسية: القراءة الوحيدة للأفلام المشاركة في المسابقة ينبغي أن تكون قراءة جمالية وفنية. ويا للأسف، لا يزال هناك مَن يخلط بين الوثيقة والفيلم، وبين الصحافة الاستقصائية والعمل الفنّي. قوة الموضوع لا تكفي لمنح العمل شرعيته السينمائية.

عندما منح كوانتن تارانتينو «السعفة الذهبية» لمايكل مور عن «فهرنهايت 9/11»، في ذروة الغضب الدولي على جورج بوش، كان لدى مور، على الأقل، بعض الهواجس السينمائية: محاولة بناء مادة الفيلم، وربط النصّ بالصورة، وتحويل التحقيق إلى لغة بصرية لها أدواتها وإيقاعها ومفرداتها.
ومع ذلك، ماذا بقي من ذلك الفيلم اليوم عدا راهنيته؟ ومَن يتذكّره؟ وهل يُعقل أنه نال الجائزة نفسها التي ذهبت إلى «القيامة الآن»؟
كان الأجدر بألبرتو باربيرا أن يضع «نازا» ضمن العروض الخاصة، حيث يستطيع الفيلم أن يُستقبل بوصفه وثيقة سياسية وشهادة استقصائية ذات أهمية، من دون أن يُزاحم أفلام المسابقة وفق معيار يُفترض أن يكون سينمائيًا في المقام الأول. لكن الانصياع لمنطق «الترند» دفع المهرجان إلى ارتكاب هذه الهفوة، وهي ليست الأولى ولا الأخيرة.
المشكلة أيضًا أنّ الحفاوة التي قوبل بها الفيلم من بعض وسائل الإعلام الغربية، التي التحقت بالقطار السريع المتّجه نحو قضية فلسطين، قد تنتهي إلى خدمة فيلم يعرف تمامًا كيف يدخل إلى المشهد، وأين، وفي أي ظرف، كي يستثمر في العاطفة. فمَن من لجان التحكيم يستطيع أن يقاوم إغراء ردّ الاعتبار إلى الضحايا عبر رواية تأتي هذه المرة من أفواه الجلادين أنفسهم؟ وأيّ لجنة تخاطر باتهامها بالوقوف ضد القضية؟

في كلّ الأحوال، يصعب وضع «نازا» في الخانة نفسها مع الطموح السينمائي الجامح لإيليا خرجانوفسكي، أو السخرية السوداء لمارتن ماكدونا، أو الصدق السينمائي والاجتماعي الذي يميّز ستيفان بريزيه. والطامة الكبرى تتمثّل في الناقد الذي اعتاد تقييم الأفلام بأدواتها البصرية والتمثيلية والكتابية، ثم يجد نفسه أمام «نازا»، ولأسباب معروفة، واقعًا في التباس أخطر: الإعجاب بالفيلم باعتباره سينما، فيما يكون ما أثّر فيه، في الحقيقة، موضوعه وموقعه السياسي أكثر مما أثّرت فيه لغته الفنّية.
ولنضع المسألة في اختبار بسيط: لو أُزيلت إسرائيل من المعادلة وحلّت محلّها روسيا، ولو أصبح الفيلم يتناول ارتكابات الجنود الروس في أوكرانيا، فهل كان الاستقبال النقدي نفسه سيبقى على حاله؟ وهل كان سيصل أصلًا إلى المسابقة؟ أم كانت أصوات كثيرة ستعلو متّهمة العمل بالتدليس السياسي، وباستثمار المأساة لفرض أجندة سياسية على حساب السينما؟
السؤال ليس ما إذا كانت القضية عادلة، ولا ما إذا كانت الشهادات الواردة في الفيلم مهمّة. أغلب الظن أنها كذلك. السؤال أبسط من ذلك: هل أهمية المضمون تعفي الفيلم من أن يكون فيلمًا؟
اقرأ أيضا: «غضب» لرامي قديح… أكثر من فيلم سطو!