اختُتم مؤخرًا عرض المسلسل السعودي «أحمر ولا أبيض» للمخرج السوري منير الزعبي، وبدأ عرض «حبتين» للمخرج السوري الفوز طنجور، فيما ننتظر الفيلم السعودي «المهايطية» للمخرج المصري أحمد الجندي. وفي القائمة أيضًا «سندس»، الذي بدأ عرضه بإدارة المخرج المصري رامي رزق الله، بينما يقترب إبراهيم الحجاج من إنهاء تصوير «بيبي بوم» مع اللبناني إيلي سمعان، وانتهى الممثلين فيصل الدوخي وناصر الدوسري من تصوير «الساعة الأخيرة» بإدارة البريطاني كولين تيج. وقبل هؤلاء، كان الكويتي عزيز الجسمي قد أخرج حلقات من مسلسل «الخلاط+» الجزء الأول والثاني.

أسماء وجنسيات وتجارب مختلفة يجمعها أنها حكايات سعودية يتولّى إخراجها مخرجون من خارج المملكة. والقائمة مرشَّحة لأن تطول أكثر إذا عدنا إلى السنوات الماضية، بما يضع ظاهرة تستحقّ التوقّف عندها في الواجهة. لماذا تذهب نسبة لافتة من هذه الحكايات إلى مخرجين عرب وأجانب؟ هل نحن أمام أزمة ثقة في المخرج السعودي، أم أنّ المنتج لا يجد دائمًا المُخرج القادر على قيادة هذه المشاريع؟
من السهل الانحياز إلى المخرج السعودي والقول إنه لا ينال فرصته، كما يسهل اتّهام المنتج بتفضيل الأسماء القادمة من الخارج. لكنّ المسألة لا تُختَصر بهذه الثنائية؛ فخلف خيارات الطرفين أسباب وملاحظات تجعل الصورة أكثر تعقيدًا.
سألتُ أحد المخرجين السعوديين البارزين عن سبب ابتعاده عن المسلسلات، فعدَّد جملة من العوائق: ميزانيات ضعيفة، وتخبُّط في التحضير والتصوير، ومشاريع تنطلق قبل اكتمال نصوصها ووضوح رؤيتها الفنّية، فضلًا عن مطالبته بتصوير عدد كبير من المَشاهد يوميًا، بإمكانات لا توازي المستوى المطلوب.
ولا تقف الصعوبات عند ظروف الإنتاج فقط، فتدخُّل بعض أبطال العمل، خصوصًا عندما يكون النجم صاحب النفوذ الأكبر في المشروع، قد يبدأ من النصّ وترتيب المَشاهد، ويمتدّ إلى زوايا التصوير وأداء الممثلين. وهنا يتحمّل المُخرج أمام الجمهور مسؤولية نتيجة لم يمتلك القرار الكامل في صناعتها. لذلك يفضّل بعض المخرجين السعوديين السينما ، لاتّساع مساحة استقلاليتهم.

في المقابل، لدى المنتجين أسبابهم أيضًا، وفي مقدّمتها تهمة يوجّهونها واضحة وبصراحة إلى المُخرج السعودي، هي البطء في الإنجاز. فالعمل التلفزيوني تحكمه جداول صارمة، وكلّ يوم إضافي يعني ارتفاع تكلفة الممثلين والفنّيين والمواقع والمعدّات. وقد يمتلك المخرج رؤية فنية جيدة، لكنه ينشغل بالسعي وراء اللقطة المثالية، فيما يحتاج المنتج إلى إنجاز عدد محدّد من المَشاهد يوميًا.
فالإخراج التلفزيوني تحديدًا ليس رؤية فنية فحسب، وإنما إدارة أيضًا، وقدرة على اتخاذ القرار وحلّ المشكلات والعمل تحت الضغط. لذلك لا يبحث المنتج دائمًا عن الأفضل فنيًا، وقد يفضّل المُخرج الأكثر طواعية وحاجة إلى العمل، شرط أن يمتلك القدرة على قيادة فريق كبير، والتعامل مع النجوم، وضبط الميزانية، وتسليم العمل في موعده وبمستوى مقبول.
من هنا، يصبح المخرج العربي أو الأجنبي الذي راكم خبرة طويلة في الإنتاجات الكبيرة خيارًا أكثر أمانًا، وقد يكون اختياره مهنيًا بحتًا، وليس موقفًا من المُخرج السعودي أو تشكيكًا في موهبته.
لكننا هنا ندخل في حلقة مُغلقة: المنتج يريد مُخرجًا صاحب خبرة، والمُخرج السعودي يحتاج إلى مشروع كبير ليكتسب هذه الخبرة. فكيف نُطالبه بسجل طويل إذا لم نمنحه فرصة لبنائه؟ وكيف نختبر قدرته على الإنجاز إذا كانت الأعمال الكبرى تذهب، منذ البداية، إلى أسماء مُجرّبة من الخارج؟

المطلوب ليس فرض المخرج السعودي على كلّ مشروع، ولا أطالبُ بذلك، كما لا أطالبُ باستبعاد المخرجين العرب والأجانب. المطلوب بناء مسار حقيقي يتيح له اكتساب الخبرة. ويمكن أن يبدأ ذلك بإسناد المسلسلات القصيرة إليه، وهي تجربة سبق تقديمها، لكنها تبدو أكثر محدودية مؤخرًا؛ إذ لم نشاهد هذا العام سوى مسلسل «هزاع» و «فرسان قريح ». ويمكن أيضًا منحه فرصة إخراج حلقات ضمن أعمال متعدّدة القصص، أو العمل مُخرجًا منفذًا إلى جانب أصحاب الخبرة، بصلاحيات فعلية لا بمجرّد إضافة اسمه إلى شارة النهاية.
وفي المقابل، تقع على المُخرج السعودي مسؤولية تطوير أدواته الإدارية، وفَهْم اقتصاديات الإنتاج، والقدرة على تحقيق رؤيته ضمن الوقت والإمكانات المتاحة.
القضية ليست معركة بين المنتج والمُخرج، ولا بين السعودي والأجنبي، وإنما هي فجوة بين الطموح الفني وظروف التنفيذ. وليس مزعجًا أن يروي الآخر حكايتنا ، فقد تكون رؤيته إضافة حقيقية إليها. لكن بصراحة، فإن غالبية الأسماء العربية والأجنبية التي أخرجت أعمالًا سعودية حتى الآن لم تكن من الأسماء اللافتة أو الاستثنائية، كما أن معظم ما شاهدناه من أعمالها لم يكشف عن براعة إخراجية تبرّر تفضيلها على المخرج السعودي.
في النهاية، لا يكتمل بناء صناعة الدراما السعودية بالإنتاج وحده، ولكن يُقاس أيضًا بقدرتها على صناعة مُخرجيها ومنحهم الفرص الحقيقية، خصوصًا في وقت نمتلك فيه عددًا كبيرًا من المخرجين السعوديين الباحثين عن مساحة للعمل وإثبات قدراتهم.
اقرأ أيضا: تراجع إنتاج الأفلام السعودية… تصحيح أم تراجع في السوق؟