فاصلة

مقالات

«كريا كويرفوس»… الموتى لا يغادرون البيت

Reading Time: 8 minutes

تغسل «آنا» الكأس في الدقائق الأولى من الفيلم، ولا تفعل غير ذلك تقريبًا. تنزل السلّم في قميص نومها الأبيض، وتعبُر الغرفة التي مات فيها أبوها منذ لحظات، وتحمل الكأس إلى المطبخ، وتغسلها في الحوض بهدوء من يعرف أنّه يخفي جريمة. ثم تفتح باب الثلّاجة، فتظهر خلفها أمّها فجأة، هادئة، عادية، تخاطبها بحنان، مع أنها ماتت قبل أشهر. لا تصاحب ظهورها موسيقى تُنذر بالفزع، ولا تتغيّر إضاءة الغرفة. تدخل الأمّ المشهد وكأنها لم تغادره قطّ.

لا نعرف بعد، حين نرى «آنا» في هذا المشهد، أنّ الرجل الذي تركته في الغرفة قد مات فعلًا. نسمع فقط كلمات مبهمة تتسرّب من خلف باب مغلق قبل أن تنزل السلّم: «أحبّك»، «لا أستطيع التنفّس». تخرج امرأة نصف عارية من تلك الغرفة، وتتبادل مع «آنا» نظرة مضطربة قبل أن تفرّ من البيت. لا تنطق «آنا» بكلمة واحدة طوال هذا المشهد. يكفي وجهها الشاحب، الخالي من أيّ تعبير، ليقول كلّ شيء تقريبًا.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

تتبع الحكاية «آنا»، الطفلة التي تعتقد أنها قتلت أباها بمسحوق ظنّته سمًّا بعد وفاة أمّها بأشهر، فتنتقل للعيش مع عمّتها «بولينا» وأختيها وجدّتها المسنّة في بيت مدريدي مغلق على نفسه. تتردّد الأمّ الميتة على «آنا» في مشاهد ذاكرة وخيال لا يميّزها الفيلم بوضوح عن الحاضر.

لم يكن وجه الطفلة أنا تورّينت جديدًا على الجمهور الإسباني في تلك السنة. مثّلت قبل عامين طفلة أخرى صامتة تواجه عالمًا مفزعًا من الكبار، في فيلم «روح خلية النحل» لفيكتور إيريثي. يحمل وجهها في الفيلمين التعبير الجامد نفسه تقريبًا. كتب ساورا دورها في الفيلم الذي نتحدّث عنه، «كريا كويرفوس»، خصيصًا لها، بعد أن رآها في ذلك الفيلم، مقتنعًا على ما يبدو بأنّ هذا الوجه وحده قادر على حمل الفيلم بأكمله.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

تعتقد «آنا» أنها قتلت أباها. وضعت في كأس حليبه مسحوقًا أبيض ظنّته سمًّا، فمات بعدها بساعات قليلة، ولم يخطر ببالها قطّ أنّ قلبه توقّف وهو في فراش امرأة أخرى غير أمّها، بينما فرّت تلك المرأة من البيت في نصف ملابسها. تحتفظ «آنا» بعلبة المسحوق نفسها، وتخطّط لاستخدامها مرّة أخرى، هذه المرّة على عمّتها «بولينا» التي وصلت بعد أسابيع لتدير البيت. يشغلني في هذا الخيط، أكثر من أيّ تأويل سياسي جاهز، أنّ اعتقادها بالقتل يظلّ حيًّا في داخلها سنوات طويلة، رغم أنّ المسحوق، وهو بيكربونات الصوديوم العادية كما يتّضح لاحقًا، لا يمكن أن يقتل أحدًا. تفتقر «آنا» إلى كلّ سلطة أخرى في حياتها؛ لا تملك سلطة على مرض أمّها، ولا على موتها، ولا على خيانات أبيها، ولا على القرارات التي يتّخذها الكبار من حولها دون استشارتها. تملك فقط، أو تظنّ أنّها تملك، سلطة واحدة: أن تصنع الموت بيدها.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

يموت الأب في الدقيقة الأولى من الفيلم. تبقى بعده آثاره فقط: سلطته، عاداته، صورته المعلّقة في زيّه الرسمي، والبيت الذي صاغه على مثاله. يغصّ بيته فور وفاته بشخصيات النظام الآتية لتوديعه، وتمتلئ الغرفة نفسها التي كانت قبل ساعات مسرحًا لخيانته الزوجية بضبّاط ورجال دولة يقفون في صمت أمام جثّته. تُجبر البنات على تقبيل الجثّة. تحمل البنات بنادق يقلن إنّ أباهنّ تركها لهنّ، وتصوّب «آنا» فوّهة إحداها نحو عمّتها «بولينا» وهي تلعب، دون أن يبدو عليها أنّها تدرك ثقل ما تفعله.

يبدو البيت من الخارج فسيحًا ومريحًا طبقيًا، بحديقته الواسعة ومسبحه الفارغ من الماء، لكنّه يضيق شيئًا فشيئًا كلّما طال بقاء الكاميرا داخله. تشبه ستائره المعدنية قضبان سجن أكثر ممّا تشبه نوافذ بيت عادي. وكلّما خرجت الكاميرا إلى الشارع، امتلأ الإطار بضجيج حركة المرور، وملصقات إعلانية لسلع استهلاكية، وحياة مدريد التي تستمرّ بصرف النظر عمّا يجري خلف جدران هذا البيت المغلق على نفسه. لا أحتاج إلى أن أشرح كثيرًا لماذا يبدو هذا البيت استعارة عن إسبانيا في تلك السنوات؛ تكفي الصورة بنفسها. يبقى هذا المسبح فارغًا طوال الفيلم تقريبًا. لا يسبح فيه أحد، ولا يذكره أحد بصوت عالٍ.

تلبس شخصية الأب دلالتها الأثقل حين نتذكّر أنّ الفيلم صُوّر في صيف 1975، بينما كان فرانكو نفسه يحتضر، وعُرض في مدريد في السادس والعشرين من يناير 1976، بعد نحو أربعين عامًا من اندلاع الحرب الأهلية. لا أعرف إن كان ساورا يقصد أن يجعل من أب «آنا» استعارة مباشرة عن فرانكو، لكنّني أعرف أنّ هذا التوقيت وحده كافٍ لتحميل موت هذا الأب كلّ الشحنة التي يحملها موت رجل واحد يُفترض أنّه يجسّد نظامًا بأكمله. يموت الرجل، وتبقى طريقته في إدارة البيت. تصل العمّة «بولينا» بعد أيام، فتفرض نظامًا صارمًا في المواعيد والأكل والسلوك، دون أن تكون نسخة طبق الأصل عن الأب.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

يحمل عنوان الفيلم مثلًا شعبيًا إسبانيًا قديمًا: «ربِّ الغربان فتفقأ عينيك»، يُقال عادة عمّن يسيء تربية أبنائه فيرتدّ عليه سوء تلك التربية يومًا. يصلح هذا المثل تحذيرًا لنظام صنع أجيالًا كاملة من الأطفال داخل بيوت مغلقة مثل هذا البيت، دون أن يعرف كيف ستنقلب عليه تلك الأجيال حين تكبر. يصلح أيضًا، وبشكل أضيق وأكثر إيلامًا، وصفًا لما يزرعه هذا الأب تحديدًا في «آنا»؛ خوفها من الموت، ووهمها بالقدرة عليه، وهو ما سيبقى فيها بعد رحيله مهما تغيّر من يدير البيت من بعده.

لم يكن ساورا غريبًا عن الصدام مع الرقابة حين صنع هذا الفيلم. رفض الرقيب نسخًا متعدّدة من سيناريو فيلمه السابق «آنا والذئاب»، وواجهت أفلامه الأخرى قصًّا وتعديلات متكرّرة طوال سنوات حكم فرانكو. حصل ساورا في «كريا كويرفوس» للمرّة الأولى على سيطرة فنّية كاملة، فوقّع باسمه على القصّة والسيناريو والإخراج معًا، ومرّ الفيلم، رغم نقده للنظام، دون أيّ حذف تقريبًا، ومنحه «مهرجان كانّ السينمائي» في العام نفسه جائزة لجنة التحكيم الكبرى.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

الغرفة التي تدخلها الأم

لا يُعتّم ساورا الصورة عند الانتقال بين الذاكرة والحاضر، ولا يُدخل موسيقى تُنذر بالتحوّل، ولا يقول لنا أحد إنّ ما نراه الآن حلم أم تذكّر. تدخل الأمّ المشهد وتخرج منه بالطبيعية نفسها التي تدخل بها الخادمة «رزا» أو العمّة «بولينا». تدخل «آنا» الماضي كما تدخل أيّ غرفة أخرى في البيت، ثم تخرج منه لتتابع يومها العادي، دون أن يبدو عليها أنّها فعلت شيئًا غريبًا.

تتدخّل في هذا النسيج الزمني «آنا» البالغة أيضًا، التي تروي الأحداث من موقع سنة 1995، وتؤدّيها الممثّلة نفسها التي تؤدّي دور الأمّ، جيرالدين شابلن. تحتفظ شابلن بصوتها الإنجليزي الأصلي حين تؤدّي دور الأمّ، بينما يُدبلج صوتها حين تؤدّي دور «آنا» البالغة بصوت ممثّلة إسبانية أخرى. تعترف «آنا» البالغة بنفسها بأنّها لم تعد تتذكّر أو تفهم كثيرًا ممّا مرّت به الطفلة التي كانتها. يذكّرنا حضورها بأنّ الذاكرة نفسها ناقصة، حتى حين تُروى بصوت من عاشها بنفسه.

يربط ساورا المشاهد الحقيقية بلقطات بعيدة تُبقي الكبار على مسافة من الكاميرا، بينما يقترب في مشاهد خيال «آنا» مع أمّها الميتة عبر لقطة وعكس لقطة تُشرك المشاهد في الحوار المتخيّل وكأنه حقيقي. تتكرّر أيضًا لقطات عالية الزاوية تنظر من سطح مبنى مجاور إلى الفتيات وهنّ يلعبن في الحديقة المعزولة. حين تتخيّل «آنا» نفسها تقفز من هذا الارتفاع، تدور الكاميرا بعنف لتعيد إنتاج دوار السقوط المتخيّل نفسه.

هل تهرب «آنا» في المستقبل من المصير الذي عاشته أمّها -زواج بلا حبّ، وموهبة موسيقية مهجورة، وموت مبكّر- أم تعيد إنتاجه بشكل مختلف؟ لا يجيب الفيلم، ولا أظنّ أنه يريد ذلك. استخدم ساورا حيلة الازدواجية بين الطفل والبالغ من قبل، في فيلمه السابق عن ابنة عمّه أنجيليكا، حين مثّل رجل بالغ طفولته هو نفسه. تؤدّي هذه الحيلة في «كريا كويرفوس» امرأة تبحث عن الانفكاك من سجن ماضيها.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

تجلس الجدّة معظم الوقت على كرسيّها المتحرّك، صامتة، شبه ساكنة، تقلّب بيدين مرتجفتين صورًا فوتوغرافية قديمة. تحمل بعض هذه الصور الجدّة نفسها في شبابها، ترتدي فستان زفاف أبيض، محاطة بوجوه لم يعد أحد في البيت يتذكّر أسماءها. لا تملك حتى وهم «آنا» بالسيطرة على الموت، ولا قدرة الأمّ على العودة زائرةً من العالم الآخر. تبقى لها صورها فقط، ماضٍ لا تستطيع أن تغيّره أو تعيده إلى الحياة.

تقضي «آنا» وقتًا طويلًا أيضًا مع الخادمة «رزا»، التي تمشّط شَعرها، وتطوي معها الشراشف، وتحدّثها بصراحة غريبة عن أسرار الجسد والحميمية، أكثر صراحة بكثير ممّا تجرؤ عليه العمّة «بولينا» أو حتى صور الأمّ في ذاكرتها. تمنح «رزا» «آنا» حضورًا بسيطًا، غير مثقل بحساب الماضي أو توجّس المستقبل. تسأل الأخت الكبرى «إيرين» «رزا» ذات مرّة، وهما تطويان الشراشف معًا، عن السنة التي انتهت فيها الحرب، فتجيبها من الذاكرة: 1939. يمرّ هذا التفصيل بسرعة، ضمن محادثة عابرة عن ترتيب البيت، لكنّه يكشف كم أصبحت معرفة تاريخ الحرب نفسها جزءًا عاديًا من تفاصيل الحياة اليومية هنا.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

تعيد البنات الثلاث إنتاج عالم الكبار حين يلعبن؛ يتقمّصن أدوار الزوج والزوجة في شجار متخيّل، ويرسمن شوارب مستعارة بالفحم، ويضعن أحمر شفاه أكبر من أعمارهنّ، ويقلّدن نبرة الأب الحادّة ونبرة الأمّ المتوسّلة. يتعلّم الأطفال هذه الأدوار بالتقليد، قبل أن يملكوا القدرة على فهمها أو رفضها. يلعبن أيضًا الغمّيضة في الحديقة، حيث يعني الإمساك بإحداهنّ موتها المؤقّت وفق قواعد اللعبة، في تكرار بريء الشكل لفكرة الموت التي تشغل «آنا» في كلّ مكان آخر من الفيلم.

تخضع البنات لتمشيط شعرهنّ كلّ صباح، لكنّهنّ يرفضن الأكل بأدب على الطاولة. تمسك «آنا» المسدّس بثقة أكبر من ثقتها بالشوكة أو الإبرة. توجّه نظراتها الصامتة والمتحدّية إلى الكاميرا مباشرة أكثر من مرّة، وكأنها تتحدّى المُشاهد من خلف الشاشة.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

تتكرّر في الفيلم ثلاث قطع موسيقية بإصرار يشبه الطقس: مقطوعة بيانو هادئة للموسيقار الكتالوني فيديريكو مومبو، كانت الأمّ تعزفها بنفسها بأصابع تعرف الآلة جيدًا؛ وأغنية شعبية قديمة تُدعى «آي ماريكروث»، تُشغَّل للجدّة وحدها؛ وأغنية «بوركي تي فاس»، التي تخصّ «آنا» وجيلها فقط، دون أن تُظهر «آنا» نفسها أيّ موهبة موسيقية تُذكر.

تملك «آنا» أسطوانة واحدة فقط، أغنية «بوركي تي فاس» التي تغنّيها المطربة الشابّة جانيت بصوت مرح وإيقاع راقص. ترقص البنات على أنغامها في مشهد من أخفّ مشاهد الفيلم وأكثرها حيوية. لكنّ كلمات الأغنية، حين تُسمع جيدًا، تتحدّث عن الرحيل والفقد، حتى ضوء الشمس على نافذة المدينة يذكّر المغنّية بأنّ حبيبها سيغادر قريبًا. تلتقي في هذه اللحظة الطفولة بالحداد، دون أن يشعر أحد في الغرفة بهذا التناقض.

أجد نفسي مقاومًا إغراء قراءة الفيلم على أنه استعارة سياسية مغلقة، رغم كلّ ما فيه من إشارات إلى فرانكو والحرب والنظام. يبقى في جوهره حكاية طفلة تحاول أن تفهم الفقد وعالمًا قمعيًا من الكبار من حولها، وتحاول أن تنجو منه بأدوات طفولية بسيطة: لعبة، أغنية، مسحوق أبيض تظنّه سلاحًا. تخسر أيّ قراءة سياسية للفيلم تتجاهل هذا البُعد الإنساني الأوّل، ممّا يجعله يستمرّ مؤثّرًا بعد خمسين عامًا من إنتاجه.

Cría cuervos (1976)
Cría cuervos (1976)

أشاهد هذا الفيلم بصفتي ناقدًا جاء من ثقافة أخرى عرفت هي أيضًا حصّتها من البيوت المغلقة وسلطة الأب الغائب الحاضر في آن، ولا أجد صعوبة في التعرّف على هذا النوع من الصمت الذي تصنعه «آنا» حول نفسها. لا يحتاج المرء إلى معرفة تفاصيل تاريخ إسبانيا كي يفهم كيف يعكس بيت عائلي واحد نظامًا بأكمله، ولا إلى مترجم كي يفهم لغة الصمت التي تتكلّمها «آنا» طوال الفيلم.

بعد انتهاء الفيلم، تبقى في الذاكرة صورتان قبل أيّ تفسير: وجه «آنا»، وصوت الأغنية.

أعود إلى هذا العمل بين الحين والآخر لأسباب لا علاقة لها بفرانكو أو بتاريخ إسبانيا في الغالب. أعيد مشاهدته أحيانًا بحثًا فقط عن ذلك الوجه الطفولي الجامد، أو عن تلك اللحظة التي تدخل فيها الأمّ المطبخ دون مقدّمات. يكفيني صمت «آنا» وحده لتبرير المشاهدة من جديد كلّ مرّة.

تنتهي الأحداث في نهاية الصيف. تغادر البنات البيت الكبير، مرتديات ملابس المدرسة، وتسير «آنا» في الشارع وسط ضجيج مدريد وحركة مرورها. لا يخبرنا الفيلم إن كان هذا الخروج بداية حقيقية أم مجرّد استراحة قصيرة قبل العودة إلى البيت نفسه في اليوم التالي. أعرف أنّ إسبانيا ستشهد بعد أقلّ من عامين أوّل انتخابات ديمقراطية منذ عقود، لكنّني أفضّل ألّا أحمّل الفيلم توقّعًا سياسيًا لم يُصرَّح به. أفضّل أن أتذكّره كما بدأ: بطفلة تغسل كأسًا في مطبخ هادئ، مقتنعة بأنّها غيّرت شيئًا ما لا رجعة فيه.

اقرأ أيضا: «ملوك الطريق»… الرجل الذي يدور في مكانه

شارك هذا المنشور

أضف تعليق