فاصلة

مراجعات

«الشهرة المتأخرة»… فيلم الخيبة المتقدّمة

Reading Time: 4 minutes

يحمل الفيلم الأميركي «الشهرة المتأخرة» (Late Fame، 2025)، للمخرج كينت جونز عنوانًا جاذبًا إنسانيًا، يمنح المُشاهد تعاطفًا مسبقًا مع حكاية شاعر منسيّ يُعاد اكتشافه بعد سنوات طويلة من الغياب. وإنما هذا الاكتشاف ظلَّ محدودًا، ولم يبلغ مستوى الشهرة الذي يوحي به عنوان الفيلم؛ فالشاعر لم يحظَ بشهرة حقيقية، وإنما باحتفاء متواضع من مجموعة من الشباب تجمعهم اهتمامات أدبية.

عندما يعيش رجل في تلك السنّ المتقدّمة حياة عادية، لا تتجاوز العمل وأصدقاء الحانة، فإنه يشعرنا بأنه قد تصالح مع نفسه وإيقاع حياته، وتناسى الشِّعر، ولم يعد يتذكّر أنه شاعر، حتى إنّ المحيطين به من جيران وأصدقاء وزملاء عمل لا يعرفون أنه كذلك.

Late Fame (2025)
Late Fame (2025)

لكنّ أحداث الفيلم أخفقت في الإجابة عن التساؤلات المتعلّقة بهذه الشخصية. هل هو شاعر ترك الشِّعر وانغمس في الحياة طواعيةً؟ أم أنه هجر الشِّعر بسبب محدودية موهبته؟ أم بسبب انطفاء موهبته مبكّرًا؟ هل زهد في الوسط الثقافي؟ أم شَعَرَ بمظلومية داخله؟ أم أنه وجد في الحياة بعيدًا عن الشِّعر إيقاعه الطبيعي؟

فقد وجدنا رجلًا ينقاد وراء احتفاء شبابي ادّعى أنه سيعيده إلى الأضواء بوصفه شاعرًا، ثمّ نكتشف أنّ أفراد تلك المجموعة لم يقرأوا قصائده، باستثناء الشاب الذي قدّم نفسه قائدًا لها. وقد شاركهم الشاعر هذا التوهُّم، رغم أنه كان واضحًا أنّ أولئك الشباب ليس لديهم ما يمنحونه من شهرة أو بريق، وأنّ ما يستطيعون تقديمه لا يتجاوز حفلًا احتفائيًا مصغّرًا.

ومع جمالية الفكرة، فإنّ معالجة الفيلم أخفقت في تقديم العمق الذي يتناسب مع طَرْح بهذه الرهافة الأدبية، يقوم على إعادة شاعر مغمور إلى قليل من الضوء.

Late Fame (2025)
Late Fame (2025)

فعندما احتفى الشباب بالشاعر، جاء ردّ فعله غير واضح دراميًا؛ فلم نشعر بحرارة إيقاظ الشِّعر في داخله، ولم نلمس خيبة أمام احتمال أنه لم يعد يمتلك ما يكتبه. كذلك لم نجد بينه وبين الشباب حوارات حقيقية عن الإبداع أو الموهبة أو أسباب انقطاعه عن الكتابة.

لقد غابت هذه التفاصيل لأنّ السيناريو لم يقدّم حوارًا جيدًا يستطيع الكشف عن أعماق الشخصية، وإضاءة علاقتها بالشِّعر وماضيها الإبداعي.

كما جاء إدخال شخصية الشقيق المريض في غير موضعه من البناء الدرامي، فلم يضف بُعدًا نفسيًا أو إنسانيًا واضحًا إلى شخصية الشاعر، وإنما حمَّل السيناريو عبئًا إضافيًا؛ إذ كان عليه أن يفسّر اقتصار حضور هذه العلاقة على مكالمات هاتفية تُبلغه بحالة شقيقه المريض، وأن يقدّم ما يفسّر تجاهل الشاعر لشقيقه وامتناعه عن زيارته. لكنّ الفيلم ترك هذا السلوك من دون سياق مقنع، فتحوّل هذا التفصيل من أداة للكشف عن الشخصية إلى سؤال معلَّق لا يجد إجابة داخل العمل.

Late Fame (2025)
Late Fame (2025)

إنّ مثل هذه الأفلام تقوم حمولتها الإبداعية على عمق الحوار، وهذا ما افتقده الفيلم؛ فقد عانى ضعفًا في كتابة الحوار، ولا سيّما بين أفراد المجموعة الشبابية. والمشهد الأخير، الذي دار فيه الحوار بين الشاعر والشاب الذي أراد أن يقرأ كتاباته، هو الجيّد الوحيد لجهة الكتابة؛ إذ بدا الحوار فيه محكَمًا وذا قيمة درامية، بخلاف معظم الحوارات الأخرى التي افتقرت إلى العمق والقيمة الدرامية.

كذلك، اتّسمت المَشاهد بالرتابة، إذ تكرّر ظهور مجموعة الشباب في مَشاهد متشابهة، بالجلسات ذاتها، والإيماءات ذاتها، والعبارات القصيرة التي لا تُعبّر عن شيء ذي قيمة. ولم يحدُث تطوّر ملموس في طبيعة هذه المَشاهد أو في العلاقات بين الشخصيات، ممّا جعل حضور المجموعة رتيبًا ومفتقرًا إلى الحيوية الدرامية. حتى المشهد الذي يختلف فيه أعضاء تلك المجموعة بدا مفتعلًا، ولم يُبنَ على تراكم درامي في الأحداث يقود إلى تبادل الاتّهامات والتخلّي عن المجموعة.

Late Fame (2025)
Late Fame (2025)

الممثل ويليم دافو، الذي جسَّد دور الشاعر، هو مَن تحمّل عبء الفيلم؛ فقد تميّز أداؤه عن بقيّة عناصر العمل، وحافظ على توازن الفيلم إلى حدّ ما، وإن كانت المَشاهد السطحية لم تمنحه المساحة الكافية لإبراز أبعاد الشخصية النفسية كافّة.

وفي المقابل، أسهم في ضعف الفيلم إخفاق الممثل إدموند دونوفان، الذي جسّد شخصية «مايرز»، قائد المجموعة والوسيط بينها وبين الشاعر. فقد أخفق تمامًا في تجسيد الشخصية بكلّ حمولاتها النفسية والدرامية، وبدا محدود الإمكانات الأدائية، ولم يتمكّن من منح الشخصية الحضور والتأثير اللذين يتطلّبهما دورها المحوري في الفيلم. ولو أنه نجح في أداء دوره، لأضاف إلى الحكاية قوّة درامية.

Late Fame (2025)
Late Fame (2025)

ولم يكن ضعف الأداء مقتصرًا على إدموند دونوفان، إذ شمل بقيّة أعضاء المجموعة؛ فلم تظهر في أداء أيّ منهم تلك اللمعة التي تميّزه، حتى وإن كانت المساحة الحوارية المخصّصة لكلّ منهم محدودة. كذلك، فإنّ الممثلة غريتا لي بالغت في مسرحة أدائها، وكانت تلك المبالغة نشازًا في نسيج الفيلم الحكائي.

والمفارقة أنّ الشاعر يتعلّق عاطفيًا بهذه الشخصية التي تبالغ في أدائها المسرحي أمام المجموعة. وعندما تصبح مثل هذه الشخصية متعلّقة بشخصية غائبة عن الحضور الحقيقي، ومتعلّقة بأوهام المجد المسرحي، فهذا يعني أنّك أمام شخصية لا يُرجى منها شيء. لكنّ هذا التعلّق يتعارض مع معطيات الشاعر الحياتية التي قدّمها لنا الفيلم؛ فهو رجل اعتزل الحياة، وانحاز إلى العيش في دائرة ضيّقة تولّته بحميمية الزمالة والصداقة والتعايش اليومي، بعيدًا عن عوالم الإبداع. فكيف ينجذب إلى امرأة تعيش حياتها بأداء تمثيلي؟ بل إنه عندما زارها في منزلها ورآها في حالتها الحقيقية، لم يندهش من صورتها بعيدًا عن الحالة المستعارة التي ترتديها، ولا من الرجل الذي تقيم معه علاقة، ولم يتساءل: لِمَ هي هكذا؟

هذا التعارض ليس تعارضًا فنيًا في تصوير شخصية الشاعر، وإنما ناجم عن غياب المنطق في استقراء تلك الشخصية. فالشاعر لم يكن شخصية متهدّمة، ولا ساذجة، ولا تُغرى بضوء قليل. لذا جاء رسم تلك الشخصية محمّلًا بمفارقات متضادّة لا يمكن أن تمثّل الصدق الفنّي، الذي هو جوهر بناء الشخصيات في السرد والسينما.

اقرأ أيضا: «كلّ مرّة»… غروب شمس مستحيل

شارك هذا المنشور

أضف تعليق