هل يُمكن القوانين الموضوعة لحماية البشر أن تُسفر عن تعاستهم؟ وما قد يحدث عندما تكون قواعد قبول الاختلاف هي نفسها ما يكرّس العنصرية وضيق الأفق وكراهية الآخر؟
يُشير عنوان الفيلم الطويل السادس للمخرج الروماني الأشهر كريستيان مونغيو، «فيورد»، إلى ظاهرة طبيعية يُطلق عليها «الخلل» أو «الصدع البحري»، وتشير إلى مسطَّح مائي ساحلي طويل وضيق داخل الأرض، ذي جوانب عالية وشديدة الانحدار، ينتج عن جرف الجليد للوادي. ذلك الجرف الذي يحدُث ثلاث مرات خلال أحداث الفيلم التي تدور في قرية نرويجية لا يفوق جمالها سوى هدوئها، ولا يفوق تهذيب أهلها إلا ما قد يُخفيه هذا التأدُّب من قدرة على إصدار الأحكام. مرتان حرفيًا عندما ينهار الجليد من الجبل المجاور للقرية، ومرة عندما تأتي أسرة لتُحدث خللًا في سيرورة الحياة الهادئة.

تبدأ الأحداث بانتقال أسرة جورجيو من رومانيا لتعيش في القرية. الأب الروماني ميهاي مهندس إلكترونيات ماهر، والأم ليزابيت ممرضة نرويجية، يقرران ترك رومانيا مع أطفالهما الخمسة للعيش في النرويج بعد وفاة والدي الزوج. عدد الأطفال يكشف عن طبيعة الأسرة المتديّنة التي تشكل تلاوة الصلوات واتباع التعاليم الصارمة محورًا لحياتهم، وكذلك لأولادهم الذين يختلفون كثيرًا عن مجتمعهم الجديد؛ فهم لا يملكون هواتف محمولة، ولا يستخدمون موقع يوتيوب، ولا يشاركون في الرقص، ولا يغنّون أغنيات حديثة، وغيرها من المحرّمات التي لا تمنعهم من أن يكونوا أسرة متماسكة لديها قواعد تحكمها.
لكن عندما تصل الابنة إلى المدرسة بأثر كدمة واضحة على جسدها، تقرر المعلمات إبلاغ السلطات عن شبهة تعرّضها وأشقائها للعنف الأُسري، لتنقلب حياة الأسرة جحيمًا بين عشية وضحاها، ويُنتَزع الأبناء منهم ويُنقَلون إلى مكان آمن وفق القوانين النرويجية، ويصير الأب والأم متّهمين بجريمة خطيرة قد تقودهما إلى السجن وتمنعهما من رؤية أبنائهما إلى الأبد.
عن التصوّرات المُسبقة
منذ أن فاجأ العالم، قبل 19 عامًا، بفيلمه المدهش «4 شهور 3 أسابيع ويومان»، لينال السعفة الذهبية ويؤسِّس موجة السينما الرومانية الجديدة، لا يتوقّف كريستيان مونغيو عن طرح الأسئلة الشائكة أخلاقيًا واجتماعيًا، معتمدًا على موهبته في كتابة سيناريو تكون الشخصيات فيه من لحم ودم، لكنها محكومة بحمولات هوياتية وثقافية تجعلها نماذج مصغرة يمكن من خلالها قول الكثير عن العالم المعاصر، في رومانيا خلال أفلامه السابقة، وفي أوروبا الغربية التي يخرج مونغيو ليصنع فيها، للمرة الأولى، فيلمًا بالكامل.
ولعل خصوصية سينما المخرج الموهوب هي ما جعلت انتقاله إلى خارج بلاده أكثر سلاسة وانسجامًا مع مشروعه الفنّي، مقارنةً بمخرجين آخرين اعتادوا فَقْد الكثير في كل مرة يخرجون فيها من عالمهم المعتاد.

نظريًا، يمكن اعتبار مجتمع القرية مثاليًا للأسرة المنتقلة إليه، بما يقدّمه من خدمات وتعليم راقٍ واستقبال مُرحَّب من الجميع، لكن وراء الوجوه المبتسمة تختبئ الأحكام الأخلاقية والعنصرية المبطَّنة تجاه تلك الأسرة الغريبة، كثيرة الأطفال في عالم نادر الإنجاب، والمتديّنة وسط مجتمع لا يضع أغلب أفراده الدين في حسبانهم، والتي تزوَّجت فيها امرأة نرويجية من رجل روماني ينتمي، في نظر كثيرين، إلى ثقافة مختلفة ومتخلفة.
هذه أسرة يُرجّح أن يصدق الناس ارتكاب الأب والأم فيها عنفًا عقابيًا، حتى لو كانت الدلائل على ذلك غير كافية لإدانة أسرة أخرى لا يراها النرويجيون بالقدر نفسه من الاختلاف عن تصوّراتهم السائدة.
تُخلَق هنا المفارقة الكبرى التي يتفرَّع منها كل شيء: إخلاص القانون في حماية حقّ الأفراد في الاختلاف يصير سببًا للتمييز ضدّ المختلف، فقدرة المجتمع على الترحيب باختياراتك والدفاع عنها ليست مطلقة، وإنما تظلّ رهينة أن تكون تلك الاختيارات مُريحة ومتّسقة مع تصوّرات أفراده عن أنفسهم، وعن معنى الحرّية وما يجب أن تكون عليه.
الكلّ يريد مصلحة الأبناء
إلى هنا يبدو ما سبق وكأنه دفاع من «فيورد» عن حق الأسرة في اختيار الطريقة التي تناسبها لتربية الأبناء، لكن أفضل ما في الفيلم هو قدرة المخرج المدهشة على إبقائنا على مسافة من الأسرة، التي نرى يقينًا أن في اختياراتها الكثير من الإفراط والتشدُّد والتحكم غير اللائق في حياة الأبناء.

بل إن ميهاي وليزابيت لا ينفيان لجوءهما أحيانًا إلى العقاب الجسدي، لكنهما يختلفان فقط حول الحيز الذي يمكن أن يكون فيه الأمر فعلًا بسيطًا يهدف إلى تقويم الأبناء، والحدّ الذي يغدو عنده إيذاءً. بالنسبة إلى ميهاي، «مجرّد صفعة على المؤخرة» لا تساوي «الضرب المتكرّر للأبناء»، لكن بالنسبة إلى المجتمع النرويجي ونظامه القضائي، يختلف الحكم، لا سيما إذا كان الأب رومانيًا والأم ترتدي تنورة واسعة بدلًا من البنطال.
هذه ليست نكتة، وإنما نصيحة حقيقية تقدّمها المحامية للأم قبل جلسة الاستماع: أن ترتدي بنطالًا لأنّ ظهورها بتنورة يخلق موقفًا معاديًا لها!
المدهش في السيناريو هو قدرة مونغيو على جعلنا نقف على مسافة متأمِّلة من الدائرة المفرغة التي يدور فيها الجميع؛ فكما أنّ القوانين والأشخاص يتعنّتون تجاه أسرة جورجيو ويحكمون على ملابسهم وتصرّفاتهم، بل ويختلقون سيناريوهات عنيفة عنهم اعتمادًا على المظاهر، فإنّ الأسرة أيضًا لا تساعدنا على تبنّي موقفها بالكامل.

فهل هم بالفعل متزمّتون يحرمون أبناءهم من تفاصيل صارت جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية؟ وهل الأب يفضّل دعم المهووسين دينيًا وقوميًا اعتقادًا منه أن ذلك سيقوي موقفه، حتى لو كان يعني الاقتراب من أفكار لا يتبنّاها بالكامل، لكنه يستطيع تقبّلها أكثر من الأفكار المتحرِّرة المعاصرة؟
هنا تتجلّى الموهبة الفريدة في طرح السؤال حول هوية مَن يُقرّر مستقبل الأطفال. ففي الماضي، كانت الأسرة تملك مطلق الحرّية في ذلك، بما تضمن في ملايين الحالات اعتداءات بدنيّة وتشوهات نفسية دفعت المجتمعات الغربية إلى التدخُّل لحماية مَن يُشك في تعرضهم للإساءة، وهو تدخُّل نبيل الأهداف بطبيعة الحال، لكنه يثير حزمة من التساؤلات: لماذا يُسمح لطفل في التاسعة أن يتحدَّث عن ميوله الجنسية، بينما يتوتر الجميع إذا تحدَّث عن الدين؟ وهل كون العنف يأتي، في أغلب الحالات، من المتزمّتين يعني بالضرورة أنّ الشك يجب أن يُفسَّر ضدّ أيّ متديّن من دون قرائن كافية؟
والسؤال الأهم: إذا كان الطرفان يتحدّثان عن مصلحة الأبناء، وكان مستقبل الأبناء واختياراتهم سيترتّبان بالضرورة على المكان والقيم التي يعيشون في كنفها، فكيف يمكن تعريف الصواب والخطأ؟ وكيف يمكن تحديد الخطّ الفاصل الذي يصبح فيه التدخل لحماية الأطفال ضروريًا؟
تيار من الأفكار المُحيِّرة يرمينا مونغيو داخله عمدًا، ثم يتركنا نحاول إيجاد حلّ لمعضلة عسيرة.
الصانع الماهر
وبينما لا جديد في كون النرويجية ريناته رينسفه من أفضل ممثلات أوروبا خلال العقد الحالي، إن لم تكن أفضلهنَّ على الإطلاق، فإن النجم سيباستيان ستان يُخالف هنا كلّ الصور التي يملكها الجمهور عنه، سواء في أفلامه الهوليودية الضخمة أو في تجاربه المستمرّة مع سينما المؤلّف، ليعود إلى جذوره ويُمثّل دورًا يؤدّي جزءًا كبيرًا منه بلغته الأم الرومانية، ويغيّر شكله إلى درجة أنّ بعض المشاهدين لم ينتبهوا إلى أنه بطل الفيلم إلا مع عناوين النهاية.

يُجيد كريستيان مونغيو، مثل عادته، توجيه ممثليه بإحكام، ليُخرج منهم أداءات تجمع بين الهدوء الخارجي والصخب الداخلي. لا يستعرض ممثلوه عضلاتهم أبدًا، لكنك في كلّ أفلامه تدرك حجم الغليان الداخلي الذي تُخفيه كلّ شخصية، لا سيما في حالتنا مع زوجين يؤمنان بأن المجتمع العلماني المُخالف لقواعد الإله يُحاول حرمانهما من أقرب الناس إليهما، بينما يجب عليهما الامتثال والتظاهر باحترام النظام القانوني خوفًا من خسارة القضية والأولاد إلى الأبد.
تُحرّك القضية كثيرًا من المياه الراكدة في المجتمع المحلّي، وتتطوَّر الأحداث إلى نقطة ينبغي للعائلة عندها اتخاذ قرارات حاسمة تتعلَّق بمستقبلها، لتتجلَّى عبقرية صانع الأفلام الموهوب في تلميحه إلى ما يمكن أن تؤول إليه أمور تلك الأسرة في المستقبل القريب؛ فهم، وإن تعاطفنا مع حيرتهم أمام فَهْم العالم الخاطئ لهم وحكمه القاسي عليهم، يديرون مؤسّسة غير قابلة للاستدامة، ستتفكَّك عند أول نقطة يُقرّر فيها الأبناء أنهم أحرار في اتخاذ قراراتهم الحياتية، وأنّ المستقبل قد يفيده بعض التوجيه الأبوي، لكنه من المستحيل أن يُحسم عبر التعنيف الجسدي، حتى لو كان في صورة «مجرّد صفعة بسيطة على المؤخرة»!
اقرأ أيضا: «حكايات متوازية»… فرهادي وكيشلوفسكي بين التلصص والخيال