فاصلة

أخبار وتقارير

سيباستيان ستان وريناتي رينسف يكشفان كواليس فيلمهما عن العالم المنقسم ضدّ نفسه

Reading Time: 4 minutes

شهد مهرجان «كانّ» السينمائي الدولي المؤتمر الصحافي الخاص بفيلم «Fjord ـ الفيورد» للمخرج الروماني الحائز على السعفة الذهبية كريستيان مونغيو، بحضور طاقم العمل الذي ضمَّ النجم سيباستيان ستان، والنجمة ريناتي رينسف، والوجه الجديد ليزا كالهيد.

وتناول المؤتمر كيفية تحويل العناوين الإخبارية الحقيقية إلى دراما سينمائية تلامس صراع القيم المعاصرة، إلى جانب مناقشة الانقسام المجتمعي والروابط العائلية في ظلّ القوانين الحديثة.

وفي بدايته، أوضح المخرج كريستيان مونغيو، ردًا على سؤال حول تأثره بخلفيته الصحافية السابقة في اختيار موضوعات أفلامه من عناوين الأخبار، أنّ هذا الأمر ينطبق بالفعل على هذا الفيلم، لكنه يتبع دائمًا منهجية تقوم على ترك سنوات تمرّ بين قراءته للخبر والبدء في صناعة الفيلم.

وأشار إلى أنه لا يُعيد تمثيل الأحداث الحقيقية كما وقعت، وإنما يتّخذ من القصة الواقعية نقطة انطلاق للحديث عن قضية يراها مهمة داخل المجتمع المعاصر، موضحًا أنه يحتاج إلى وقت حتى تتلاشى الإثارة اللحظية للخبر قبل معالجته سينمائيًا.

وكشف أنه قرأ المقالات الأولى المرتبطة بمثل هذه القضايا قبل نحو عشر سنوات، وبدأ منذ أربع سنوات جمع الحالات وتوثيقها عبر السفر إلى النرويج والتحدُّث مباشرة مع الأشخاص المعنيين.

وأضاف أنه، حين بدأ كتابة السيناريو قبل عامين، كان يمتلك كمًا هائلًا من المعلومات والتفاصيل الجنائية والقضائية الواقعية، التي دمجها داخل الفيلم رغم كونه عملًا روائيًا خياليًا.

تحدّي الأمومة المحافظة

من جهتها، تحدَّثت النجمة ريناتي رينسف عن قبولها تحدّي تجسيد شخصية «ليسبث»، وهي أم مسيحية محافظة لخمسة أطفال، مؤكدة أنها ممثلة تتبع رؤية المخرج بالدرجة الأولى.

وأضافت أنها تحبّ أعمال كريستيان مونغيو، وعندما علمت بقدومه إلى النرويج لصناعة فيلم جديد، التقيا لإجراء قراءة أولية للسيناريو، مشيرة إلى أنّ اختيارها للمشاريع يعتمد على الكيمياء مع المخرج والقدرة على الغوص عميقًا داخل الشخصية.

وأوضحت أنها شعرت بتأثر عاطفي شديد عند قراءة دور «ليسبث»، رغم اختلاف الشخصية تمامًا عن طبيعتها وعن كلّ ما قدّمته سابقًا.

وكشفت رينسف أن أول مشهد صُوّر لها كان من أصعب مشاهد الفيلم، وهو الذي تأتي فيه سيدتان لإبلاغها بالوضع العائلي المعقد، مشيرة إلى أنها تسلَّمت السيناريو قبل التصوير بثلاثة أيام فقط.

وأضافت أنّ أسلوب كريستيان مونغيو يعتمد على تجريد المشهد من الذاتية، والوقوف بحياد وموضوعية أمام الشخصيات والكاميرا، مؤكدة أنها تُفضّل التخلّي عن «الأنا» لخدمة القصّة، وترك مساحة مفتوحة للجمهور كي يفسّر مشاعر الشخصية بنفسه من دون توجيه مباشر.

وأشارت إلى أنها لم تفكر في علاقة هذا الدور بشخصياتها السابقة، لأن ذلك لا يشغلها خلال عملية بناء الشخصية المعقَّدة.

رحلة إعادة الاتصال برومانيا

بدوره، أعرب النجم سيباستيان ستان عن إعجابه القديم بالمخرج كريستيان مونغيو، مستذكرًا أول لقاء جمعهما عندما عُرض فيلم «Graduation ـ التخرج» في مهرجان نيويورك السينمائي، وحضره برفقة والدته، مشيرًا إلى أنّ العمل مع مونغيو كان حلمًا تحقّق.

وأوضح أن الفيلم شكَّل له رحلة شخصية مهمة لإعادة الاتصال ببلده الأم رومانيا، التي غادرها في طفولته وسط ظروف فوضوية، مؤكدًا أنه حاول تثقيف نفسه بشأنها، ووجد أنّ الفنّ والسينما يمثّلان أفضل وسيلة لخلق مساحة تسمح بمعالجة الواقع بطريقة مختلفة.

وأضاف ستان أن كريستيان مونغيو يمتلك عينًا ثاقبة تلتقط ما يحدث في العالم بدقة، مشيرًا إلى أنّ كلّ شيء أصبح واضحًا بالنسبة إليه فور بدء التحضيرات الخاصة بالشخصية، وإجراء التعديلات الشكلية وحلاقة الشَّعر، ممّا ساعده على التخلُّص من بقايا شخصيته السابقة في فيلم «The Apprentice ـ المتدرب».

ومن جانبها، تحدَّثت الممثلة ليزا كالهيد عن انطباعها الأول تجاه كريستيان مونغيو، واصفةً إياه بأنه شخص لطيف جدًا.

وأكدت كالهيد ما ذكرته زميلتها ريناتي رينسف بشأن أهمية وجود ترابط قوي بين الممثل والشخصية، وبين النصّ وصنّاع العمل، معتبرةً أنّ المسألة بأكملها تعتمد على «الكيمياء» المشتركة.
ومازحت الحضور قائلةً إنها تسلمت السيناريو بعد ثلاثة أيام من بدء التصوير الفعلي، مشدِّدة في الوقت عينه على أن التواصل مع المخرج كان ممتازًا.

أزمة انقسام القيم والمجتمعات المعاصرة

وشهد المؤتمر مداخلة من صحافية ألبانية تعيش في فرنسا، أشارت فيها إلى أن الفيلم يعكس بوضوح قوة الروابط العائلية في مواجهة قواعد المجتمع، مقارنةً بين طريقة التفكير الفرنسية والألبانية.

وعقَّب المخرج كريستيان مونغيو على هذه الرؤية، مؤكدًا أنه يفضل ترك التفسير والتحليل للجمهور، لكنه أوضح أن هدفه الأساسي يتمثَّل في الإضاءة على إحدى أهم قضايا المجتمع المعاصر، وهي «صراع القيم» بين القيم التقليدية والمحافظة من جهة، والقيم التقدّمية من جهة أخرى.

وحذَّر مونغيو من أنّ هذا الصراع أدَّى إلى انقسام المجتمعات إلى جماعات باتت تكره بعضها بعضًا، مشيرًا إلى أنه، رغم الادعاء بالعيش في عالم معولم، فإنّ المجتمعات لم تكن يومًا أكثر انقسامًا مما هي عليه الآن، سواء في رومانيا، أو النرويج، أو الولايات المتحدة، أو فرنسا.

وأضاف أن الخطوة الأولى نحو التفاهم تبدأ بالاستماع والتشكيك في اليقين المُطلق، مستشهدًا بخلفيته القادمة من رومانيا الشيوعية، حيث كانت هناك «حقيقة واحدة» يفرضها الطرف الأقوى.
وأكد أنه حتى داخل المجتمعات التقدّمية تجب إعادة التشكيك من وقت إلى آخر في القيم التي يُراد فرضها على الآخرين، معتبرًا أنه إذا كانت هذه القيم جيدة فعلًا، فيجب إقناع الناس بها لا فرضها بالقوة.

تجسيد وجهات النظر

وفي ما يتعلق بسؤال حول كيفية تطوير أداء تمثيلي واقعي قائم على العواطف الداخلية العميقة من دون مبالغة خارجية، أوضحت ريناتي رينسف أنّ المدهش في العمل مع كريستيان مونغيو هو بناء شخصية تؤمن بدينها بعمق، وتتعامل بتواضع وامتنان كبيرين مع ظروف حياتها، وهو ما انعكس مباشرة على حركتها الجسدية.

وأضافت أنّ مونغيو رفض تمامًا إصدار أحكام على نوايا الشخصية، ممّا جعل تجسيد دور يحمل منظورًا مختلفًا تمامًا عن حياتها الشخصية تجربة معقّدة ومُلهمة، تكشف مدى صعوبة فهم الآخرين بالكامل، لكنها تفرض في الوقت عينه التعاطف معهم وتقديم الرعاية الإنسانية لهم.

ومن جانبه، أشار سيباستيان ستان إلى أنّ إجراء البروفات في رومانيا لأسابيع، وزيارة بعض الكنائس الخمسينية ضمن البحث الميداني، شكّلا جزءًا أساسيًا من التحضير وتعميق الأداء الداخلي.

وأوضح أنه، رغم تنقله الدائم بين أميركا وفيينا ورومانيا، فإنه نشأ داخل بيئة رومانية تقليدية ساعدته على فهم تفاصيل النصّ، لافتًا إلى أنه يعيش حاليًا مرحلة يفكر فيها بموضوع إنجاب الأطفال ومعنى أن يكون الإنسان أبًا في عالم اليوم، ممّا غذَّى مشاعره تجاه الدور.

وختم ستان حديثه بالتأكيد على أنّ الممثل يجب أن يكون متجردًا من الأنانية، ويضع نفسه بالكامل تحت تصرّف مخرج ذكي، مشيدًا بدقة كريستيان مونغيو التي دفعته إلى تقديم أداء مختلف تمامًا عن كلّ ما قدَّمه سابقًا.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق