عاد المخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف إلى المسابقة الرسمية في مهرجان «كانّ» السينمائي بعد غياب دام تسع سنوات، عبر فيلمه الجديد «Minotaur ـ مينوتور»، الذي يغوص في عالم مضطرب من الفساد والانهيار الداخلي والعلاقات المتصدِّعة داخل روسيا عام 2022.
وخلال المؤتمر الصحافي للفيلم، قدَّم زفياغينتسيف فريق عمله الذي ضمّ المنتج شارل غيليبر، والمؤلِّف الشريك سايمون لياشينكو، إلى جانب بطلَي العمل إيريس ليبيديفا ودميتري مازوروف، والمنتج ناتانيل كارميتز.
وعبَّر المخرج الروسي عن امتنانه العميق لعودته إلى هذه المنصة السينمائية، واصفًا الحدث بأنه من أعظم المحطات في حياته خلال العقد الأخير، مؤكدًا أنّ العودة إلى السينما عبر نافذة مهرجان «كانّ» تبدو فرصة استثنائية يكاد المرء يظنّها مستحيلة، ومن الصعب تقدير أثرها الكبير عليه.
وتدور أحداث الفيلم حول «غليب»، مدير شركة ناجح، يجد نفسه مُحاصرًا بضغوط متزايدة من عالم الشركات ومن مجتمع يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، لتبدأ حياته المُنظَّمة بعناية في الانهيار والانزلاق نحو العنف.
وردًا على أسئلة الصحافة بشأن علاقته بالمادة الروسية وهو يعيش في الغربة، أكد زفياغينتسيف أنه، رغم مغادرته روسيا منذ سنوات وقضائه وقتًا طويلًا في فضاءات جغرافية وفكرية مختلفة ربما أضعفت بعض روابطه اليومية بالداخل، فإنّ السنوات التي عاشها في وطنه جعلته خبيرًا بطبيعة تفكير الشعب الروسي وردود أفعاله، إلى جانب فهمه العميق لملفات الفساد المُستشرية هناك وفي العالم عمومًا.

وأوضح أن اختياره اللغة الروسية لفيلم «Minotaur» نابع من كونها «مصفوفة وعيه الأساسية» في تعرية هذا العالم المضطرب الذي يعيشه بطل الفيلم، مشيرًا إلى أنّ التعبير عبر الفنّ يُمثّل امتيازًا حقيقيًا يتجاوز الشعارات والبروباغندا السياسية الجوفاء، أو النقاشات المستهلكة على الإنترنت التي تُفقد الكلمات قيمتها.
وأضاف أنه يفضل اللجوء إلى لغة الصمت والإيماءة الفنية لمخاطبة الجمهور والتعبير عما يمرُّ به العالم، مُلمحًا إلى أنّ مشاريعه المقبلة قد تنفتح على اللغتين الفرنسية والإنجليزية وفق ما يمليه القدر.
أما عن سرّ تركيزه الدائم على العائلات المفكَّكة والعلاقات الزوجية المضطربة، التي توازي الانهيار الذي يعيشه أبطال أفلامه داخل العمل والمجتمع، فكشف المخرج الروسي أنه يكتب أساسًا عما يتنفسه ويعيشه شخصيًا، معتبرًا أنّ العائلة هي ساحة المعركة الحقيقية التي يختبر فيها الإنسان أصعب خياراته بين ذاته ومَن يحبهم.
وأضاف زفياغينتسيف أنّ ما يثير شغفه السينمائي في العلاقات الأسرية هو تجرُّد الإنسان داخل منزله من جميع أقنعته الاجتماعية؛ فالمرء في بيته لا يملك خيارًا سوى أن يكون عاريًا تمامًا من الزيف، بعيدًا عن الرغبة في نيل إعجاب الآخرين كما يحدث في الحفلات والمناسبات العامة.
وهذه اللحظة الإنسانية الفاصلة هي ما يحاول استكشافه بعمق، ليرى كيف يتصرَّف البشر عندما تضيق بهم السُّبل وتتسارع الأزمات من حولهم.
من جانبه، تحدَّث الكاتب الشريك سايمون لياشينكو عن كواليس تعاونه الأول مع المخرج في بناء هذه الحبكة الدرامية المتفجرة، مستعيدًا بداية علاقتهما قبل عشر سنوات، حين أرسل إلى زفياغينتسيف رسالة يعبِّر فيها عن إعجابه بطريقة مشاركته لتجربته الإبداعية داخل الورشات الفنّية.
وأوضح أنه تلقَّى ردًا بعد عام ونصف عام، أشاد فيه المخرج بأسلوبه في الكتابة، لتتطوَّر العلاقة لاحقًا إلى صداقة أثمرت عن كتب ومقالات مشتركة، إلى أن جاء عام 2022، حين دعاه زفياغينتسيف للمشاركة في كتابة نص «Minotaur»، الذي يوثِّق تلك المرحلة والتحوّلات العنيفة داخل المجتمع وعالم الشركات.
وعلَّق لياشينكو على هذا العرض بالقول إنه كان «من المستحيل رفضه».
بدوره، وصف الممثّل الرئيسي دميتري مازوروف تجربة العمل مع زفياغينتسيف بأنها تُشبه العزف تحت قيادة مايسترو يقود أوركسترا موسيقية، إذ يعتمد التوجيه على الهمسات والنغمات الخافتة والتفاصيل الدقيقة.
وأكد أنه وضع ثقته الكاملة في المخرج وتركه يقوده طوال مرحلة التصوير لتجسيد هذا الانهيار النفسي والمهني للشخصية.
وعقَب زفياغينتسيف على ذلك موضحًا مدى تأثره بسينما المخرج الفرنسي الراحل كلود شابرول، مشيرًا إلى أنّ فكرة اقتباس الفيلم ونقله إلى السياق الروسي وُلدت لديه عام 2017، بعد فيلمه «Loveless ـ بلا حب»، وقبل اندلاع الحرب بوقت طويل، إذ أراد ملء الفراغات التي تركها شابرول في فيلمه الأصلي، خصوصًا ما يتعلَّق بحياة البطل داخل عالم العمل والشركات.
وأوضح أنّ القدر تدخل بشكل غريب عندما كان يوقع عقد الفيلم في باريس في سبتمبر 2022، إذ أعلن النظام الروسي، بعد أسبوع فقط، التعبئة العسكرية الجزئية، وهي المصادفة التاريخية التي دفعته إلى إدخال التعبئة في النص، لتصبح الخلفية السياسية والواقعية التي تُفسّر انهيار حياة البطل وتدفعها نحو العنف.

وفي ختام المؤتمر، تحدَّثت الممثلة إيريس ليبيديفا عن شخصية «غالينا»؛ الزوجة التي تعيش داخل هذا المحيط المتوتّر وتتأرجح بين الخوف الشديد والشجاعة في مواجهة عالم زوجها المتداعي.
ونفت أن تكون قد استلهمت الدور من نموذج نسائي محدَّد، مشيرة إلى أنها استندت إلى مقولة شهيرة للشاعر الروسي المهاجر غيورغي إيفانوف، حول كون المرأة لا توجد بذاتها، بل بوصفها جسدًا وضوءًا منعكسًا.
وأكدت أنّ شخصيتها في الفيلم لا تُمثّل المرأة الروسية فقط، وإنما تُشكّل جزءًا من لوحة فسيفسائية عالمية تعكس مخاوف المرأة المعاصرة وقلقها في مواجهة أزمات المجتمع والأسرة وعنف التغيرات المفاجئة، ليتكامل دورها مع الرؤية العامة للفيلم التي تربط مصير الأفراد بسياق عالمي غير مستقرّ تنهار فيه كلّ الخطط المُنظَّمة بعناية.