وسط حضور صحافي كثيف، استضاف مهرجان «كانّ» السينمائي المؤتمر الصحافي لفيلم «Bitter Christmas ـ عيد ميلاد مرّ» للمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار، المشارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ79.
وتناول المؤتمر كواليس تحويل آلاف الخصوصيات المسرَّبة من حياة المخرج الإسباني والمحيطين به إلى مادة سينمائية، إلى جانب انتقاده الرقابة والتهديدات التي تواجه الهوية الإبداعية المعاصرة.
وتدور أحداث الفيلم حول «راؤول»، وهو مخرج سينمائي يحظى بشعبية جارفة، لكنه يجد نفسه مكبَّلًا بأزمة إبداعية خانقة تعجز معها أدواته الفنّية.
وتنقلب الأحداث عندما تضرب مأساة مفاجئة أحد أقرب معاونيه، وبدلًا من الاستسلام للحزن التقليدي، يحوّل «راؤول» هذا الألم الإنساني إلى شرارة إلهام ومادة خام لفيلمه الجديد.
ومع تدفُّق الكتابة، تنسج مخيلته شخصية «إلسا»، وهي مخرجة غارقة في كتابة سيناريو خاص بها، لتبدأ رحلتها السينمائية في التوازي والتقاطع مع رحلته الشخصية، قبل أن يتحوّل الاثنان إلى وجهين لعملة واحدة داخل لعبة مرايا نفسية وفنّية معقّدة.
وفي بداية حديثه، أوضح ألمودوفار الرابط الوثيق بين مشروعه الجديد وفيلمه السابق «Pain and Glory ـ الألم والمجد»، معتبرًا العملين ثنائية متصلة تتناول سيرته الذاتية.

واستفاض في المقارنة، مشيرًا إلى أن الألم في «الألم والمجد» كان شللًا جسديًا يعيق المبدع بسبب آلام الظهر والكتفين، بينما يتناول «عيد ميلاد مرّ» ألمًا أخلاقيًا ونفسيًا مزمنًا.
وأكد ألمودوفار أنه يرى نفسه بوضوح في شخصية البطل «راؤول روسيتي»، الذي يعيش أزمة وجودية قاسية تفصمه عن الإلهام وتدفعه إلى الانطواء بحثًا عن قوة داخلية جديدة.
أنانية المبدع وجدلية سرقة آلام الآخرين
وتطرَّق ألمودوفار إلى تشريح الطبيعة النفسية لصانع الأفلام، واصفًا إياه بالأناني والمتمحور حول ذاته، إذ يستلهم البطل فكرته من شخص آخر من دون أن يستأذنه أو يضع مشاعره في الحسبان، لأن ما يهمه في النهاية هو الفكرة التي تخدم كتابته.
ورأى أنّ هذه الأنانية تُمثّل خطرًا حقيقيًا على المحيطين بالمبدع، وتفتح بابًا لجدل أخلاقي لم يُحسم بعد بشأن الحساسية الأخلاقية للفنان.
وردًا على سؤال حول المسؤولية الأخلاقية والشعور بالذنب تجاه «سرقة» آلام الآخرين لصناعة الفنّ، اعترف ألمودوفار بوجود هذا المزيج من المشاعر، موضحًا أنه يعتمد على مزج الخيال بالحقائق المستوحاة من محيطه، حتى لا تتطابق الشخصية الواقعية بالكامل مع نظيرتها في الفيلم.
وأكد أيضًا أن الإبداع قوة غامضة وجارفة تجعله عاجزًا عن التراجع بمجرّد شعوره بموجة الإلهام، حتى وإن كانت العواقب غير مضمونة.
البديل الشخصي للمخرج
ومن جانبه، قدَّم الممثل ليوناردو سباراغليا رؤية مغايرة من منظور الممثل، مؤكدًا أنّ الممثل لا يخوض هذه الجدليات الفلسفية خلال التصوير، ولا يشعر بأنه يمارس دور «مصاص الدماء» الذي يتغذَّى على حيوات المحيطين به.
وأوضح أنه يضع نفسه بالكامل في خدمة المخرج لفهم ما يحتاج إليه، وما تنطوي عليه الشخصية، خصوصًا أنه يجسّد في الفيلم المُعادل الموضوعي، أو البديل الشخصي، لألمودوفار.
وعقَّب ألمودوفار لاحقًا على هذا الترابط، مشيرًا إلى أنّ الفيلم يعكس أزمة زوجية وفشلًا عاطفيًا مرّ به شخصيًا في حياته، إذ تندمج مستويات الواقع بالخيال، فيصبح البطل امتدادًا له، بينما تمثّل الممثلة باربرا ليني امتدادًا لقصتها، ليعيش الجميع حالة من الفقدان والحداد الجماعي عبر الشاشة.
الرقابة والسياسة العالمية
وفي سياق متصل، أطلق ألمودوفار تصريحات سياسية جريئة ردًا على سؤال حول الرقابة والرقابة الذاتية المفروضة على المجتمع الفنّي عام 2026، في ظل أزمات هوليوود والضغوط التي تمارسها جهات إنتاجية مثل «Canal+».
ووصف الصمت بأنه التعبير الأوضح عن الخوف، معتبرًا إياه عرضًا خطيرًا يشير إلى تآكل الديمقراطية.
وأكد المخرج الإسباني أنّ الفنانين ملزمون أخلاقيًا بالتحدُّث علنًا عن مجتمعاتهم المعاصرة، مضيفًا أنّ على الأوروبيين أن يتحوّلوا إلى درع وحائط صدّ ضدَّ «الجنون والوحوش السياسية» في العالم.
وخصَّ بالذكر نتنياهو، والوضع في روسيا، مشددًا على أن أوروبا تمتلك قوانينها وحدودها، ويجب ألّا تخضع أبدًا لسياسات ترمب.
تكريم تشافيلا فارغاس
وعلى الصعيد الفنّي، عبَّر ألمودوفار عن حبه لنوستالجيا مهرجان «كانّ»، مؤكدًا أنّ الحفاوة الكبيرة التي تلقاها الفيلم ليلة العرض لا تعني الوداع، إذ يملك بالفعل أفكارًا لمشروعه المقبل.
وتحدَّث بحفاوة عن بطلة فيلمه فيكتوريا لينغو، مستعيدًا كيف اكتشفها في عمل للمخرج رودريغو سوروغوين، وقرَّر فورًا ضمها إلى عائلته العاطفية والفنّية.
واستشهد ألمودوفار بمشهد طويل ومعقَّد في الفيلم، تظهر فيه امرأتان تستمعان إلى أغنية، وهو مشهد يفتقر إلى الديناميكية التقليدية، لكنه يحمل عمقًا شعوريًا كبيرًا.
وفيه تذهب فيكتوريا لإحضار الشاي، تاركةً المرأة الأخرى بمفردها، قبل أن تُريها هاتفها المحمول وتُخبرها بأن زوجها موجود في باريس، ممّا يدفع هذه المرأة المعنَّفة إلى اتخاذ قرار هجر زوجها متأثّرة بقوة الأغنية.
وتوسَّع ألمودوفار في الحديث عن خلفية هذه الأغنية للمطربة الراحلة تشافيلا فارغاس، مستعيدًا ذكرياته معها، وواصفًا إياها بأنها معلّمة في فقه الحياة وآلام الهجر والخذلان، إذ كانت تحول الألم إلى طقس جماعي يجتاح الجمهور.
وأشار إلى أن الأغنية، رغم شجنها، تحمل رسالة إيجابية ونبيلة، مفادها أنّ المعاناة والأخطاء المتبادلة في العلاقات تستحق أن تُعاش إذا كان الدافع وراءها هو الحبّ الصادق. وأكد ألمودوفار أنّ تشافيلا فارغاس تركت في نفسه أثرًا لا يُمحى مدى الحياة.
تجسيد المعاناة الجسدية والنفسية
وختمت الممثلتان باربرا ليني وفيكتوريا لينغو المؤتمر بالحديث عن التحدّيات العاطفية والجسدية القاسية التي فرضها العمل مع ألمودوفار.

وأوضحت ليني أن شخصيتها كانت تعاني «الصداع النصفي» في عدد كبير من المَشاهد، مؤكدة أنّ تجسيد هذا الألم الجسدي على ملامح الوجه وفي الصدغين كان شديد الصعوبة، خصوصًا أنها لم تختبره شخصيًا من قبل.
وأضافت أن الفيلم يستكشف للمرة الأولى أصل الألم الجسدي الممتزج بحزن الفقد المُفجع، مثل حالة الأم التي فقدت ابنها.

من جهتها، تحدَّثت فيكتوريا لينغو عن النقاشات الطويلة التي خاضتها مع المخرج لتجسيد مشاعر الخزي والغضب والالتزام والخوف العنيف الذي يجتاح الذات.
وأكدت أنّ النص كُتب ببراعة شديدة، والأجواء التي وفَّرها بيدرو ألمودوفار داخل الاستوديو اتَّسمت باللطف والرحمة والدعم الإنساني الكامل، ممّا أزال أيّ شعور بالقلق، وساعد فريق العمل على ترجمة هذه المشاعر الإنسانية العميقة إلى تجربة سينمائية تتحرَّك على ثلاثة مستويات من الواقع والخيال.