ثمة لحظة في مسيرة كلّ فنان كبير يقرّر فيها أن يتوقّف عن الاختباء. لا خلف الشخصيات، ولا خلف الاستعارات، ولا خلف تلك المسافة المريحة التي يسميها البعض موضوعية. المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار وصل إلى هذه اللحظة في «ألم ومجد» (2019، Pain and Glory)، أو هكذا ظننا.
كَتَب طفولته، كَتَب أمه، كَتَب الحبّ الذي أفلت، والجسد الذي يخذل، والوحدة التي لا تفارق. قلنا إنه أغلق الحساب. قلنا إنّ ما بعد هذا الاعتراف لا يمكن أن يكون إلا صمتًا أو تكرارًا. وأخطأنا.
لأن «عيد ميلاد مرير» (Bitter Christmas)، المنافس على السعفة الذهبية، يكشف أن «ألم ومجد» لم يكن إغلاقًا بل مقدمة. لم يكن الاعتراف الأخير، بل الاعتراف الذي فتح الباب على اعترافات أعمق وأكثر إزعاجًا، اعترافات لا تتعلّق بما عاشه ألمودوفار، بل بالطريقة التي حوّل بها ما عاشه الآخرون إلى فنّ.
ألمودوفار يعترف بأن حياة الآخرين ليست ملكه، والفنّ الذي يبنيه على أكتاف مَن أحبّهم، ومَن آذاهم، ومَن فقدهم، ليس فعلًا بريئًا. وهنا يأتي السؤال: هل يحق للفنان أن يلتهم حياة الآخرين باسم الإبداع؟ هل يحق له أن يحول ألمهم إلى مادة خام لعمله؟

ألمودوفار لا يجيب، لكنه يطرح السؤال بوضوح يكاد يكون فظًا، كأنه قرّر أخيرًا أن يُحاكم نفسه علنًا.
«عيد ميلاد مرير» مبني مثل لعبة ماتريوشكا سينمائية: ثلاث طبقات من السرد، ثلاثة مخرجين، وثلاث قصص تسكن بعضها.
ألمودوفار يكتب سيناريو عن راوول (ليوناردو سباراغليا)، المخرج الكبير الذي يكتب، بدوره، سيناريو عن إلسا (باربرا ليني)، المخرجة التي تكتب فيلمها الجديد مستلهمةً من ألم امرأة مفجوعة في لانزاروت. ثلاث طبقات من الإبداع المبني على الخسارة.
لكن ما يجعل هذه البنية تعمل وتتجاوز الذكاء الشكلي البارد هو أن كل طبقة منها تطرح السؤال نفسه بطريقة مختلفة: من أين تأتي القصص؟ ومن يدفع ثمنها؟

راوول يكتب عن إلسا لأنه يحتاج إلى قصتها. وإلسا تكتب عن المرأة المفجوعة لأنها تحتاج إلى ألمها. والفنان، في كلّ مرة، يأخذ من الآخر ما يحتاج إليه ويُسميه إلهامًا.
ألمودوفار لا يدين هذا الفعل. هو نفسه يفعله داخل الفيلم وخارجه في آن واحد، وهو يعرف أننا نراه. هذه الوقاحة الواعية بنفسها هي ما يمنح الفيلم قوته الغريبة: رجل يضع إصبعه على خطيئته، ثم يستمر في ارتكابها أمامنا.
ألمودوفار دائمًا يختار أماكنه كما يختار ممثليه، بدقة مَن يعرف أنّ كلّ شيء في الكادر يتكلّم. وجزيرة لانزاروت تقول ما لا تقوله الشخصيات: إن بعض الجروح لا تُشفى، بل تتحجَّر وتصبح جزءًا من المشهد، قائمة إلى الأبد، مرئية لمَن يريد أن يرى.
الفيلم لا يسمح لك بالبكاء في هدوء. كلما اقتربتَ من لحظة عاطفية نقية، يتدخَّل ألمودوفار ويذكّرك بأنّ ما تراه مُصنَّع. مُصنَّع بعناية، وبحب، لكنه مُصنَّع.

الميلودراما داخل الميلودراما داخل الميلودراما تخلق مسافة غريبة بين المُشاهد والانفعال. تشعر بالألم، وفي الوقت نفسه تراقب نفسك وأنت تشعر به. هذا ما يجعل «عيد ميلاد مرير» أكثر من فيلم عاطفي؛ إنه فيلم يفكر في آليات العاطفة ذاتها، ويسأل كيف تعمل، ولماذا تعمل، ومتى تصبح استغلالًا.
الجماليات حاضرة مثل العادة: الألوان المشبَّعة التي تحمل دفء الذاكرة، والتكوينات الدقيقة التي تحكي قبل أن تبدأ الحوارات، وذلك الحسّ البصري الفريد الذي صار بصمة لا تحتاج إلى توقيع.
وفي النهاية، يتركنا الفيلم في مساحة معلقة: أمام شاشة ونقطة تومض. السيرة الذاتية لم تكتمل، لأنها لا تكتمل أبدًا. الفنان يكتب حياته طوال حياته، ويُعيد كتابتها، ويكتشف في كلّ مرة أن ما كتبه في المرة السابقة كان أقلّ مما عاشه، وأكثر مما تحمّله الآخرون.
ألمودوفار واعٍ لهذه المعادلة الظالمة ومستمر فيها، واعٍ بأنّ الفن يتطلب ضحايا، وأنّ مَن يسمون أنفسهم مصادر إلهام هم، في الحقيقة، ضحايا مؤدّبون.
«عيد ميلاد مرير» ينكسر في النهاية. ينكسر مثل عمل فني واعتراف. وننكسر نحن معه، لأننا جميعًا، بطريقة أو بأخرى، أخذنا من حياة من أحببناهم ما لم يعطونا إياه، وسمّينا ذلك قصصنا.
اقرأ أيضا: كوريدا يعود إلى «كانّ» بأطفال يُعاد شحنُهم