فاصلة

مراجعات

مينوتور: قربان في عالم بلا حبّ ولا أخلاق

Reading Time: 3 minutes

في الميثولوجيا الإغريقية، تعرَّض «أندروجيوس» ابن الملك «مينوس» للقتل على يد رجال مدينتَي أثينا وميغارا. وعقب ذلك، أخضع الملك مينوس المدينتين وأجبر سكانهما على تقديم 14 من مواطنيهما النبلاء قربانًا للوحش «مينوتور» صاحب رأس الثور وجسد الإنسان.

في الفيلم الأحدث للمخرج الروسي أندريا زفياجنتسيف، يُقدَّم 14 رجلًا أيضًا قربانًا. لكن ما هي الصورة الأحدث لوحش «المينوتور»؟ كيف يظهر العالم الذي يقدّمه لنا زفياجنتسيف؟ والأهم: ما الجديد في معالجة لا تعتمد فقط على أسطورة إغريقية، بل أيضًا على مصدر سينمائي فرنسي؟

الخيانة والحبّ

يبني الفيلم قصته الرئيسية على علاقة رجل أعمال بزوجته الخائنة. يشكّ في خيانتها بعد فتور علاقتهما، ثم يكلّف أحد المسؤولين عن الأمن في شركته بالتحرّي عنها، وبعد تأكده من خيانتها نتابع محاولته، وتشكّكه، في مواجهة عشيقها.

Minotaur (2026)
Minotaur (2026)

القصة ليست جديدة، فهي مقتبسة عن الفيلم الفرنسي «الزوجة الخائنة» لكلود شابرول، من إنتاج عام 1996، والتي شاهدنا نسخة أميركية منها عام 2002، من إخراج أدريان لاين وبطولة ريتشارد غير.

ما يقدّمه زفياجنتسيف هنا هو محاولة لتقديم الخيانة في سياق مكاني وزماني مختلف. المكان هو روسيا، بوصفها معبرًا عن عالم اليوم، والزمان هو التوقيت الحالي بكلّ ما فيه من خصوصية، أحد عناصرها الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

الخيانة تأتي نتيجة لما هو أكبر من المشكلات الزوجية والدراما الاجتماعية، إذ تظهر بوصفها أحد عوارض عالمٍ ماديّ بلا حبّ.

عالم بلا حبّ، بلا أخلاق

في فيلمه البديع السابق «بلا حبّ – Loveless»، قدَّم زفياجنتسيف حكاية أب وأم يرفض كلّ منهما رعاية ابنهما الصغير، ليختفي الابن عقب ذلك من دون أثر.

Minotaur (2026)
Minotaur (2026)

هنا، في «مينوتور»، تظهر الخيانة نتيجةً للملل من فناء المعنى وانعدامه، ثم يتعامل الزوج مع الخيانة من دون أثر حقيقي للحبّ، تعاملًا شبه آلي يتمحور حول التملُّك والسيطرة.

ويتطور الأمر إلى جريمة دموية تأتي من دون ترتيب مسبق، مثل ردّ فعل لحظي، لكن تفاصيلها تصبح، عقب ذلك، سلسلة من الأفعال الآلية الخالية من المشاعر. وهكذا تظهر القرابين في عالمنا الحالي من دون أي أثر لمعناها في الأسطورة الإغريقية.

14 رجلًا روسيًا

يكتسب فيلم زفياجنتسيف معنى جديدًا من خلال سياقه المكاني والزماني. نراه في روسيا الحرب، لكن من دون خطاب سياسي مباشر أو ادّعاء ثوري. تظهر قسوة الحرب مثل وحش جديد، إذ يجري إبلاغ ملّاك كلّ شركة داخل بلدة روسية صغيرة بأنهم مجبرون على تسليم كشوفات بأسماء رجال يمكن ضمهم إلى الجيش الروسي من أجل المشاركة في الحرب، أو «العملية العسكرية» كما يسميها النظام هناك. ومن شركة بطل الفيلم يُطلب تقديم 14 اسمًا.

Minotaur (2026)
Minotaur (2026)

يصبح واضحًا، من دون تفاصيل كثيرة، أنّ الوجود في هذه القائمة يعني خطر الموت بشكل أو بآخر. وهكذا يصبح بطل الحكاية «جليب» في موضع مَن يختار مَن سيُقدَّم قربانًا. لكن، في عالم رأسمالي لا قيمة حقيقية فيه للروح البشرية، تظهر الفكرة الرئيسية في اختيار الأسماء وفقًا لعدم حاجة الشركة إليهم، ثم تتطوَّر الأحداث لتصبح القائمة حلًا سحريًا لـ«جليب» من أجل محو آثار جريمته بعد خيانة زوجته «جالينا».

في مشهد عابر داخل الفيلم، تظهر صورة لرجل روسي بزيّ عسكري على إحدى اللوحات الإعلانية الضخمة، مع شعار مكتوب بخطّ كبير عن أن أبطالنا مخلَّدون إلى الأبد. لكن هذا الأبد لا يستمر سوى ثوانٍ، قبل أن تُزال الصورة وتوضع أخرى جديدة.

تظهر السلطات العسكرية والشرطية الروسية رجالًا عاديين يحاولون عقد صفقات تافهة من أجل استمرار ما هو مطلوب منهم. لا وجود لشر أيديولوجي كبير أو مهم، فكلّ شيء بسيط ومتكرّر ومثير للضحك في كثير من الأحيان.

يقدم زفياجنتسيف، هكذا، استمرارًا لرؤيته المتشائمة لعالم مادي بلا حبّ، تصبح فيه الخيانة وسيلة لقتل الملل، قبل أن يصبح القتل نفسه عملًا مملًا، أما الحرب فهي وحش يلتهم الأرواح من دون وجود لآلهة أو قرابين.

فيلم يليق بعودة صانع سينما كبير بعد 9 سنوات من الغياب، وبعدما كان على سرير الموت خلال سنوات وباء «كورونا».

اقرأ أيضا: «عيد ميلاد مرير»… اعتراف ألمودوفار الأخير؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق