ضمن عروض «أسبوع النقاد الدولي» الموازي للدورة الـ79 من مهرجان «كانّ» السينمائي، شهد الفيلم العالمي الأول للمخرجة اليمنية الإسكتلندية سارة إسحاق «المحطة»، والذي يُعدّ خامس فيلم في تاريخ السينما اليمنية بأكملها. فاليمن لم تنتج سوى أربعة أفلام روائية طويلة، كان آخرها «المرهقون» لعمرو جمال، الذي عُرض في مهرجان «برلين»، ليصبح «المحطة» أول فيلم يمني يُعرض في مهرجان «كانّ».
يدخل الفيلم في حكايات نساء يمنيات شديدة الخصوصية. تعيش هؤلاء تحت وطأة اقتتال أهلي عنيف، يختفي بسببه الرجال، فيتركون ثقلًا مضاعفًا على كاهل تلك النسوة. الحكاية مجرّدة من الأحداث الحقيقية، لكنها تستند إليها. ففي وسط حرب أهلية، هناك طائفتان تقتتلان هما «الصناديد» و«المغاوير»، وبين مطارقها تقع النساء داخل بنية مجتمعية خانقة، إذ يقع على عاتقهن تدبير شؤون المنازل وخارجها، مع التقيّد، في الوقت ذاته، بالقواعد المفروضة عليهن، واضطرار بعضهن إلى تولّي مَهمّات الحكم الإداري بين النساء والأطفال الذين لم يبلغوا سنّ التجنيد، أي اثني عشر عامًا.

إسحاق ليست وافدة من خارج هذا العالم، فخلفيتها الوثائقية العميقة في توثيق اليمن وناسه تجعل من «المحطة» امتدادًا طبيعيًا لمسيرتها، لكنه امتداد نحو أفق جديد. فهي التي صنعت «الكرامة ليس لها جدران» المرشّح للأوسكار عام 2012، إضافة إلى فيلم «بيت التوت»، الذي روت فيه علاقتها بعائلتها في خضم ثورة 2011.
لكنها هنا تختار الخيال، لأنّ الواقع كان أصعب من أن يُصوَّر مباشرة. إذ تحكي أنّ شخصيات «المحطة» مستوحاة من نساء قابلتهن وتعرفهن جيدًا، لكنها لم تستطع التصوير معهن، فاتّجهت إلى صنع فيلمها الروائي الطويل الأول.
في الفيلم، نشاهد المحطة وصاحبتها ليال. محطة وقود تعمل بشكل أساسي على تزويد القرية بالوقود، لكنها تؤدّي وظائف أخرى، مثل توفير المواد المهرَّبة أو الشحيحة في زمن الحرب، منها وسائل منع الحمل، والتبغ، والملابس الداخلية النسائية، وغيرها.
تدير هذه المحطة ليال، وهي ثلاثينية تعيش مع أخيها ليث داخل بيتهما الفسيح، الذي هو ذاته المحطة. وفي المحطة ثلاث قواعد بسيطة: لا رجال، ولا أسلحة، ولا حديث عن السياسة.
إنه عالم متناقض تمامًا مع ما خارجه، تخلع فيه النساء أقنعتهن النفسية والمادية، المضطرات إلى ارتدائها في الخارج، ويعشن نساءً طبيعيات، ولو للحظة.

ليال امرأة ناجحة، بشكل ما. تدير محطة ضرورية للجميع، وتتقن لوجستيات القرية من وقود وغيره. لا يعكّر صفو حياتها إلا ذلك القانون الظالم الذي يفرض إرسال الصبية من سنّ الثانية عشرة إلى ساحات القتال.
تحاول إنقاذ أخيها الصغير ليث عبر دفع رسوم الإعفاء، رغم أنّ كل مَن حولها أشرن عليها بتوفير المال وإرسال الصبي إلى الجيش، لأنه أصبح، وفق تعبيرهن، «رجلًا». ترفض ليال ذلك بشكل قاطع، فتتوجه إلى قائدة القرية، زوجة قائد الصناديد، وهي امرأة تتصرف بسلطة ذكورية، حتى وإن كانت غير مقتنعة في قرارة نفسها، فترفع عليها قيمة الرسوم تعجيزًا لا عقابًا.
تجد ليال نفسها في مأزق، فتتصل بأختها، الساكنة في منطقة المغاوير المعادية، طالبةً المال. تعدها الأخت بالتحويل، لكنها، في الحقيقة، تقرّر المجيء بنفسها. وفي الطريق، يُكلَّف بمرافقتها صبي أكبر قليلًا من ليث، وهو ما يضاعف التعقيد، إذ إنّ عبور امرأة من منطقة المغاوير إلى الجانب الآخر مصيبة، فكيف إذا كانت برفقة مقاتل منهم؟

ورغم قتامة الموضوع، تستخدم إسحاق نغمة فيلمية مليئة باللحظات المرحة والحميمية، التي تُظهر النساء اليمنيات وهن يكافحن للحفاظ على الحياة العادية، ويتلاعبن بالقوانين لإنقاذ أنفسهن وأطفالهن وإخوتهن، ويضحكن في أحلك اللحظات، ويتضامنّ رغم اختلافاتهن.
صوَّرت إسحاق الفيلم في الأردن، لكنها جرّدت الأماكن من هويتها المحدّدة، فجاءت التضاريس شبيهة باليمن الحقيقي. واعتمدت على ممثلات غير محترفات من الدياسبورا اليمنية، وكان توجيهها لهنّ يجعل من الصعب تصديق أنهن لم يمثلن من قبل، وربما كان ذلك سرّ الألفة الحقيقية التي نشعر بها مع هؤلاء النساء وقصصهن.
بصريًا، تستخدم إسحاق درجات البرتقالي بطريقتين: تارة ينعكس دافئًا على أجواء المحطة الهادئة، وتارة أخرى يتحمّل ثقل ويلات الحرب. لكنه، في النهاية، ينحاز إلى الأولى أكثر من الثانية، كأن الفيلم يصر على أن الدفء أعند من الخراب.
إلى جانب ذلك، تُدخِل حيوانًا قلّ ظهوره في السينما، إذ يحتفظ ليث بحيوانات يربيها، لكن الأهم في الحكاية هنا هي الحرباء «خرموش»، التي تمثّل صديقه الوحيد. ورغم أنها قد تدلّ على التلوّن والتغيُّر، فإنها تبرز هنا مجازًا عن قوة البقاء والتكيف مع بيئة تدفعها نحو الهلاك.
لـ«المحطة» أكثر من جانب، فالمحطة هي بالتأكيد محطة الوقود، ومحطة النساء للهروب من ويلات أيامهن، لكنها ربما تعبّر أيضًا عن أن ما يمرّ به اليمن هو محطة سيتخطاها البلد ذو التاريخ العريق.
وبغضّ النظر عن هذا التأويل، فإنّ المؤكد أن الفيلم يمثّل محطة سينمائية مهمّة في تاريخ السينما اليمنية.