فاصلة

مراجعات

«البارح العين ما نامت»… هل يحتاج الهروب إلى سبب؟

Reading Time: 4 minutes

يختار البعض التضحية دفاعًا عن فكرة أو أملًا في مجد، وتختار التضحية آخرين؛ فتظهر لهم من حيث لا يحتسبوا مانحة إياهم فرصة البطولة، وبين أولئك وهؤلاء بشر مختلفون، لم يختاروا شيئًا أو يخترهم، ولا توضع البطولة ضمن حساباتهم، فقط لأنهم فُطروا على عالم يرى الأمور بشكل مختلف. عالم يملي شروطه على كل من فيه، فلا يكون عليهم إلا الامتثال أو الهروب الملطخ بالعار.

ثمة أفلام نسوية تنحاز لقضايا المرأة وتدافع عنها، بصدق وإخلاص أو بانتهازية واستغلال لقضية رائجة، وأفلام أخرى إثنوغرافية تُبحر في أعمال جماعة خاصة من البشر، بمحبة وتفهم أو بسطحية سياحية، بينما هناك أفلام يصعب أن تُوضع داخل هذا التصنيف أو ذاك، لأن الأثر الذي تحدثه في المشاهد يفوق التعامل معها بمنطق محتواها فحسب، فهي سينما لأنها سينما، لا لمجتمع تصوّره ولا قضية تطرحها.

البارح العين ما نامت
البارح العين ما نامت (2026)

إلى النوع الثالث في الحالتين ينتمي «البارح العين ما نامت»، الفيلم الطويل الأول للمخرج الفلسطيني راكان مياسي، والذي اختاره مهرجان كان ضمن مسابقة نظرة ما، المكان الملائم لإلقاء الضوء على موهبة جديدة تستحق أن يكتشفها العالم، وعلى حساسية فيلمية صارت نادرة في عصر الأفلام المُعلبة التي يُشبه كثير منها بعضه، حتى يمكن أن يختلط عليك الأمر في نهاية مهرجان مثل كان، فلا تتذكر أي شخصية تنتمي لأي فيلم. لا مجال لهذا في فيلم يمتك خصوصية مدهشة في كل شيء، بإمكانك أن تحبها أو تكرهها، لكنك بالتأكيد ستتذكرها ويكون لك رأي فيها، وهي ذروة ما يمكن أن يبلغه فيلم يسعى لطرح أسئلة جوهرية عن مكان الفرد من العالم.

ثمن الخطأ العارض

الأحداث تدور في مكان من سهل البقاع، قرية لا يهم كثيرًا معرفة اسمها في ظل فهمنا لأنها قد تكون أي قرية في أي مكان في العالم لا يزال مصير الفرد فيه محكومًا باعتبارات تنتمي لقرون ماضية: أعراف العشيرة، سطوة العائلة، وقبلها ملكية الرجل للمرأة. يبدأ الفيلم باختفاء فتاة من منزلها دون أن نعرف السبب، لتقوم عقولنا تلقائيًا بالتخمين، ربما هربت مع حبيب، أو فرّت من عنف والد أو شقيق، أو ربما ارتكبت جريمة ما فقررت الفرار قبل أن يفتضح أمرها، كلها تخمينات نكتشف مع توالي الأحداث أنها بلا طائل، فسبب الهروب لا يصنع فارقًا في سياق كالذي تعيش الشقيقتان جواهر وريم فيه، والذي فرت جمرة منه.

البارح العين ما نامت (2026)
البارح العين ما نامت (2026)

خلال البحث عن جمرة يرتكب الأخ خطأ وارد الحدوث لأي إنسان: يصدم رجلًا بالسيارة. في الظروف الطبيعية لا يوجد إلا اختيارين للسيناريو المتوقع: إما أن يُعتبر الحادث خطأً لا يستوجب العقاب، أو أن توجد شبهة جنائية فتقوم السلطات بتحرياتها لإدانة المذنب إن ثبُت خطؤه. لكن في هذا العالم الخاص هناك حسابات مختلفة كليًا، الكلمة فيها لعشيرة الضحية التي تقرر إذا ما كان الحادث الذي لم يرونه عارضًا أم مدبرًا، دون أي تحقيقات واعتبارات منطقية، وإذا وجدوه مذنبًا، فالعقاب سيتضمن الانتقام من عشيرته بأكملها، أو مقايضة أمانهم بإهداء امرأة من نساء عائلة الجاني يتزوجها أحد رجال عشيرة الضحية.

بالضبط كما قرأت، الفدية التي تنتمي لما قبل العصور الوسطى تتمثل في تغيير مسار حياة امرأة بالغة، لديها وظيفة وعلاقات وكل ما يمكن لإنسان أن يملكه، لكنها تصير في لحظة غرضًا يتم نقله من هذا البيت لذاك لضمان المصالحة ودرء الفتنة. فهل يُمكن أن نصف من تُجبر على فعل مماثل بالبطولة؟ بينما لم تملك رفاهية اعتراض، حتى لو تمكنت منه فلن يعني هذا إلا إشعال معركة تصير فيها المسؤولة عمّا يسيل من دماء أقرب الناس لها؟ يضعنا راكان مياسي داخل هذا السؤال الأخلاقي الضخم.

أكبر من القضية

غير إنه سيكون من المجحف للفيلم أن تقتصر مراجعتنا على المضمون القيّم لما يطرحه من أفكار، لأن «البارح العين ما نامت» هو بالأساس إنجاز بصري ودرامي وإخراجي، ينجح المخرج فيه أن يوظّف عناصرًا غير اعتيادية في جعل الفيلم أكبر بكثير من حكايته. بداية من صورة بول سيف التي تستخدم النسبة الأكاديمية (مساحة الشاشة الكلاسيكية المربعة) للإيحاء بحصار الشخصيات، فهُم وإن عاشوا وسط طبيعة خلّابة في سهل خصيب، إلا أنهم محكومون بما يجعلهم دومّا محاطين من كل جانب، محاصرين داخل منظومة قيمية واجتماعية تمنعهم من الانطلاق في الحياة بحريّة.

البارح العين ما نامت (2026)
البارح العين ما نامت (2026)

اختار مياسي أن يدير فريقًا تمثيليًا من الهواة، عائلة بدوية كاملة يُمثل أفرادها نسخًا دراميًا من أنفسهم. ريم المولى وجواهر المولى وياسر المولى، احتفظ المخرج حتى بأسماء ممثليه الحقيقية. صحيح أنهم في الأغلب لم يتعرضوا في حياتهم الشخصية لهروب أخت أو حادث سيارة يستوجب زيجة إجبارية، لكنهم يدركون بالتأكيد الحمولة الاجتماعية والثقافية للحكاية، ويتحركون بأريحية داخل البيئة التي تُمثل عنصرًا جوهريًا في سرد الفيلم. مجددًا لا نعلم مدى الحقيقة من الخيال في بناء شخصيتي ريم وجواهر القائم بالأساس على المفارقة، فهما شديدي الشبه شكلًا بما قد يجعل المشاهد الغربي يخلط بينهما، لكنهما مختلفتان في التعليم والوظيفة والاختيارات في التعامل مع المواقف، لكن الاختلاف لا يمنعهما من الاشتراك في المصير لمرحلة من الفيلم هي تقديمهما معًا كي تختار عشيرة الضحية إحداهما. وكأن مفارقة تشابه الفرد مع جذوره واختلافه عنها هي الركيزة التي يدور حولها كل شيء في هذا الفيلم الفريد.

البارح العين ما نامت (2026)
البارح العين ما نامت (2026)

التشابه والاختلاف يحكمهما منطق القدرية الكاملة، فالقدر وحده هو ما جعلت أولئك البشر يولدون في هذا المكان الخاص، وهو ما جعلهم يولدون ذكورًا أو إناثًا، وهو ما سيحدد مصائرهم، حادث عارض يكفي لتغيير كل شيء للأبد، ولجعل هروب جمرة فعلًا منطقيًا لا يحتاج الفيلم أن يعود ويفسره، فما الفارق الذي سيُحدثه تفسير فرار شخصية لا نعرفها إذا كنا قد رأينا من نعرفهم يختبرون كل أسباب الرحيل.

المدهش هنا أن ما قد يبدو من السطور السابقة حُكمًا يُصدره الفيلم على الأكواد الحاكمة لعالم البقاع لا يتفق مع الفيلم نفسه، الذي يتمكن من عرض قضيته دون استعلاء أو أحكام، فقط يراقب ما يحدث ويعرضه من مسافة تتراوح بين الرصد البارد والحميمة في الاقتراب مما يدور داخل ريم وجواهر. وكأنها عين علوية تشاهدهم وتتفهمهم وتتأمل في أحوالهم، لكنها لا تتدخل كي تغير مصائرهم أو تنقذهم مما تجدان أنفسهما داخله من تعقيد.

«البارح العين ما نامت» هو مفاجأة السينما العربية السارة في مهرجان كان 79. فيلم ذكيّ ومختلف، يأتي بتجربة بصرية وسردية وفكرية تستحق الانتباه. سيكون له نصيب وافر من الحضور في نقاشات السينما العربية خلال الأشهر المقبلة.

اقرأ أيضا: «حكايات متوازية»… فرهادي وكيشلوفسكي بين التلصص والخيال

شارك هذا المنشور

أضف تعليق