يصعب العثور في فرنسا على شخصية من الحرب العالمية الثانية تحتل حيزًا رمزيًا يوازي ما يمثّله جان مولان (1899 – 1943). اسمه حاضر في الخرائط اليومية للمدن الفرنسية بقدر حضوره في السردية الوطنية: مئات الشوارع والساحات والمدارس تحمل اسمه تجسيدًا لفكرة المقاومة، ولصورة الأمة التي رفضت الاستسلام للاحتلال النازي. وها هو ينبعث أمام كاميرا المخرج المجري لاسلو نمش في فيلمه الجديد الذي يحمل اسمه، والمعروض ضمن مسابقة مهرجان «كانّ» السينمائي (12 – 23 مايو).
وإنما الفيلم لا يتعامل مع بطله على أنه أيقونة، فيحاول النظر في معنى الصمود نفسه داخل مسرح مُغلق من العنف والإذلال. تدور الأحداث عام 1943، منذ اللحظة التي يقع فيها مولان في قبضة النازيين، ليتحوّل الفيلم بعدها إلى متابعة لساعات الاستجواب والتعذيب التي سبقت مقتله.
في «كانّ»، قابلت «فاصلة» صاحب «ابن شاوول» و«غروب»، أحد أكثر سينمائيي جيله موهبةً، وكان معه الحديث الآتي.

ماذا يمثّل جان مولان بالنسبة إليك؟
الإنسانية، ومن ثم الفردانية. ذلك الشيء الذي مات من أجله كثيرون. إنه أيضًا نور داخل العتمة. نوع من مثال أعلى، لكن من دون أن يتحوّل إلى بطل أسطوري بالمعنى التقليدي القديم. أردتُه من لحم ودم قبل كلّ شيء.
أفلامك لطالما زجَّت المُشاهد داخل تجربة ذاتية للتاريخ. في «مولان»، أنت تتعامل مع شخصية ماثلة بقوة في الوجدان الفرنسي…
تتعلَّق المسألة دائمًا بكيفية تقريب الجمهور المعاصر من مادة تاريخية. لم يكن خياري يومًا أن أقدّم إعادة بناء بانورامية ضخمة لحقبة كاملة. ما يهمني هو العثور على الإدراك الإنساني داخل الحدث، وسرده على مستوى الإنسان. لهذا، لم أرد سيرة ذاتية تقليدية. وددتُ شيئًا أكثر تقشفًا: أيام مولان العشرة الأخيرة، وجوهر تلك الأيام. لذلك كان عليَّ أن أجد لغة سينمائية خاصة بهذا المشروع.
الفيلم عن الضابط النازي كلاوس باربي بقدر ما هو عن مولان. ما رأيك؟
إني مهتم بالقوى الكامنة داخل الطبيعة البشرية. هناك دائمًا صراع بين النور والظلام، بين القوة التي تدفعنا نحو نسخة أفضل من أنفسنا، والإغراء الدائم بالانحدار في اتجاه التوحش والتدمير والهمجية. هذه القوى تتعايش داخل الإنسان وداخل الحضارة نفسها. لذلك، كان لا بدّ أن يتجسّد هذا الصراع عبر شخصين، لكن أيضًا عبر لغة سينمائية تُعبّر عن تلك المواجهة.
يميل الناس إلى وضع السينمائيين داخل قوالب سياسية. هل تشعر بأنه تقع على عاتقهم مسؤولية سياسية؟
أنا لا أحاول إلقاء خطب سياسية. ما أسعى إليه هو الحديث عن الطبيعة البشرية، والطبيعة البشرية أكثر تعقيدًا وازدواجية بكثير مما يقوله الإنترنت. علينا أن ننظر إلى الظلام المتواري داخلنا. هذا ما تستطيع السينما أن تفعله.
عصر الإنترنت خلق ميلًا إلى إسقاط هذا الظلام على الآخر، على الخارج، وكأنه لا يسكننا نحن أيضًا. نحن مولعون بالمواعظ الأخلاقية، بينما الحقيقة أنّ الأمر صراع يومي على الدوام.
في حالة جان مولان، تعلّق السؤال بجوهر الإنسانية نفسها: ما الأفضل وما الأسوأ فينا؟ أحيانًا، تجعلنا لحظات التاريخ نرى ذلك بوضوح.
إني آتٍ من أوروبا الشرقية؛ من بلد لم تكن الحرّية فيه أمرًا مضمونًا أو سهلًا. وحتى في الغرب، استغرق الوصول إلى الحرّية قرونًا طويلة. لذلك، ما أريد قوله لجمهور اليوم هو أنّ الحرّية معركة مستمرة، وأنّ علينا ألا ندير ظهورنا لظلامنا الداخلي.

كيف عملتَ مع لارس أيدينغر؟ لأنّ شخصية باربي كان يمكن بسهولة أن تتحول إلى كاريكاتور.
بالضبط، وهذا ما لم أرده. كنتُ أرفض فكرة «النازي السيرك». قلتُ للارس إنه يجب أن يسمح للظلام بأن يتسلّل إليه. وهذا أمر شديد الصعوبة بالنسبة إلى ممثل ألماني من جيل ما بعد الحرب. قاوم كثيرًا. احتاج الأمر إلى جهد طويل حتى يوافق، ببساطة، على أنه هو باربي داخل الفيلم. كان هناك كثير من البحث والتنقيب النفسي.
الصوت يضطلع بدور أساسي في الفيلم. كيف اشتغلت عليه؟
بالنسبة إليّ، الصوت وسيلة لمنح المشاهد شيئًا إضافيًا على مستوى ذاتي. إنه الفضاء الخارج عن الكادر، أقل ملموسية مما نراه، لكنه أكثر تأثيرًا أحيانًا. أعتقد أنّ السينما هي فنّ اللامرئي أكثر مما هي فنّ المرئي.
لذلك، من المهم بالنسبة إليّ ألا أُغلق الفيلم على المتفرّج، بل أن أجعله شريكًا فيه. هناك دائمًا علاقة بين الفيلم والمتلقّي. الصوت جزء أساسي من هذا الكائن الحيّ، إذ يساعدنا على تشكيل شيء غير مرئي.
هل فكرتَ بالصوت منذ مرحلة الكتابة؟
نعم، منذ الكتابة. كنتُ أعرف أننا سنترك أشياء كثيرة خارج الكادر، أيّ داخل ذهن المشاهد، بدلًا من عرضها. لم أرد أن يدخل الجمهور في حالة رفض لما يراه. فمن السهل أن تُظهر العنف، لكن الأصعب هو أن تجعل المتفرّج يشعر به فعلًا.

هناك شيء من أفلام الجاسوسية في «مولان»…
نعم، في البداية أردتُ فيلمًا عن البارانويا. هذه كانت حال عناصر المقاومة: مراقَبون طوال الوقت، ولا يعرف أحدهم مَن قد يشي به. كان هذا مهمًا بالنسبة إليّ. لكن الفيلم يتحول تدريجيًا من فيلم مطاردة وريبة إلى مواجهة ذات أبعاد شبه ميتافيزيقية.
كثيرون ستُفاجئهم كلاسيكية الفيلم، خصوصًا قياسًا بـ«ابن شاوول»…
لا أراه فيلمًا تأمّليًا. في نظري، إنه فيلم «منغمس» بطريقته الخاصة. لكلّ فيلم منطقه. ما يهمّني دائمًا هو كيف يمكن للفضاء السينمائي أن يصبح امتدادًا للعالم الداخلي للشخصية. وأعتمد دائمًا على خيال الجمهور كي يبني ما لا أريه.
كنّا نعرف أن مولان تعرض لتعذيب رهيب، لكنني أؤمن بأنّ قوة السينما لا تكمن في الإظهار الكامل، بل في ما يُترك للمخيّلة. إذا حاولتَ أن تُظهر كل شيء، فإنك تخسر كثيرًا. لذلك فضلتُ أن يرافق الجمهور الشخصية بدلًا من أن يراقبها من الخارج.

حدِّثني عن كواليس تصوير مَشاهد التعذيب.
شهد التصوير توترًا عاليًا. إني أميل إلى اللقطات الطويلة، وهذا يخلق كثافة عالية جدًا داخل موقع التصوير. الجميع يدخل في اللحظة نفسها. ولأننا نُصوّر على الخام، فنحن نتمرن أولًا ثم نُصوّر، ولا نُصوّر البروفات. هذا يخلق إحساسًا بالإلحاح والتوتّر، ويدفع الجميع إلى أقصى درجات التركيز. لكن، بالطبع، وبسبب العنف النفسي، كان الأمر مُرهقًا جدًا للجميع.
كيف عملتَ مع مدير التصوير ماتياس إرديلي للوصول إلى هذا الإحساس بالاختناق؟
عملنا معًا في كلّ أفلامي القصيرة والطويلة. هناك تفاهم عميق بيننا، حتى حين نختلف. للمرة الأولى استخدمتُ الصورة العريضة «أنامورفيك». وددتُ إحساس السينما الكبيرة، بعدسات «بانافيجن» المُستخدمة في أفلام هوليوود الكلاسيكية. وفي الوقت نفسه، هناك نزعة واقعية تصطدم بهذا الطابع الملحمي. هذا التوتّر بين الاثنين كان مهمًا بالنسبة إليّ.
في البداية، ظننتُ أنني لن أستخدم الشاشة العريضة لأن الفيلم يدور حول شخص واحد. ثم فهمتُ أنّ عزلة هذا الشخص تحديدًا هي ما يجعل الشاشة العريضة ضرورية.

دعني أعود معك إلى «يتيم»، الذي عُرض في مهرجان البندقية الأخير. هذا أكثر فيلم شخصي لك. كيف تعايشتَ مع ردود الفعل التي أثارها؟
(بتأثر) إنه بالتأكيد أقرب الأفلام إلى قلبي وجذوري. وما زلتُ أحتاج إلى وقت كي أفهمه بالكامل. الناس الذين شاهدوه تأثروا به كثيرًا. لكن المفارقة أنّ قلة قليلة شاهدته في المجر، وهذا أحزنني. الناس يتحدّثون عن تاريخهم، لكنهم لا يريدون مواجهة الظلام الحقيقي الكامن فيه.
في بداياتك، عملتَ مع بيلا تار الذي توفي في مطلع هذا العام. هل تودّ ذكره بكلمة؟
حزنتُ كثيرًا لرحيله، وسيُفتقد بشدة. التقينا مجددًا قبل سنوات في أمستردام بعد قطيعة طويلة. شعرتُ أنه يريدني أن أواصل الطريق، حتى لو كانت لديه دائمًا أسئلة وتحفّظات على نوع السينما التي أنجزها. لكنه رأى أنني ما زلتُ أدافع عن شيء عدَّه هو أساسيًا: معاينة الطبيعة البشرية عبر السينما.
أخيرًا، هل تتأمل شيئًا من التغيير السياسي الحاصل في المجر مؤخرًا؟
ما حدث كان أمرًا مؤثرًا جدًا. تاريخيًا، المجر بلد جريح ومُساء فهمه، حتى إنه اختار جلّاده لمدّة طويلة. كنا نظن أنّ ذلك لن ينتهي أبدًا. لكن، فجأة، ظهر نوع من التضامن الوطني والرغبة في اختيار الحرّية بدلًا من الخضوع. آمل أن يسمح ذلك بازدهار الثقافة مجددًا، لا باستخدامها أداة دعائية كما كان يحدث سابقًا.
اقرأ أيضا: رادو جوده لـ«فاصلة»: الفشل ضروري في السينما!