فاصلة

مراجعات

«المستعمرة»… تراجيديا الموت في المصنع

Reading Time: 5 minutes

عنف المصنع والحياة

في اللحظة التي يبدأ فيها فيلم «المستعمرة» (2025) لمحمد رشاد، نتورّط في عنف غير مبرّر: «مارو» يريد قطع شرايينه بسكين المطبخ – «حسام» يضرب «مارو» على وجهه – الأم تصرخ وتلطم.

نشاهد أول مشهد ونشعر أننا دخلنا، على غفلة، منزل عائلة محتقنة، تعيش حياة ما بعد مصيبة، مثقلة بتاريخ خانق لا نعرفه. والفيلم يتحرّك بالمنطق نفسه، ويحاول أن يفهم معنا تعقيدات هذه البداية. نحن شركاء في المسار نفسه، وسنخطو معًا الخطوات نفسها.

«مارو» لا يريد الذهاب إلى المدرسة ثانيةً، ويريد النزول للعمل مع «حسام» في المصنع الذي كان يعمل فيه أبوهما، ومات هناك خلال حادث غامض: قتلته الماكينة، أو إهمال مهندس السلامة، أو دسائس ومكائد مبهمة مع أحد العمال الآخرين، أو الأسباب الثلاثة مجتمعة. يجبر «مارو» أمه وأخاه على الموافقة من خلال تهديده بالانتحار، ويفرض كلمته عليهما.

المستعمرة (2025)
المستعمرة (2025)

في المشهد التالي، يرث «حسام» و«مارو» عمل أبيهما، يركبان حافلة العمل وينحشران في كرسي واحد ومصير مشترك.

يصل الاثنان إلى المصنع ويبدآن في الاندماج تدريجيًا في مسار المصنع/الأب، فيأخذان دولابه، ويرتدي «مارو» «كاب» الأب الميت بعد أن يُضيّقه له «حسام»، ليصير على مقاسه بالضبط. وباقي ممتلكات الأب يلمّها «حسام» في كيس بلاستيك ويرميها، وعندما يسأله «مارو» لماذا فعل ذلك، سيجيب: «آمّال نعمل فيها إيه؟». ومثلما نتلمّس في بداية الفيلم ارتباكًا صريحًا في علاقة الأم بـ«حسام»، وكلامًا مشحونًا ومكتومًا بينهما، نتأكد الآن أنّ الارتباك يمتد إلى علاقته بالأب أيضًا، فهو يحلّ مكانه ويمتلك دولابه بآلية جافة، مفتقدًا حساسية «مارو». سنفهم تدريجيًا أن «حسام»، على الضدّ من «مارو»، قَبِلَ أن يرث مسار أبيه فقط لأنه مسار النجاة الوحيد المتاح أمامه للهروب من ماضيه الخاص: تركه بيت أهله، وعمله في تجارة المخدرات، وصعوده «الجبل»، والعيش مع الخارجين عن القانون. فلم يجد أمامه إلا وظيفة لا تسأل عن صحيفته الجنائية، مقابل التورّط مع مدير المصنع و«الاتفاق» على إغلاق ملف موت/قتل أبيه، وإهدار حقه. الوظيفة هي تعويض العائلة عن موت الأب، لكن بالنسبة إلى «حسام» هي فرصة لا تُعوَّض ليكون مقبولًا من المجتمع ثانية. جزءٌ من الماكينة.

المستعمرة (2025)
المستعمرة (2025)

نتعرف تدريجيًا إلى عالم «حسام» و«مارو» الجديد: ماكينات ضخمة، جميلة ومتوحشة، عمال يديرون آلاتهم العملاقة ببراعة وخفة. صخب وعنف، هو شريط صوت الحياة داخل المصنع. ومنذ اللحظة الأولى، يحافظ الفيلم على ألّا يُظهر هذا العالم على أنه كابوس بشع ومنفّر، وإنما مكان له جمالياته الخاصة، من قسوتها، لا يسعنا إلا أن نحدق فيها. في الوقت نفسه، لا يقع الفيلم في فخ تخفيف معاناة العمال من خلال إغراقنا في نشوة جمالية خادعة، لكنه يُبرز مأساة العمال واستعبادهم في المصنع وهشاشة أوضاعهم، من دون إظهارهم في موضع خضوع وبؤس دائم يحطّ من قيمتهم وكرامتهم.

نتابع «حسام» وهو يتعثّر مع ماكينة أبيه التي ورثها وبدأ العمل عليها، ويحاول أن يندمج فيها، لكنها تمنعه وتنغلق عليه. تبدو سرًا هي الأخرى، تحتاج إلى الوقت لتتكشّف له، مثلما سيتكشّف له ماضي أبيه، الذي يظهر «حسام»، في أحيان كثيرة، كأنه لا يعرفه أصلًا. فهو، مثلًا، سيعرف بالمصادفة من أحد أصدقاء أبيه المقرّبين أنه كان مريضًا بالقلب في أيامه الأخيرة. وهو ما سيؤكده له «مارو» في طريقهما إلى البيت: «آه، كان تعبان بقاله… ييجي بتاع سنة». فالذهاب للعمل في المصنع، على عكس ما يبدو في بداية الفيلم، لم يكن بداية جديدة تمامًا لـ«حسام»، وإنما عودة إلزامية إلى الماضي.

المستعمرة (2025)
المستعمرة (2025)

الماكينة تُعيد إنتاج الماضي

بين «حسام» و«مارو» علاقة أكثر تعقيدًا. يبدو «مارو» مفتقدًا بعمق إلى وجود أب، إلى مثال ينحته ويتبعه في أطواره التكوينية الأولى. لذلك يحلّ «حسام» تدريجيًا محلّ الأب، من دون أن يرغب في ذلك فعلًا. هو دور إجباري وجد نفسه يؤدّيه، فلا توجد لديه حرّية الاختيار من الأساس. وعلى مدار الفيلم، لا نفهم هل «مارو» معجب بـ«حسام» واختياراته في الحياة أم ناقم عليه: في السرّ، يلعب بمطواة «حسام» التي يخفيها في الدولاب، ويتحسّسها بإعجاب، وأمام «حسام» ينظر إليه بعيون كلّها لوم وأسئلة، ويتّهمه بالجبن والتقصير في حقّ أبيه.

لكن على مدار الفيلم، نرى «حسام» يتماهى أكثر مع دوره الجديد: يريد «مارو» أن يعود إلى الدراسة، ويمنعه من ملاحقته في كلّ مكان ومزاحمته في مصيره، ويحاول أن يدفعه ليكون نسخة أحسن منه. لكن «حسام» مجبر على أن يظلَّ عالقًا في ماضيه، فكلّ محاولاته لتحسين حياته أو حياة أخيه تفضي إلى فشل أكيد. سنرى ذلك بوضوح عندما يتأخّران في العودة من العمل إلى البيت في أحد الأيام، وتسألهما الأم عن سبب التأخر، وعندما تعرف أنهما تأخّرا لأن هناك ضابطًا كدَّر «حسام» في الكمين، من دون سبب إلا ماضيه، ستسأله أمه: «عرفت الحكومة على أخوك من دلوقتي يا حسام؟». هكذا يظلّ «حسام» مذنبًا ومغضوبًا عليه من أمه قبل الحكومة، حتى ولو لم يفعل شيئًا إلا مجرّد الذهاب إلى العمل.

المستعمرة (2025)
المستعمرة (2025)

ما يتّضح تدريجيًا على مدار الفيلم هو أنّ ماكينات المصنع تُعيد إنتاج ماضي الشخصيات، وتقطع عليهم أي إمكان للتغيير أو لتحسين حياتهم، وتحافظ على مصائرهم عند مستوى معين من المهانة والانتهاك: فـ«حسام» سيتورّط ثانيةً في تجارة المخدرات، ليقدم خدمة لمدير المصنع، الذي يوحي كلامه مع «حسام» دائمًا بنبرة تهديد دفينة، سواء بطرده من المصنع أو فتح ملفات ماضيه و«صحيفته الجنائية». يتردّد «حسام» في البداية، لكنه سيوافق، لأنه لا يملك غير ذلك. سيذهب مع مدير المصنع في سيارته، ويأخذ معه «مارو» في مساره، في الكنبة الخلفية. وفي المرة التالية، عندما يطلب منه مديره «الخدمة» نفسها، سيذهب بمفرده، لكن «مارو» سيكون حوله، يراقبه من بعيد. وحتى «عبير»، قصة حبّ «حسام» الغامضة والحذرة، تُعيد إنتاج مسار أمها وخالتها التي أحضرتها للعمل في المصنع نفسه بعد الإعدادية مباشرة.

لذلك تبدو الشخصيات في الفيلم جزءًا أساسيًا من الماكينات الضخمة، فعلى المستوى البصري، نراهم في حالة تجاور واتصال دائم، كأنهم جسم واحد. فكل شيء يحدث في علاقة مع الماكينة: الحبّ والموت.

المستعمرة (2025)
المستعمرة (2025)

الموت في المصنع

نحن نعرف حتى الآن ميتتين غامضتين في المصنع: موت أبي «حسام»، وأم «عبير»، التي سنعرف بموتها متأخّرًا، عندما تفتح «عبير» قلبها لـ«حسام» أمام إحدى الماكينات. وقرب نهاية الفيلم، سيتحقّق موت ثالث: سنرى مهندس السلامة غارقًا في دمائه على الأرض، بعد أن حاول تصليح ماكينة «حسام»/أبيه.

المؤلم أن «حسام»، قبل موت المهندس بدقائق، ظهر في أشجع صوره: يرفض مصيره بحسم، ويلتفت ويترك مدير المصنع خلفه. لن يتراجع عن قراره. كان يقول لمديره إنه لن يقدّم له خدماته ثانية، بعدما تأكد أنه يستغل ماضيه، ويعتمد عليه ليحصل على كميات مخدرات أكبر ويورّطه أكثر فأكثر.

هل تصاعد غضب «حسام» وقتل المهندس وهو يُصلح الماكينة؟ أم أن ماكينة المصنع حقّقت نوعًا من العدالة، وحصلت على حق الأب المهدر؟ لكنها عدالة عمياء، فـ«حسام» هرب بعد أن سقط المهندس، وصار متورّطًا في قضية قتل. والأدهى أنه لن يجد أمامه مسارًا للنجاة إلا العودة إلى الجبل مرةً أخرى، والخروج من المجتمع ثانيةً والانفصال عن الماكينة، لينتهي الفيلم وهو يغلق دائرته الحتمية على رقاب شخصياته. مأساة.

وفي الفيلم كما في الحياة، إن الموت في المصنع لا مفر منه، ما دام لا يوجد إلا المهانة وإهدار الحقوق والتستر على الانتهاكات. والعدالة لا تتحقّق بالمصادفة أو تُترك لضربة عمياء من الماكينة، بل تحتاج إلى مجتمع ومسؤولين يؤمنون بها حقًا قبل أي شيء. نحن أمام فيلم أخلاقي وسياسي، يضع أصابعه على مواضع المرض في مجتمع يعاني، ويعيش مصائر حتمية وخانقة. فيظهر المصنع في الفيلم حالةً كاشفةً عن إعادة تدوير الوصم والماضي والفساد ودوائر الدم التي تمتدّ من جيل إلى جيل، ونرى مسؤولين لا يستخدمون سلطتهم إلا للحفاظ على مواقعهم واستمرار هذا القهر فعالًا في جسد المجتمع.

اقرأ أيضا: محمد رشاد: «المستعمرة» رحلة بحث عن الهوية في عالم الوحدة والعزلة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق