فاصلة

مراجعات

«الأشعة والظلال»… رواية مضادة أم بيانُ تحاملٍ على اليسار؟

Reading Time: 7 minutes

عبارة «التاريخ يكتبه المنتصرون» ليست مجرد غُلُوٍّ إنشائي مستفيض على ألسن العوام والنُّخب، بقدر ما هي استحقاق مكرَّس تنتجه وتعمل على إنفاذه الحتمية الحضارية؛ فالمنتصر لا يغنم العقار والسلطة عليه فحسب، وإنما مقامه ورِفعته المستجِدّان يؤمِّنان له رخصة مفتوحة لخصخصة التاريخ وتحويله إلى ألبوم بروباغندا يسرف في تمجيد «الفاتح» والانتقاص من أنداده.

في السياق المعاصر، ينسحب نطاق هذه الرخصة ليشمل، زيادة على الوسائط المكتوبة، تلك المبصورة، ونتحدّث هنا بشكل خاص عن السينما. فمنذ أن عُرف لصنيعة الإخوة لوميير وجودٌ، كانت مطية تبشيرية يحقن فيها المخرج أو المؤلّف حمولة أفكاره ليستعرضها على الجمهور المتلقي، بهدف حشد النصرة والتأييد لهذه الأفكار؛ إذ اهتدت النُّخب إلى أنّ الصورة المنوءة بالرسالة أو الفكرة لها مفاعيل أشد وقعًا واستلابًا على المتلقي مما يُكتب أو يُسمع. فكانت سينما الدعاية النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، والشيوعية في الاتحاد السوفييتي، ثم تلتها، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، سينما المقاومة، التي يجوز عدَّها سليلة موجة الواقعية الإيطالية، ويمكن تعقُّب باكورتها إلى عام 1945 في فيلم «روما… مدينة مفتوحة» من توقيع روبرتو روسليني. هذا الأخير، وللمفارقة، قبل أن يُعرف ويُخلَّد بهذا الفيلم الذي يؤرخ لممانعة الطليان في وجه الطغمة الفاشية، كان «سينمائيَّ بلاط» أخرج خلال الحرب ثلاثية لا يمكن النظر إليها إلا نقيضًا فجًّا لثلاثيته بعدها، ليس فقط لأنها تحتفي بالفاشية، وإنما لأنها صُنِعت بإيعاز من ابن موسوليني نفسه، الذي جمعته بروسليني صداقة وطيدة آنذاك.

Rome, Open City (1945)
Rome, Open City (1945)

كثيرًا ما يستشهد مناوئو سينما المقاومة وأخواتها من الرضاعة، على غرار سينما الهولوكوست، بهذا النموذج في الإبانة عن مآخذهم على هذا الصنف السينمائي؛ إذ يتّهمونه بكونه لا يعدو مجرّد طَقْس تطهيري يتهافت عليه السينمائيون الذين يُشتبه في كونهم محسوبين على تلك الأنظمة البائدة، ليغسلوا أيديهم وعدساتهم من أدران تلك المرحلة. هذا غير أن أفلمة الحروب من الأساس هي تَجَنٍّ على ذاكرة الضحايا وانتفاع على حسابها، لجهة كونها، أي الأفلمة، تنتج بؤسًا مصطنعًا وتطرحه على أنه قيمة سوقية تخضع للعرض والطلب. أما الملامة الأكثر تطرُّفًا وإثارة للجدل، فذهبت إلى التشكيك في شعبية المقاومة ومدى التفاف المزاج العام حولها، وحتى في مبلغ وفاء اليسار لـ«يساريّته»، إن لم نقل تواطؤه المباشر وإيواءه لمشارب الإيديولوجيات الفاشية. وهو طرح برز في أواخر أربعينات القرن الماضي، حين كان لا يزال الجرح مفتوحًا والدم قانيًا على الإسفلت، ولا يزال، بعد نحو تسعة عقود، مقموعًا ومأثومًا حتى في أوساط المؤرّخين والأكاديميين.

Les rayons et les ombres (2026)
Les rayons et les ombres (2026)

لا ريب إذن في أنّ المخرج الفرنسي كزافييه جيانولي، الذي أنفق ست سنوات في البحث والاستثراء والاستشارة في موضوع فيلمه، قد تبادر إلى ذهنه، ولو لمرة خلال هذه السنوات الست، أن ما يقوم به قد يتمخّض عن انتحار مهني؛ فمسألة تعاون النُّخب الفرنسية مع الاحتلال النازي، التي يتناولها فيلم «الأشعة والظلال» «Les Rayons et les Ombres» على امتداد ثلاث ساعات ونصف الساعة، لم يسبق أن ساقها مُخرج أو مثقّف، بوجه عام، إلى مشرحة التمحيص والتحليل. تقودنا هذه الملاحظة إلى التساؤل: ما الذي يبرِّر هذا الإحجام؟ ففي حين أنّ النازية، في نشأتها وصعودها وسيكولوجيتها وإرثها، قد قُتلت بحثًا، وتشكِّل بابًا في الدراسات الأكاديمية مستقلًا بذاته، فلماذا لا يزال المؤرخون والمثقّفون يحاذرون التطرّق، أو حتى الإشارة، إلى أذنابها وفلولها من أعلام الطبقتين المثقّفة والسياسية في البلدان التي تسلَّط عليها النازيون؟ لماذا هناك إسهال في المواد والوثائق التي تتناول سيرة جان مولان – أبي المقاومة الفرنسية الذي قضى تحت التعذيب على يد قائد الجستابو سيئ السمعة كلاوس باربي – مقابل شحٍّ بالغ في المصادر والمعلومات ذات الصلة بأمثال جاك دوريو وبيار لاروشيل وجان لوشار؟ ولا سيما هذا الأخير، الذي ينفرد بخصوصية كونه أنموذجًا كلاسيكيًا لصيغة التواطؤ بين القلم والدبابة، وكيف أصبح الحبر متورّطًا في «تزفيت» الأزقة الباريسية لتزحف عبرها دبابات الألمان. هذه الصيغة الشائكة والموشاة، في الوقت عينه، بسدفة من الغواية، يبدو أن منها ما يكفي لحمل مخرج مشهود له في الصناعة مثل جيانولي على خوض هذا الرهان واستِكناه اللّاهوت التاريخاني الذي كرّس رواية المنتصر على أنها وقائع غير قابلة للتفنيد.

Les rayons et les ombres (2026) الأشعة والظلال
Les rayons et les ombres (2026)

يشغل الفيلم دارة سردية من ثلاثة محاور، تتناول مسار كل من الصحافي الفرنسي جان لوشار (يؤدّيه جان دوجاردان)، وابنته الممثلة الصاعدة كورين (تؤدّيها ناستيا غولوبيفا – ابنة مارد السينما ليو كاراكس – في أول دور بطولة لها)، ورفيق دربه وانحداره، الألماني أوتو أبيتز (أوغست ديل)، على امتداد عقد، من منتصف الثلاثينات إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. تروي «كورين» تفاصيل تلك الحقبة لجهاز تسجيل استعارته من جارتها في شقة باريسية متهالكة، لا تشبه في شيء الباحات والغرف الأنيقة الباذخة التي ترعرعت بين جدرانها، وتلصّصت من شقوق أبوابها على مسامرات والدها ورفاقه من كُتّاب وساسة.

الأشعة والظلال Les rayons et les ombres (2026) الأشعة والظلال
Les rayons et les ombres (2026)

«كورين» لا تذكُر أنّ مسمعها التقط أي مطارحات موغلة في التطرّف أو المركزية العرقية أو التعالي القومي، أو أيًا من الخامات النظرية التي تأسَّست عليها النازية كما نعرفها، حتى في تلك المجالس التي كان «أبيتز» جزءًا منها. ويمكن القول إن «أبيتز»، قبل الحرب العالمية الثانية، كان في الواقع أقلّ إلمامًا واشتباكًا بالعمل السياسي من «لوشار»؛ أستاذ فنون ولع بفرنسا وأتقن لغتها وتزوّج من لدنها. فكان بذلك معيارًا للناشط الألماني النموذجي الذي آثر التخفّف من المستحاثات المؤسسية التي خلفتها معاهدة فرساي المهينة، وما يتلبّسها من نكران للهزيمة وتطلُّع لردّ الاعتبار.

Les rayons et les ombres (2026)
Les rayons et les ombres (2026)

برز الثنائي أول ما برز على أنه صوت موحّد عقلاني ينادي بإتلاف دفتر الشروط الذي وضعته اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتحقيق ائتلاف فرنسي-ألماني يتجاوز أحقاد الماضي ويعبِّد الطريق لوحدة أوروبية شاملة ومستديمة. على أنّ «لوشار» و«أبيتز» كانا يعرّفان نفسيهما على أنهما محسوبان على اليسار، ولم يكن طموحهما هذا مقرونًا أو مدفوعًا بأجندة سياسية، بقدر ما كان مشروع تعبئة شعبيًا عابرًا للهويات والطوائف. بالتالي، مَن يخوض تجربة الفيلم من دون فكرة مسبقة عن «لوشار» ونديمه لن يتنبأ بأنّ هذين الاثنين سيغدوان، بعد أقل من خمس سنوات، حرسًا على إحدى أقبح الديكتاتوريات وأحطّها التي مرّت على أوروبا. ومن هنا يطرح الفيلم، على لسان «كورين»، سؤالًا: كيف يصبح المرء دولابًا آخر في ماكينة الطغيان؟ وهل يمكن تكييف التواطؤ عبر الممارسة وحدها، أم أن الوقوف على مسافة منها ومشاهدة نتائجها من دون ارتكاس أو رد فعل كافٍ لتعريف الفرد المتواطئ؟ «كورين لوشار»، التي صعدت أسهمها بقوة في شباك التذاكر نهاية الثلاثينات، وباتت إحدى أبرز النجمات الصاعدات في تلك المرحلة، لم تُبدِ اهتمامًا بالغًا عندما فقد والدها وجاهته وسط الطبقة المثقفة وغيرها بفعل فشل مشروعه الطوباوي، ورغم ذلك استمرار ملازمته لـ«أبيتز». هذا الأخير طُرد من فرنسا بعدما اضطرم عناد بلده وانفلتت أطماعه لتُهدد بنسف ملامح الخارطة الأوروبية. كما أنها لم تُبدِه أيضًا عندما سقطت باريس وعاد «أبيتز» إليها، هذه المرة ليس مندوبَ سلام، وإنما عاد سفيرًا للرايخ الثالث.

Les rayons et les ombres (2026)
Les rayons et les ombres (2026)

استمرّت «كورين» في التنقّل بين جلسات التصوير وحفلات العربدة والولائم الدبلوماسية. واستمرّ والدها في الكتابة والنشر وتنظيم الملتقيات. بيد أن مقالاته وملتقياته لم تكن تنحاز إلى أبناء جلدته، المعتدى عليهم فوق ذلك، وإنما اصطفت، على نحو غير مشروط ومستفز، مع النازيين، وبرَّرت انتهاكاتهم، ونظَّرت لها أحيانًا. من الساذج استقراء هذا الطور السياسي في مسيرة «لوشار» على أنه «فيتيشية» للتوأمة الفرنسية-الألمانية وهوس بالوحدة مع ألمانيا، إذ إنّ الإملاءات المذلة التي وضعها الألمان ضربت سيادة فرنسا في مقتل، وقلّصت حتى من صلاحيات حكومة فيشي، وتركتها مع سيادة رخوة لا تترك المجال لأي تخيّلات عن جمهورية فاضلة. كذلك، فإن المقاربة التي انتهجها الفيلم، عبر النظر إلى ممارساته في ضوء نزعة وصولية انتهازية، هي تسطيح لأصول فعل العمالة وتمييعها. 

يستعير الفيلم عنوانه من عنوان مجموعة شعرية للكاتب فيكتور هوغو «الأشعة والظلال»، وهي عبارة ذات مدلول تقاطعي يشي بالموت الذي يغمر منسوبه، شيئًا فشيئًا، نشوة الحياة. تبدو لوهلة أن في استعارة جيانولي للعبارة شيئًا من المزايدة النصية، لكن يمكن إسقاطها على حالة الافتراق الفاحش بين الحياة التي يحياها «لوشار» وابنته بوساطة صك ضمانات على بياض يصدره لهما «أبيتز»، وتلك التي يعيشها عامة الباريسيين في المدينة المحتلّة، في مشهدية مُتقطِّبة تتاخم فيها أنهر الشمبانيا التي تُراق في السفارة الألمانية أنهر الدماء المهدورة. الفيلم متين أسلوبيًا، ورغم طول مَشاهده وكثافة طبقات سرده، فإنه بالكاد يتعثّر أو يدع تركيز المشاهد يفلت منه. تُستثنى من ذلك المَشاهد التي ينزاح فيها إلى ما يشبه وثائقيًا عن السل.

Les rayons et les ombres (2026)
Les rayons et les ombres (2026)

المتابع لردود الفعل على الفيلم سيلاحظ أنّ التحليلات تكاد لا تأبه بالواجهة التقنية أو حتى السردية للفيلم، وإنما تستفهم عن نوايا المخرج وأجنداته، وهو أمر متوقّع نظرًا لثورية ثيمته. لكن بعض الآراء بشأنه، لا سيما الصادرة عن منتقديه، تكاد تُبدي سلوكًا «ميليشياويًا» ومغرقًا في الدوغمائية، لجهة اتهامهم جيانولي بمحاولة شيطنة اليسار وتخوينه، متسائلين عن جدوى إصدار فيلم مثل هذا في خضمّ مناخ سياسي ينذر بصعود غير مسبوق لليمين المتطرف في أوروبا. وهو طَرْح فيه شيء من الصحة إذا ما علمنا أنّ لجيانولي تصريحات ينتقد فيها ميلونشون، زعيم الكتلة اليسارية في فرنسا، ويتّهمه بأباطيل، من بينها معاداة السامية. لكن الفيلم لا يلفق «يسارية» «لوشار» و«أبيتز»، فهما بالفعل يساريَّا الهوى، وكذلك جاك دوريو ومارسيل ديات ورينيه بيلان وغيرهم ممّن هووا في سبخة العمالة. وليس جديدًا على اليسار إنتاج أبناء ضالين، بل ومفاهيم ورمية تنحو منحى الفاشية، فالنازية نفسها هي تحالف بين الاشتراكية والتيار القومي، وظهورها كان ردّ فعل على الترف الفوضوي لدولة فايمار.

يُحسب للفيلم أنه يسلب فرنسا ما تفخر به من ادّعاءات بانحياز نخبتها إلى الضمير، ويضع الواقع السياسي الفرنسي في مواجهة راهنية «لوشاريَّته» المستشرية، ويفضح كيف أن «مولانيَّته» لم يبقَ لها صدى سوى في الأفلام، وحتى الأفلام تلفظ أسماء المغضوب عليهم تمامًا كما حُذف اسم «كورين لوشار» من شارات أفلامها بعد الحرب.

اقرأ أيضا: «هنا وهناك»… مَن يملك الحقيقة؟ غودار يجيب

شارك هذا المنشور

أضف تعليق