منذ سنوات، وفي بداية شتاء غير مزدحم بالمَهمّات، قررتُ أن أقرأ «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي. كنت قد أضعتُ تلك الفرصة خلال إجازات الثانوية العامة، رغم أنها كانت الوقت المثالي لبدء روايات بحجم هذه الرواية. قضيتُ نحو 20 أو 25 يومًا مع دوستويفسكي، وأنا نادم على أنني لم أقرأ تلك التحفة من قبل.
700 صفحة مذهلة هو حجمها، رغم أن الأحداث بسيطة جدًا. راسكولينكوف قتل امرأة عجوزًا مرابية، ولا أحد يعلم أنه قتلها، لكن ربما تلك هي الأزمة الأكبر. إنه المجرم الذي يتوق إلى أن ينسب إليه أحد جريمته ليتطهَّر من ذلك الذنب الثقيل. على مدار تلك الصفحات، نرى البطل وهو يتعذَّب لأن جريمته لم تُنسَب إليه. غوص دقيق في أعماق شخصية، هو سمة خاصة بالأدب عمومًا، وبدوستويفسكي تحديدًا.
تلك الخصوصية لبعض هذه التحف الأدبية هي ما يجعل نقلها إلى وسيط السينما صعبًا، سواء من ناحية الطول أو الوقت، أو حتى من ناحية أن السينما وسيط بصري لا تكون فيه الحوارات الداخلية عنصرًا جذابًا. فأحيانًا يلجأ المخرجون إلى استخدام الصوت المُصاحب، إلا إنه بالتأكيد أحد الأدوات صعبة الاستخدام، فمَن لا يستطيع توظيفه بشكل مبرَّر دراميًا ينتهي به الأمر إلى صناعة شيء ركيك سينمائيًا، مُعتمدًا على الكشف من خلال تلك الكلمات لا الصور والمَشاهد.

وإنما لدوستويفسكي، المنفي إلى سيبيريا لعشرة أعوام، مُواطن معاصر منفي هو الآخر، وأستاذ سينمائي بلا شك، يُدعى أندريه زفياغنتسيف. قبل أعوام من قراءتي لـ«الجريمة والعقاب»، شاهدتُ فيلمه الروائي الطويل الأول «العودة»، وللأمانة فللفيلم وللرواية الإحساس الأول نفسه؛ إحساس عميق وصاعق. هما من الأعمال الفنّية التي لا تخرج منها الشخص نفسه الذي دخلها، إذ ترى العالم بشكل جديد. كلاهما يقترب من مواضيع الغضب والجريمة والذنب بشكل دقيق.
في «العودة»، يخرج ابنان مع والدهما في رحلة. الأب عنيف بشكل ما مع الولدين، ثم تقع حادثة في الطريق فيموت الأب، ويصبح طريق العودة شاقًا على الابنين وهما يحملان جثة أبيهما. ورغم قسوة الأب وتعقيد العلاقة، فإنّ فَقْده ربما يمثل قسوة أكبر وثقلًا أعظم.
بعد «العودة»، تابعتُ أفلام المخرج الروسي الأخرى: «ليفياثان» و«بلا حب» و«إيلينا»، ثم اختفى تمامًا مدةً طويلة. والحقيقة أنه، في غيابه، غاب ذلك النوع الذي يصنعه من السينما، نوع هو ربما كلاسيكي على مستوى الشكل، يقترب من مواطنه السينمائي الأعظم أندريه تاركوفسكي واليوناني ثيو أنجيلوبولوس، لكنه بالتأكيد يحمل دفقة شعورية مختلفة عن معظم الأفلام التي نشاهدها في الأعوام الحديثة.

هذا العام، عاد زفياغنتسيف إلى شاشة السينما بفيلمه الأحدث «مينوتور»، المُشارك في مسابقة مهرجان «كانّ» 2026. عودة بعد غياب طويل تسبب فيه فيروس «كورونا»، الذي كاد أن يودي بموهبة سينمائية فذَّة يصعب تكرارها. الاسم، كما «ليفياثان»، أسطوري أيضًا، وهو عن وحش إغريقي أسطوري برأس ثور وجسد إنسان، وُلد من علاقة غير طبيعية بين باسيفاي، زوجة ملك كريت مينوس، وثور أبيض أرسله الإله بوسيدون. خَجِلَ مينوس من هذا المخلوق، فأمر ببناء متاهة ضخمة تحت قصره وحبسه فيها. وكلّ عام كان يُرسل إليه سبعة شباب وسبع فتيات من أثينا ليأكلهم، على هيئة نوع من الجزية والإذلال.
لكن كيف يرتبط فيلم زفياغنتسيف، الذي يدور في روسيا عام 2022، قبل بدء الحرب الروسية الأوكرانية، بأسطورة إغريقية قديمة؟

يدور الفيلم حول جليب، المدير الناجح، الذي تبدأ حياته في الانهيار عندما يُطلب منه تقديم قائمة بـ14 رجلًا ليذهبوا إلى الحرب، من دون إعلان رسمي عن ذلك؛ وعليه تنفيذ الأمر بسرعة. والأنكى أنه يعرف بخيانة زوجته جالينا له مع مصوّر فوتوغرافي من طبقة أقل، يقيم في استوديو تصوير يتّخذه مقرًا لعمله أيضًا.
الحكاية بسيطة جدًا ومكرَّرة ربما بشكل كبير، لكن زفياغنتسيف المخضرم يعرف كيف ينقل ما هو أعمق وأهم: الشعور الداخلي للشخصية. في مشهد عشاء جليب وجالينا مع أصدقاء الأول وزوجاتهم، نراه يبدأ المشهد من زاوية جانبية للطاولة. نرى زملاءه وزوجاتهم في مقدّمة الكادر، وجليب وجالينا في نهاية الطاولة في الناحية المُعاكسة للكاميرا. تدور الحوارات في أغلبها فارغة مثل أي جلسة أصدقاء،

لكن بشكل ما، يبدو جليب وجالينا في انعزال أو تهميش بصري، هو ربما انعكاس لكيف يرى كل منهما تلك الجلسة. جليب بعيد لأنه ربما يرى في أصدقائه مثالًا أفضل، فأحدهم أعلى في المكانة الوظيفية، والآخر متزوّج من فتاة تصغره ربما بعشرين عامًا. وعلى الجانب الآخر، فإنّ جالينا مهمَّشة لأنها ربما منعزلة شعوريًا وفكريًا عن أصدقاء زوجها وزوجاتهم، وترى في عشيقها المصوِّر ربما شخصًا يستطيع رؤية ما في داخلها فعلًا. هكذا، وباختيار بصري واحد وترتيب لجلسة الممثلين، ربما نرى إحساسًا على الشاشة هو أقرب إلى أحاسيس دوستويفسكي الأدبية.
في المَشاهد الأخرى، نرى الثقل يزداد، لا من خلال الشخصيات وهي تصرخ في هستيريا، بل من خلال لقطات طويلة تقوم فيها الشخصيات بتصرفات متتالية من دون حوار. مجموع تلك التصرفات يُعبِّر عن كلّ ما نحتاج إلى معرفته من مشاعر الشخصية الداخلية، سواء القلق أو الغضب أو الذنب أو الندم. وهكذا يحتفظ بتلك الجرعة الشعورية التي خلقها منذ فيلمه الطويل الأول. تُضاف إلى ذلك الألوان الباردة المستخدمة، ومواقع التصوير الخاوية التي تزيد من حدَّة الشعور، مع شريط صوتي مقلّ ومينيمالي يُشعرنا بتلك الأحاسيس الثقيلة.

يُمرِّر الفيلم رسالته السياسية بشكل واضح، عبر إحالات كثيرة تجعل من جليب صورة للسلطة الروسية قبل الحرب وأثناءها، من تصرّفاتها العنيفة وإنكارها وطرقها الملتوية لإرسال الجنود إلى الحرب. وبهذا التأويل ربما يكون جليب هو نفسه المينوتور؛ إنسان برأس ثور، له ضعفه وتوحشه في آنٍ معاً، يختار 14 رجلًا لإرسالهم إلى الحرب، مثل الـ14 الذين كان يأكلهم المينوتور.
لكن، بعيدًا عن التأويل السياسي والأسطوري، فإن زفياغنتسيف يعود بذلك النوع من الأفلام وهي ربما من الأكثر تعبيرًا عن جوهر فنّ السينما؛ مشاعر تُروى بالصور من دون أي زوائد حوارية. يعود بفيلم ربما لا يكون الأقوى في مسيرته، لكنه بالتأكيد يؤكد مكانته مخرجًا كبيرًا، ويذكّرنا أيضًا بأنّ السينما الروسية ربما تعرَّضت لظلم كبير بسبب ظروف سياسية حالت دون وصولها إلى الجماهير. فلولا أنّ زفياغنتسيف مُعارض يعيش في باريس، لكان من الصعب للفيلم الوصول إلى مسابقة «كانّ»، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل هناك أفلام روسية عظيمة أخرى أكلها مينوتور الحرب؟
اقرأ أيضا: «مينوتور»… قربان في عالم بلا حبّ ولا أخلاق