يتجه آلاف النقاد والصحفيون وصناع السينما ومحترفوها إلى مدينة كانّ كل عام من أجل اكتشاف أهم الأفلام الجديدة، فنتبارى في مشاهدة أكبر عدد من الأعمال التي سيشغل بعضها النقاش السينمائي خلال الأشهر التالية وصولًا لموسم الجوائز الذي نفخر فيه بأننا كنّا من بين أول من شاهدوا الفيلم خلال شهر مايو في عرضه العالمي الأول. هذا بالتأكيد هو الجانب الواضح لمهرجان كان، لكن برنامج المهرجان لا يقتصر على الأفلام الجديدة، بل أن هناك قسمًا فريدًا نادرًا ما تنتبه له الصحافة العربية.
القسم هو «كلاسيكيات كان»، حيث يعيد المهرجان إلقاء الضوء على تاريخ الفن السابع، ويعرض في كل عام مجموعة منتقاة من الأفلام الكلاسيكية، بل وينتهج المهرجان أن يكون أول عرض كل عام لفيلم من الكلاسيكيات، يُعرض في اليوم الأول قبل حفل الافتتاح، مُدشنًا الدورة ورابطًا ماضي السينما بحاضرها ومستقبلها، وهو اختيار منطقي في ظل كون مدير المهرجان تيري فريمو هو أيضًا مدير معهد لوميير الذي يُنظم في مدينة ليون واحدًا من أهم المهرجانات المخصصة للكلاسيكيات في العالم.

هذا العام شهد العرض الافتتاحي تغطية دولية كبرى، بعدما قرر كان ألا يعرض كالعادة فيلمًا يعود لحقبة قديمة من تاريخ السينما، وإنما قام بعرض النسخة المرممة لفيلم «متاهة بان Pan’s Labyrinth» لغييرمو ديل تورو، الفيلم الذي عُرض للمرة الأولى في المهرجان عام 2006، ليشدد فريمو خلال تقديم الفيلم على أن وصف «كلاسيكي» لا ينبغي أن يقتصر على الأفلام المصنوعة خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، بل أن فيلمًا عمره عشرين عامًا يمكن اعتباره عملًا كلاسيكيًا يستحق الترميم والاحتفاء، طالما كان له الأثر الثقافي والفني الذي أحدثه ديل تورو بفيلمه قبل عقدين.
المخرج المكسيكي الموهوب حضر العرض من بدايته لنهايته، وتأثر بشدة من الاحتفاء الكبير الذي قابله به الجمهور لفيلم يستحق بالفعل كل التقدير، أطلق الشهرة العالمية لصانعه الذي يمكن فهم كل تجاربه التالية الناجحة مثل «شكل الماء The Shape of Water» و«فرانكنشتاين Frankenstein» انطلاقًا من هذا العمل المرجعي.

فكرة كلاسيكيات القرن الحالي امتدت أيضًا للسينما الجماهيرية، حين استضاف المهرجان عرضًا خاصًا للنسخة المرممة من فيلم السيارات الشهير «السريع والغاضب The Fast and the Furious» بحضور أبطاله، في تأكيد على الاحتفاء بكل أنواع الأفلام طالما امتلكت شعبية وتأثيرًا في المخيلة الجمعية للجمهور، مثل هذا الفيلم الأيقوني الذي أطلق سلسلة لا تزال مستمرة بنجاح حتى يومنا هذا.
عرض أول للشياطين
لوتشينو فيسكونتي، أندريه فايدا، يرزي سكولوموفسكي، أكيرا كوروساوا، أورسون ويلز، فيتوريو دي سيكا، وغيرهم قائمة كبيرة من صناع السينما الخالدين الذين عرض المهرجان أفلامًا لهم ضمن برنامج الكلاسيكيات، لكن يبقى الحدث الثقافي الذي يستحق التوقف هو عرض النسخة المرممة والكاملة من فيلم شديد الخصوصية هو «الشياطين The Devils» للمخرج البريطاني كين راسل.

راسل يمتلك مسيرة مثيرة للجدل، ظهر خلال الستينيات في وقت كانت السينما البريطانية فيه تجوب المهرجانات بأفلام عُرفت بموجة «واقعية حوض المطبخ kitchen-sink realism»، وهي أفلام درامية منخفضة التكلفة تحلل أزمات المجتمع البريطاني المعاصر وتحديدًا الطبقة العاملة، ليأتي مخرج مغامر، يحب تنفيذ أفلام ضخمة يمتزج فيها الواقع بالخيال، تمكن عام 1969 من الترشح لأربعة جوائز أوسكار بفيلم «نساء في الحب Women in Love»، وحقق نجاحًا جماهيريًا جعله هدفًا للاستوديوهات الأمريكية، ليقوم ستوديو وارنر برازرز بالتعاقد على حق توزيع «الشياطين»، وهو دراما تاريخية تدور أحداثها في فرنسا خلال القرن الخامس عشر.

قام راسل بتصوير الفيلم مستعينًا بنجمين بريطانيين كبيرين: أوليفر ريد وفانيسا ريدغريف. جسد ريد دور أوربان غراندييه، القس الكاثوليكي الذي رأس كنيسة مدينته وقت الحرب مع البروتستانت، واستفاد من ثقة الملك لويس الثالث عشر ليحكم السيطرة على المدينة ويدخل علاقات جنسية مع فتيات متدينات وقعن في حب شخصيته الآسرة وجاذبيته الجسدية. حتى انقضت الحرب وبدأ الكاردينال ريشيليو المقرب من الملك في الوشاية بغراندييه الذي رفض هدم تحصينات مدينته بعد انتهاء الغرض منها، وتآمر ضده حتى تم اتهامه بالكفر والتجديف وممارسة السحر والزنا، ليُحكم عليه بالإعدام، فيصمم غراندييه على موقفه معترفًا بممارسة الجنس كخطأ إنساني، ورافضًا الاعتراف بالاتهامات الزائفة برغم تعذيبه الشديد حتى الموت.

فاجأ كين راسل الجميع بفيلم شديد الجرأة على الصعيدي الجنسي والدينى، يعبر فيه بحرية كاملة عن رأيه في فساد السلطة وكيف يمكن أن يكون امتزاجها بالكنيسة سببًا في خراب المجتمع، بصور صاخبة ومشاهد شديدة الجرأة بحسابات وقتها، ليُصاب المنتجون والموزعون بالرعب، ويتعرض الفيلم للمنع في الولايات المتحدة وبريطانيا وعدة دول أخرى، ولا يتم السماح بعرضه إلا بعدما يُنفذ المخرج تعليمات الاستوديو بحذف عدة دقائق، ليُعرض الفيلم منقوصًا وتظل هذه هي نسخته الوحيدة المتاحة حتى عام 2002 عندما طُرحت نسخة المخرج على أسطوانات DVD. ورغم ذلك، ظلت النسخة المُرقبّة هي المتاحة على منصات العرض والقنوات التلفزيونية، ليكون عرض كان 2026 للنسخة المرممة هو أول عرض جماهيري لفيلم «الشياطين» كما أراده صانعه قبل 55 عامًا.
سينما متحررة من القيود
بحسابات اليوم، قد لا يكون الفيلم صادمًا للجمهور الغربي الذي صار معتادًا على أعمال أكثر جرأة، لكنه بالتأكيد يظل عملًا سابقًا لزمنه، يمكن التفكير في أن صانعه تأثر فيه بالإيطاليين الكبيرين فيدريكو فيلليني وبيير باولو بازوليني، أخذ من فيلليني الإنتاج الضخم والحس المسرحي والشخصيات التي تلامس الكاريكاتورية، ونهل من بازوليني الجرأة الصادمة ومعاملة التاريخ كمعادل للواقع، وامتزاج الجنس والدين في التعبير عن رسالة سياسية بالأساس، بل إن راسل الذي توفي عام 2011 ظل حتى رحيله يصف «الشياطين» بأنه الفيلم السياسي الوحيد الذي أخرجه طيلة حياته.

في الفيلم يقدم أوليفر ريد واحدًا من الأداءات التي يُمكن باطمئنان وصفها بالكمال، مجسدًا شخصية تبدو في البداية كاريكاتورية بمظهرها وطريقة حركتها وحديثها، قبل أن تمر برحلة تطور وتغير مُذهلة. الأب غراندييه الذي يبدأ الفيلم سلطويًا انتهازيًا، يستغل وسامته وطلاقة لسانه في الإيقاع بالبريئات ثم يتركهن بجفاء وعدم اكتراث لمصيرهن، تُعمّده الأحداث ليخرج من داخله بطل حقيقي، بطل أهم سماته هي إدراكه لضعفه الإنساني، واعترافه بأنه قد اخطأ، لكنه يصمم أن يُحاسب على ما اقترفه، لا أن يصير وسيلة لتنفيذ حيلة سياسية للسيطرة على المدينة عبر اتهامات كاذبة.

«الشياطين» فيلم عن السلطة وما يمكن أن تصنعه في نفوس أصحابها، سواء كانت سلطة حكم ملكي أو وصاية لاهوتية، وهو فيلم عن آليات التلاعب بالجماهير باستخدام سرديات تبدو للوهلة الأولى مستحيلة التصديق، لكن قوة الإيهام ورغبة البشر في الانخداع تجعل المستحيل ممكنًا. فيلم ينتمي إلى عصر كانت السينما فيه أكثر حرية، وكان صناع الأفلام فيها لا يزالون قادرين على اختبار الوسيط السينمائي لاستكشاف قدراته السردية والفكرية.
فيلم يذكرنا أن عروض الأفلام الكلاسيكية قد لا تحظي في كان بنفس الزخم الإعلامي الذي يصاحب العناوين الحديثة، لكنها تبقى بالتأكيد مساحة تستحق الاستكشاف، ولو حتى عبر مطاردة العناوين المختارة بعد انقضاء صخب المهرجان.