قلّة من النجوم يملكون هذا النوع من الجاذبية الفورية، تلك التي تتجاوز الوسامة إلى شيء أقرب للودّ والدفء والقدرة الغريبة على جعل الغرباء يشعرون أنهم يعرفونك. جورج كلوني (1961) يملك هذا وأكثر، فوسامته، وقدرته على الجمع بين الذكاء وخفة الظل، وصوته العميق، كلها عناصر كفيلة وحدها بصناعة نجم سينمائي كامل. وفي حضوره أحيانًا صدى لنجوم حقبة أقدم، ابتسامته الساخرة تستحضر كاري غرانت، وفيه من أناقة بول نيومان في الستينيات.

ميلاده الفني الحقيقي كان عام 1994، حين أصبح الدكتور روس في مسلسل «ER» (1994 – 2009)، الوجه الذي تعلّقت به كاميرات التلفزيون الأميركي فوراً. المخاطرة في بداية كهذه أن يبقى الممثل حبيس الشاشة الصغيرة إلى الأبد. كلوني تجنّب هذا، لم يتخلّ عن المسلسل، ولم يطالب بتمديد دوره فيه، بل بدأ يجرّب أدواراً مختلفة بالتوازي. لعب الخارج عن القانون سيث جيكو في «من الغسق إلى الفجر» (1996، «from Dusk Till Dawn»)، ثم الأب المطلّق أمام ميشيل فايفر في «يوم جيد» (1996، «One Fine Day»)، وهو دور لطيف أكثر منه مؤثرًا. جرّب الزي العسكري في «صانع السلام» (1997، «The Peacemaker») بنبرة جدية شبيهة بهاريسون فورد، قبل أن تنهار مصداقيته كليًا في كارثة «باتمان وروبن» (Batman & Robin) في العام نفسه. لكنه استعاد كل مل خسره في دقائق معدودة مع تيرنس ماليك، حين رسم في «الخط الأحمر الرفيع» (1998، «The Thin Red Line») صورة الجندي الخطابي البليد بحذق نادر.

الاكتشاف الحقيقي جاء عام 1998، مع «بعيدًا عن الأنظار» (Out of Sight) لستيفن سودربيرغ، المقتبس عن رواية لإلمور ليونارد. هنا بدأ تعاون سيغيّر مسار كلوني بالكامل، عالم ليونارد الغريب، حيث تُقدّر الكفاءة والرومانسية البسيطة وسط المجرمين والحمقى. في الفيلم يلعب كلوني دور لصّ هارب من العدالة، ينظر بإعجاب إلى المارشاله الفيدرالية التي تطارده (جينيفر لوبير) لأنها ببساطة تُتقن عملها. سنة بعدها في «ثلاثة ملوك» (Three Kings)، لديفيد أو. راسل، قدّم نسخة أكثر قسوة ومرارة، جندي حرب الخليج اللصّ، ببرود ساخر لكن بلا رومانسية الفيلم السابق. وبين هذا وذاك عاد للتعاون مع الأخوين كوين في «O brother, Where Art thou?»، ليؤكد أن حسّة الكوميدي لا يزال موجودًا.

مع صديقة غرانت هيلسوف أسس كلوني شركة «Section Eight»، التي أنتحت قبل النجاح الكبير لثلاثية «أوشن» («Ocean’s Eleven»، «Ocean’s Twelve»، «Ocean’s Thirteen») ثلاثة وعشرين فيلمًا ومشروعًا تلفزيونيًا. ولكن بقيت الثلاثية الأكثر شعبية بينها كلها. داني أوشن هو النسخة الأكثر مرحًا وأناقة وحظًا من الشخصية التي بناها كلوني منذ «بعيدًا عن الأنظار»، وهي من المرات النادرة التي سمح فيها لنفسه برفاهية اللامبالاة التي يملكها نجوم السينما الحقيقيون، رغم أنه بذل جهدًا أكبر بكثير مما بذله فرانك سيناترا في النسخة الأصلية للفيلم عام 1960.
عام 2003 كان حافلًا، «سولاريس» (Solaris) أظهر عمقه الدرامي، و«اعترافات عقل خطير» (Confessions of a Dangerous Mind) مثّل انطلاقته الاخراجية بنجاح كبير، و«قسوة لا تُطاق» (Intolerable Cruetly) أعاده إلى كوميديا الأخوين كوين في دور مطلّق ساخر. لكن الذروة الحقيقة جاءت عامي 2005 و2006، مع «Good night, and Good Luck» عن معركة المذيع إدوارد أر. مورو ضد حملات التطهير المكارثية في الخمسينيات و«Syriana».

رُشّح كلوني لثلاث جوائز أوسكار في سنة واحدة، أفضل مخرج وأفضل سيناريو أصلي عن الفيلم الأول الذي اخرجه، وأفضل ممثل مساعد عن الثاني، الذي شارك في إنتاجه التنفيذي أيضاً. لم يحدث من قبل في تاريخ الأكاديمية أن يُرشح ممثل للإخراج والتمثيل عن فيلمين مختلفين في السنة نفسها. فاز كلوني بجائزة الأوسكار عن«Syriana» وترك بصمة سياسية واضحة على مساره الفنّي، لم تكن حاضرة بالقدر نفسه في أفلامه السابقة.
في «Burn After Reading» (2008) يعود كلوني للمرة الرابعة مع الأخوين كوين، لكن هذه المرّة بأخف شخصية لعبها معهما. هاري بفارر، عميل حكومي مهووس بالجنس والرياضة، غارق بعلاقات موازية ومصادفات سخيفة تتقاطع مع خط قصة سرقة قرص مضغوط يحوي مذكرات عميل استخبارات سابق (جون مالكوفيتش). الفيلم كوميديا سوداء عبثية عن الغباء المؤسساتي، وكلوني فيه أبعد ما يكون عن صورة النجم الواثق المعتادة. رجل قلق، بارانويدي، يركض طوال الوقت بلا أي فكرة عمّا يجري حوله، بمرافقة فرانسيس ماكدورماند وبراد بيت في أحد أكثر أدواره الكوميدية بلاهة.

وإن كان هناك دور يختصر لغز كلوني كنجم سينمائي، فهو ريان بينغهام في «فوق في الجوّ» (2009، «Up In the Air»). مستشار أعمال يتنقل أكثر من ثلاثمئة يوم في السنة بين المطارات والفنادق ليفصل الموظفين «بلطف». ويحمل بطاقات عضوية النوادي الراقية بدل صور العائلة. كلوني يشعّ في كل مشهد بثقة أميركية خالصة، يتحرك في مكان يملكه فعلاً. أداء نجم السينما شكل خاص من التمثيل، يقوم أقلّ على تغيّر الشخصيات وأكثر على ثباتها. فالجمهور لا يرى الدور فقط، بل يقتنع بأنه يعرف الإنسان خلفه، كأن النجم يقدّم نفسه بقدر ما يقدّم الشخصية. وهذا بالضبط ما يجعل هذا الفيلم النموذج الأمثل، كل ما يفعله كلوني هنا لا يبتعد كثيرًا عن شخصيته العامة المألوفة، وهذا القرب هو سرّ الأداء. كما يظهر في إعلانات نسبريسو، حيث لا يلعب كلوني دورًا بالمعنى التقليدي، بل يقدّم حضوره الشخصي كمنتج بحدّ ذاته، وكأن الإعلان يراهن على معرفتنا به أكثر مما يراهن على الشخصية التي يؤديها.

قلّة من نجوم هوليوود يجيدون لعب الكوميديا الرومانسية بعد سن الأربعين كما يجيدها كلوني، بعيدًا عن نموذج الحبيبين الشابين المعتاد. المشترك بين هذه الأفلام أن كلوني لا يلعب فيها دور العاشق الأخرق، بل الرجل الواثق الذي يجد في المرأة المقابلة له ندًّا، وهذا بالتحديد ما يجعل كيمياءه الرومانسية تبدو أكثر إقناعًا كلما تقدّم في العمر. وبين عامي 2013 و2022 تنقّل كلوني بين أنواع سينمائية متباعدة. في «جاذبية» (2013، Gravity) لألفونسو كوارون يلعب رائد فضاء متمرّس يضحّي بنفسه ليمنح زميلته فرصة النجاة، في أداء محدود المساحة لكنه محوري لبناء الفيلم بصريًا ودراميًا. بعده بعامين، في «Tomorrow land» (2015) لبراد بيرد، يتحول إلى مخترع منعزل ومتشائم يُجبَر على مرافقة مراهقة متفائلة في رحلة نحو عالم مستقبلي بديل، وهو من أفلامه القليلة الموجّهة للعائلة. في العام نفسه تقريبًا يعود إلى أجواء الأخوين كوين مع «Hail, Caesar!» (2016) حيث يلعب نجمًا سينمائيًا ساذجًا في هوليوود الخمسينيات يقع ضحية عملية اختطاف، ضمن كوميديا تسخر من صناعة السينما نفسها. وفي العام نفسه أيضًا، في «Money Monster» لجودي فوستر، يجسّد مذيعًا يُحتجز على الهواء مباشرة من قبل مستثمر خسر مدّخراته، بمرافقة جوليا روبرتس كمنتجة تحاول إنقاذه من داخل الاستوديو. وبعد ست سنوات يجتمع بروبرتس مجددًا، لكن بنبرة مختلفة كليًا، في الكوميديا الرومانسية «Ticket to Paradise» (2022)، حيث يلعبان زوجين مطلقين يتحدان لمنع ابنتهما من تكرار خطأهما.

في السنوات الأخيرة استمر كلوني يلعب على وعيه بصورته الخاصة. في «ذئاب» (2024، «Wolfs») مع براد بيت. يبني جون واتس كوميديا حركة تسخر من نجومية الاثنين وصداقتهما خارج الشاشة أكثر مما تهتم بحبكتها البوليسية. وفي «Jay Kelly» (2025)، آخر أفلامه الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السنة الماضية، يذهب كلوني بهذا الوعي الذاتي إلى أقصاه. يلعب نجمًا سينمائيًا مخضرمًا يعيش أزمة وجودية، فيقدّم نسخة مشوّهة عمداً من نفسه، سحره الباهت، فكاهته التلقائية، وجهه الذي يعرف الكاميرات. الفيلم، بإخراج نواه بومباك وأداء مساند لافت لآدم ساندلر، أقرب لاعتراف، حكاية رجل أمضى حياته يمثّل كل شيء إلا نفسه، ويكتشف متأخرًا أن الحياة لا تمنح «فرصة أخرى». وربما هذا بالتحديد ما يجعل جورج كلوني يستحق أن يقف على سجادة البندقية الحمراء هذه السنة للتكريم، كأحد آخر من تبقّى من نوعه، نجم يحمل هالة كلاسيكية.
اقرأ أيضا: المشاركات العربية في «فينيسيا 2026»… أصوات تتحدّى الحرب والذاكرة والواقع